إسبانيا تضخ 1.712 مليار يورو لبناء قوة سمعية بصرية عالمية
دفعة جديدة من مدريد لصناعة الصورة والصوت
تدخل إسبانيا مرحلة أكثر جرأة في تمويل قطاعها السمعي البصري، مع توسيع دور الجمعية الإسبانية للتحول التكنولوجي SETT بوصفها الذراع الاستثمارية الحكومية التي تقود أدوات التمويل ضمن خطة Spain Audiovisual Hub. الرهان هنا لا يقتصر على دعم فيلم أو مسلسل بعينه، بل يتجه إلى بناء شركات ومنصات وصناديق قادرة على تحويل الصناعة الإسبانية إلى لاعب أوروبي وعالمي أكثر حضورًا في السينما والدراما والمحتوى الرقمي والألعاب. ويأتي هذا التحرك في وقت يحتل فيه مهرجان سان سيباستيان السينمائي موقعًا محوريًا داخل أجندة الصناعة في إسبانيا، باعتباره ساحة تجمع بين العروض الفنية والصفقات والاستثمار.
وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه التطورات مهمة لأنها تكشف كيف تتعامل دولة أوروبية كبرى مع السينما بوصفها قطاعًا اقتصاديًا وثقافيًا في آن واحد؛ أي نموذج قريب من النقاشات الجارية عربيًا حول تمويل الإنتاج، وتوسيع الشراكات، وجذب التصوير الأجنبي، وخلق شركات محلية تستطيع المنافسة خارج حدودها.
ما هي SETT ولماذا أصبحت لاعبًا رئيسيًا؟
بحسب التعريف الرسمي، فإن SETT هي جهة عامة إسبانية مخصصة لتمويل واستثمار المشاريع المرتبطة بالتحول الرقمي والتقنيات المتقدمة، بما يشمل القطاع السمعي البصري. وتعمل المؤسسة تحت مظلة وزارة التحول الرقمي والخدمة العامة الإسبانية، التي يتولاها الوزير أوسكار لوبيث أغييدا. كما تؤكد البيانات الرسمية أن SETT تدير، إلى جانب صندوق القطاع السمعي البصري، أدوات أخرى مرتبطة بالرقائق الإلكترونية والاستثمار التقني، ما يوضح أن مدريد تنظر إلى الإعلام والترفيه باعتبارهما جزءًا من اقتصاد التكنولوجيا الجديد، لا مجرد نشاط ثقافي تقليدي.
وفي الصفحة الرسمية لمنطقة الصناعة في مهرجان سان سيباستيان، خُصصت فعاليات تحمل اسم Spain Audiovisual Hub يومي 20 و22 سبتمبر، ما يعكس الحضور المباشر لهذا الملف داخل أهم منصة سينمائية وصناعية في البلاد.
1.712 مليار يورو في المرحلة الثانية
الرقم الأهم في المشهد الحالي هو 1.712 مليار يورو، وهو حجم التمويل المخصص للمرحلة الثانية من خطة Spain Audiovisual Hub، وفق ما أعلنته وزارة التحول الرقمي والحكومة الإسبانية عبر SETT. وفي 2 أكتوبر 2025، قال الوزير أوسكار لوبيث إن المؤسسة تضع أكثر من 1.7 مليار يورو تحت تصرف القطاع من أجل إنتاج أفضل المسلسلات والأفلام في إسبانيا، ضمن عرض قدمه خلال فعالية Iberseries & Platino Industria في مدريد.
وتوضح الوثائق الحكومية كذلك أن هذه المرحلة الثانية تستهدف تعزيز صلابة القطاع وقدرته التشغيلية في السوق العالمية، لا سيما عبر أدوات مالية واستثمارية تسمح للشركات بالنمو، وجذب رأس المال الخاص، وتقوية سلاسل الإنتاج والتوزيع والخدمات المرافقة.
من الصناديق إلى الإنتاج: كيف تُصرف الأموال؟
المقاربة الإسبانية لا تقوم فقط على منح مباشرة للأعمال، بل على الدخول في صناديق استثمار متخصصة يمكنها تمويل الإنتاج والتوزيع والتطوير على نطاق أوسع. ففي 9 سبتمبر 2025، وافق مجلس الوزراء الإسباني على استثمار 44 مليون يورو في صندوق Culture CAP7 الموجه لتمويل الإنتاجات السمعية البصرية. وقدمت الحكومة هذه العملية باعتبارها أول تحرك في المرحلة الثانية من الخطة، مع تركيز واضح على دعم الشركات الإسبانية الصغيرة والمتوسطة العاملة في الصناعة.
ثم في 22 سبتمبر 2025، أُعلن عن استثمار إضافي بقيمة 4.9 مليون يورو في صندوق Moby Dick Film Capital عبر SETT، بهدف تمويل وإنتاج وتسويق محتوى سينمائي ذي قدرة على الوصول الدولي، مع اهتمام خاص بالمشاركات الإنتاجية الإسبانية التي يمكنها جذب تصويرات أجنبية كبرى إلى البلاد.
