Filmatology

«أصدقائي غير المرغوب فيهم 2» يوثق منفى الصحافة الروسية

فيلم وثائقي يواصل الحكاية من لحظة الانكسار إلى اختبار البقاء

يعود الفيلم الوثائقي My Undesirable Friends: Part II — Exile ليستكمل المسار الذي بدأته المخرجة جوليا لوكتيف في الجزء الأول، لكن هذه المرة من خارج روسيا، حيث تنتقل الكاميرا إلى حياة مجموعة من الصحفيين المستقلين بعد اضطرارهم إلى مغادرة بلادهم عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. العمل لا يقدّم مجرد متابعة لاحقة، بل يبني فصلًا جديدًا عن المنفى بوصفه واقعًا يوميًا يفرض نفسه على المهنة والحياة الشخصية في آن واحد.

وبحسب المعلومات المنشورة عن الفيلم، فإن جوليا لوكتيف تتعقب في هذا الجزء صحفيين وصحفيات وُصم بعضهم داخل روسيا بصفة «عملاء أجانب»، بينما تفرّقوا بين مدن أوروبية وأميركية لمواصلة العمل الإعلامي من الخارج. ويظهر الفيلم كيف تحولت معركة نقل الخبر من غرف تحرير داخل موسكو إلى مساحات مؤقتة في كييف وبراغ وتبليسي وأمستردام ولاتفيا ونيويورك، من دون أن تتراجع الرغبة في الاستمرار أو في توثيق آثار الحرب.

ماذا نعرف عن الفيلم حتى الآن؟

المؤكد أن الفيلم من إخراج جوليا لوكتيف، المخرجة الروسية الأميركية، ويأتي ضمن إنتاج أميركي ناطق بالروسية مع ترجمة إنجليزية. كما أُعلن عن عرضه ضمن قسم Main Slate في الدورة الرابعة والستين من مهرجان نيويورك السينمائي، الممتدة بين 25 سبتمبر و12 أكتوبر 2026، مع عرض محدد للفيلم يوم الأحد 27 سبتمبر في الساعة 11:45 صباحًا يتبعه نقاش مع صناع وشخصيات من العمل.

وتصل مدة الفيلم إلى 355 دقيقة، أي ما يقارب ست ساعات، مع استراحة واحدة مدتها 30 دقيقة. هذا الامتداد الزمني ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من بنية الفيلم نفسه؛ فلوكتيف تراهن على الزمن الطويل كي تمنح المشاهد إحساسًا متراكمًا بالاقتلاع، والتنقل، وانتظار الاستقرار الذي قد لا يأتي سريعًا.

أسماء حقيقية في قلب الحكاية

من بين الأسماء المرتبطة بالعمل كسينيا ميرونوفا، أليزيا ماروخوفسكايا، إيرينا دولينينا، سونيا غرويسمان، وإيلينا كوستيوتشينكو، إلى جانب آنا نيمزر التي تحمل كذلك صفة المشاركة في الإخراج وفق قواعد بيانات الفيلم المتداولة. هذه الأسماء ليست ممثلين يؤدون أدوارًا، بل صحفيون يعيشون التجربة نفسها التي يوثقها الفيلم، وهو ما يمنح المشروع قوة إضافية داخل مساحة الأفلام الوثائقية المعاصرة.

كما تشير البيانات الرسمية الخاصة بعرض نيويورك إلى أن الفيلم من الإنتاج التنفيذي لكل من ميريل ستريب (@merylstreep على إنستغرام) ولورا بويتراس. وجود اسمين بهذا الثقل خلف العمل يضيف له زخمًا فنيًا وإعلاميًا، خصوصًا لدى جمهور المهرجانات ومنصات العرض النوعية.

امتداد لجزء أول لفت الأنظار

أهمية الجزء الثاني لا تنفصل عن الصدى الذي حققه My Undesirable Friends: Part I — Last Air in Moscow، إذ كان الجزء الأول قد ركز على مناخ التضييق المتزايد على الإعلام المستقل داخل روسيا قبل الغزو وفي بداياته، ثم انتهى عند لحظة الفرار القسري. الجزء الجديد يبدأ من هذه النقطة تحديدًا: ماذا يحدث عندما ينجو الصحفي من القمع المباشر، لكنه يجد نفسه بلا وطن مستقر، وبلا غرفة أخبار ثابتة، وبأسئلة مفتوحة عن اللغة والجمهور والهوية؟

