إسبانيا تجدد دعم صناعة السينما بـ1.5 مليار يورو
إسبانيا تؤكد استمرار الرهان على الصناعة السمعية البصرية
في رسالة واضحة إلى سوق السينما والإنتاج التلفزيوني في أوروبا، أعلنت الحكومة الإسبانية أنها ستواصل دعم القطاع السمعي البصري عبر مرحلة جديدة من خطة Spain Audiovisual Hub، مع تخصيص 1.5 مليار يورو في صورة أدوات تمويلية إضافية. الإعلان جاء على لسان وزير التحول الرقمي والوظيفة العامة الإسباني أوسكار لوبيز خلال فعالية مهنية أُقيمت ضمن الدورة الثانية والسبعين من مهرجان سان سباستيان السينمائي الدولي في 22 سبتمبر 2024.
وبالنسبة لمتابعي السينما العالمية في مصر، فإن الخبر لا يتعلق فقط بتمويل محلي داخل إسبانيا، بل يكشف عن سباق أوروبي أوسع لاستقطاب تصوير الأفلام والمسلسلات الكبرى، وتوسيع البنية الصناعية التي تخدم المنصات وشركات الإنتاج الدولية، من الاستوديوهات إلى خدمات ما بعد الإنتاج والرسوم المتحركة والأعمال التفاعلية.
ما الذي أعلنته مدريد تحديدًا؟
بحسب البيان الرسمي الصادر عن وزارة التحول الرقمي والوظيفة العامة في إسبانيا، أوضح أوسكار لوبيز أن القطاع سيحصل على 1.5 مليار يورو إضافية ضمن مرحلة جديدة من خطة “إسبانيا، مركز أوروبا السمعي البصري”. كما أشار إلى أن إدارة هذه الحزمة ستتولاها الشركة الإسبانية للتحول التكنولوجي SETT، وهي الجهة التي تقدم أدوات استثمار وتمويل للشركات والمركبات المالية المتخصصة في المجال السمعي البصري.
الوزير الإسباني قدّم الخطوة باعتبارها امتدادًا لسياسة حكومية تعتبر السينما والتلفزيون والمحتوى الرقمي قطاعًا صناعيًا كاملًا، لا مجرد نشاط ثقافي أو ترفيهي. وهذا التحول في طريقة النظر إلى الصناعة مهم جدًا، لأنه يربط الإنتاج الفني بالوظائف، والتصدير، والسياحة، وجذب رأس المال الأجنبي.
خطة بدأت قبل سنوات وتتوسع الآن
الأساس الذي تستند إليه هذه المرحلة الجديدة هو برنامج Spain Audiovisual Hub الذي يعرّفه الموقع الرسمي للحكومة الإسبانية كخطة تهدف إلى رفع جاذبية إسبانيا كمركز دولي للإنتاج والأعمال والاستثمار في القطاع السمعي البصري. ووفق المنصة الرسمية للخطة، فإن البرنامج الأصلي كان يستهدف تعبئة 1.603 مليار يورو من الموارد العامة، مع هدف بزيادة الإنتاج السمعي البصري المنفذ داخل إسبانيا بنسبة 30%.
ولا يقتصر نطاق الخطة على الأفلام السينمائية فقط، بل يشمل أيضًا المسلسلات والرسوم المتحركة والإعلانات وألعاب الفيديو والمحتوى الرقمي التفاعلي. لهذا تبدو الخطة أقرب إلى مشروع صناعي متكامل يراهن على أن تصبح إسبانيا منصة أوروبية جاذبة للمشاريع الدولية، خاصة في ظل المنافسة مع دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة والمجر.
ماذا قال أوسكار لوبيز عن وضع السوق؟
خلال كلمته في سان سباستيان، شدد أوسكار لوبيز على أن الصناعة السمعية البصرية الإسبانية تعيش لحظة توسع مهمة. ووفق الأرقام التي عرضها في البيان الرسمي، ارتفع التوظيف في القطاع بنسبة 93% خلال السنوات الثلاث السابقة على الإعلان، كما قفز عدد المسلسلات المنتجة سنويًا من 45 مسلسلًا في 2018 إلى 85 مسلسلًا في 2022. وأضاف أن إسبانيا أصبحت تتصدر بين دول الاتحاد الأوروبي من حيث استثمار المنصات في المحتوى الأوروبي الأصلي.