إذا جُمعت العمليتان المعلن عنهما رسميًا في سبتمبر وأكتوبر 2025، فإن القيمة المؤكدة لهذه الدفعة الاستثمارية تبلغ 48.9 مليون يورو حتى تلك المرحلة المعلنة، وهي جزء من مظلة أوسع تتجاوز 1.7 مليار يورو في المرحلة الثانية. أما الرقم المتداول في بعض التغطيات الدولية بشأن استثمارات أكبر خلال 12 شهرًا، فلا ينبغي التعامل معه كحقيقة نهائية من دون سند رسمي مباشر، لذلك يظل الأوثق هو ما أعلنته الجهات الحكومية الإسبانية نفسها.
لماذا يهم هذا التحرك مهرجان سان سيباستيان؟
مهرجان سان سيباستيان ليس مجرد مناسبة لعرض الأفلام، بل منصة أعمال كاملة تشمل منتديات تمويل، ولقاءات مهنية، وبرامج تطوير ومكتبة مشاهدة للصناعة، إضافة إلى أنشطته المعروفة بين أوروبا وأمريكا اللاتينية. ولهذا يصبح وجود SETT وخطة Spain Audiovisual Hub داخل المهرجان مسألة منطقية: فالمهرجان يوفر جمهورًا من المنتجين والممولين والموزعين وصناع القرار، أي البيئة المثالية لعرض أدوات التمويل الجديدة وبناء الشراكات حولها.
ومن زاوية عربية، فإن هذه الصيغة تثير الانتباه لأنها تشبه ما تحتاجه أسواق المنطقة: منصات مهرجانية مرتبطة فعليًا بالاستثمار، لا بالاستهلاك الإعلامي فقط. فحين تقترن المهرجانات بأدوات تمويل واضحة، يصبح الحديث عن تحويل الأفلام والمسلسلات إلى صناعة قابلة للتصدير أكثر واقعية.
ما الذي تريد مدريد تحقيقه فعليًا؟
الهدف المعلن للحكومة الإسبانية هو ترسيخ مكانة البلاد كمركز أوروبي للإنتاج. ووفق المذكرة الرسمية الصادرة في سبتمبر 2025، أكدت الوزارة أن الوظائف في القطاع ارتفعت بنسبة 107% خلال السنوات الخمس السابقة، وأن شباك التذاكر السينمائي في 2024 تجاوز مستوى 2021 بنسبة 93%. كما قالت الحكومة إن إسبانيا أصبحت تحتل المركز الرابع أوروبيًا في إنتاج الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، وإنها تتصدر داخل الاتحاد الأوروبي من حيث استثمارات منصات البث في المحتوى الأوروبي الأصلي.
هذه المؤشرات تفسر لماذا تتعامل مدريد مع التمويل السمعي البصري باعتباره سياسة صناعية كاملة. فالمسألة لا ترتبط فقط بالقيمة الفنية للأعمال، بل أيضًا بالتشغيل، والخدمات المساندة، والسياحة المرتبطة بالتصوير، وجذب الشركات الدولية، وتطوير البنية التحتية للإنتاج وما بعد الإنتاج.
دروس تهم القارئ المصري والعربي
في مصر والمنطقة العربية، يتكرر النقاش حول كيفية تحويل الزخم الفني إلى قوة إنتاجية مستدامة. والتجربة الإسبانية تقدم مثالًا عمليًا على ثلاث نقاط أساسية:
- التمويل المؤسسي طويل المدى بدل التحركات الموسمية المحدودة.
- ربط الثقافة بالتكنولوجيا، بما يشمل الألعاب والمؤثرات البصرية والمحتوى التفاعلي.
- استخدام المهرجانات كمنصات أعمال لربط المنتجين بالممولين والأسواق الدولية.
كما أن اتساع تعريف القطاع السمعي البصري داخل الأدبيات الرسمية الإسبانية ليشمل الأفلام، والتلفزيون، والثقافة الرقمية، والمحتوى التفاعلي، وتجارب الواقع الغامر، يفتح بابًا مهمًا أمام صناع القرار في المنطقة للتفكير في الصناعة بمنظور أشمل من السينما التقليدية وحدها.
الخلاصة
التحرك الإسباني عبر SETT لا يبدو مجرد خبر تمويلي عابر، بل خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل موقع إسبانيا في خريطة الترفيه العالمية. ومع حضور هذا الملف بقوة في فضاءات سان سيباستيان المهنية، يتأكد أن التنافس اليوم لم يعد بين أفلام فقط، بل بين نماذج وطنية كاملة تعرف كيف تمول، وتنتج، وتسوّق، وتبني شركات قادرة على الاستمرار. بالنسبة للمنطقة العربية، ولقارئ مصر خصوصًا، فإن متابعة هذه التحولات ليست ترفًا، بل نافذة مفيدة على كيفية صناعة نفوذ ثقافي واقتصادي عبر الشاشة.