هنا يتحول الفيلم من توثيق سياسي فقط إلى مادة إنسانية كثيفة. فالمهنة مستمرة، لكن الحياة نفسها تعاد صياغتها: أين يسكن هؤلاء؟ كيف يعملون؟ كيف يفكرون في العودة؟ وكيف يمكن الحفاظ على الصلات الشخصية والعائلية بينما تتوزع الحياة على حقائب سفر ومدن عابرة؟

زاوية «شباك التذاكر»: فيلم مهرجانات بامتياز

بالنسبة إلى جمهور «شباك التذاكر» في مصر، فإن هذا النوع من الأعمال لا يُقاس فقط بإيراداته التجارية المباشرة، بل بموقعه داخل خريطة الأفلام الوثائقية الكبرى ومهرجانات السينما العالمية ومنصات التوزيع المتخصصة. الفيلم موزع عبر MUBI (@mubi على إنستغرام) وفق البيانات المتاحة، كما تشير المعلومات المنشورة إلى موعد طرح محدود في دور العرض يوم 9 أكتوبر 2026. وهذه إشارة مهمة إلى أن الفيلم، رغم طابعه السياسي الوثائقي، يُعامل كحدث سينمائي موجّه لجمهور يتابع الاختيارات الفنية الثقيلة لا السوق الجماهيري التقليدي.

ومن زاوية الاهتمام المصري والعربي، تبقى قيمة هذه الأعمال في قدرتها على اختبار حدود السينما الوثائقية: هل يمكن لفيلم طويل جدًا أن يحافظ على تشويق المتابعة؟ وهل تنجح الحكاية السياسية في جذب المشاهد إذا قُدمت عبر تفاصيل الحياة اليومية لا عبر الخطب والشعارات؟ المؤشرات الأولى تقول إن لوكتيف تراهن على القرب الشديد من شخصياتها، وعلى مراقبة لحظات الهشاشة والفكاهة السوداء والعمل اليومي تحت ضغط المنفى.

لماذا يبدو الفيلم مهمًا الآن؟

لأن الحرب لم تعد خلفية بعيدة في نشرات الأخبار، بل واقعًا يعيد تشكيل مسارات البشر ومهنهم. هذا ما يلتقطه الفيلم بوضوح: الحرب لا تدمر المدن فقط، بل تعيد تعريف وظيفة الصحافة نفسها. وفي حالة هؤلاء الصحفيين، يصبح نقل الحقيقة فعل بقاء، كما يصبح المنفى امتدادًا قاسيًا لغرفة الأخبار لا خروجًا منها.

اللافت أيضًا أن الفيلم لا يكتفي بتسجيل لحظة هروب أولى، بل يتتبع سنوات من التكيف القسري عبر أكثر من بلد. هذا الاتساع الجغرافي، من كييف إلى نيويورك، يمنح المشروع بعدًا أوسع من مجرد قصة محلية روسية؛ إنه فيلم عن الإعلام حين يُطرد من وطنه، وعن الأفراد حين يصبح العمل هو الخيط الأخير الذي يربطهم بما كانوا عليه.

ما الذي ينتظره الجمهور من التجربة؟

  • فيلم طويل ومكثف: مدة 355 دقيقة تعني تجربة مشاهدة تتطلب صبرًا وانخراطًا حقيقيًا.
  • مادة وثائقية حميمة: التركيز على الصحفيين كأشخاص لا كعناوين خبر فقط.
  • ثقل مهرجاني واضح: عرض في مهرجان نيويورك السينمائي مع حضور صانعات وشخصيات الفيلم.
  • أهمية سياسية وإنسانية: متابعة أثر الحرب على الإعلام والمنفى والأسرة والهوية.

الخلاصة

يبدو My Undesirable Friends: Part II — Exile واحدًا من أبرز الأفلام الوثائقية المطروحة على رادار موسم المهرجانات في 2026، ليس فقط لأنه يستكمل عملًا سبق أن حظي باهتمام نقدي، بل لأنه يذهب أبعد من الحدث السياسي إلى معناه الإنساني العميق. جوليا لوكتيف تتابع هنا أشخاصًا حقيقيين يحملون مهنتهم كنوع من المقاومة، ويحاولون أن يبنوا حياة مؤقتة فوق أرض غير ثابتة. وبالنسبة لمتابعي السينما الوثائقية في مصر، فهذا عنوان يستحق المتابعة عن قرب، سواء عبر دوائر المهرجانات أو عند وصوله إلى منصات العرض المتخصصة.