هذه المؤشرات تفسر لماذا تصر مدريد على مواصلة الإنفاق في هذا الملف. فالحكومة ترى أن الاستثمار في الصناعة لا يحقق فقط عائدًا ثقافيًا، بل يخلق سلاسل قيمة مرتبطة بالتقنيات، والخدمات اللوجستية، وحقوق الملكية الفكرية، وحتى تدريب الكفاءات الجديدة.
مهرجان سان سباستيان… منصة سياسة وصناعة معًا
اختيار مهرجان سان سباستيان السينمائي الدولي للإعلان لم يكن مصادفة. المهرجان يعد واحدًا من أهم المواعيد السينمائية في أوروبا، ودورته الثانية والسبعون أُقيمت في سبتمبر 2024. وفي السنوات الأخيرة، لم يعد المهرجان مجرد مساحة للعروض الأولى والجوائز، بل تحول أيضًا إلى منصة حوار بين الحكومات، والمنتجين، والمنصات، والممولين.
الفعالية التي تحدث فيها لوبيز خُصصت لمناقشة التحالفات والاستثمارات اللازمة لتدعيم المنظومة السمعية البصرية الأوروبية. وشارك فيها مسؤولون ومنتجون ومديرو شركات ومؤسسات من داخل إسبانيا وخارجها، في إشارة إلى أن الملف لم يعد شأنًا محليًا، بل جزءًا من إعادة رسم خريطة الإنتاج الأوروبي في مواجهة السوق العالمية.
دور SETT في المرحلة المقبلة
من النقاط الأساسية في الإعلان أن الحزمة الجديدة ستدار عبر SETT، وهي مؤسسة حكومية إسبانية معنية بتوجيه أدوات الاستثمار والتمويل في مجالات التحول التكنولوجي. ووفق الصفحة الرسمية للمؤسسة، فإنها تعمل في القطاع السمعي البصري على تحسين الوصول إلى التمويل وجذب الاستثمار الخاص في مجالات مثل السينما والتلفزيون والأنيميشن والمحتوى التفاعلي.
هذا يعني أن الدعم المنتظر لن يكون مجرد منح تقليدية، بل قد يأخذ شكل أدوات تمويلية أكثر تنوعًا ومرونة، وهو ما يتماشى مع طبيعة السوق الحديثة، حيث تحتاج شركات الإنتاج إلى هياكل تمويل قادرة على دعم التطوير والإنتاج والتوسع الدولي، وليس فقط تغطية نفقات التصوير.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ المصري؟
من زاوية مصرية، تحمل الخطوة الإسبانية أكثر من دلالة. أولًا، هي تبرز كيف تتعامل الحكومات الأوروبية مع السينما باعتبارها صناعة استراتيجية وليست نشاطًا هامشيًا. ثانيًا، تؤكد أن المنافسة العالمية على استقطاب الإنتاجات الكبرى أصبحت تعتمد على الحوافز والتمويل والبنية التحتية وسرعة الإجراءات. وثالثًا، تفتح الباب لفهم كيف تبني الدول مواقعها داخل السوق الدولية للمحتوى، خصوصًا مع التوسع المستمر للمنصات العالمية.
كما أن نجاح إسبانيا في تعزيز حضورها داخل خريطة التصوير والإنتاج الأوروبي يجعلها نموذجًا مهمًا للمقارنة بالنسبة إلى أسواق أخرى تطمح لزيادة الجاذبية أمام الشركات العالمية. ففي عالم السينما اليوم، القرار لا يتعلق فقط بجمال المواقع الطبيعية، بل أيضًا بتكلفة الإنتاج، والضرائب، والتمويل، وتوافر الفرق الفنية، والقدرة على إنجاز المشروع بسرعة وكفاءة.
خلاصة المشهد
الرسالة التي خرجت من سان سباستيان واضحة: إسبانيا لا تنوي التراجع عن مشروعها السمعي البصري، بل تريد دفعه إلى مرحلة أكبر عبر تمويل جديد بقيمة 1.5 مليار يورو. ومع وجود خطة حكومية ممتدة، وأدوات تمويل عبر SETT، ومهرجان دولي يمنح هذا التوجه واجهة رمزية وصناعية في الوقت نفسه، تبدو مدريد مصممة على ترسيخ موقعها كواحدة من أهم قواعد الإنتاج في أوروبا.
وبينما يراقب القطاع العالمي تحولات التمويل والإنتاج بعد سنوات من التغيير السريع، فإن ما تفعله إسبانيا اليوم يعكس حقيقة أساسية: معركة السينما الحديثة تُحسم بقدر ما تُحسم في مواقع التصوير، فإنها تُحسم أيضًا داخل وزارات الاقتصاد، وخطط الاستثمار، ومؤسسات التمويل.