افتتاح «القصص» في تورونتو يعزز حضور السينما المصرية
اختيار الافتتاح ليس تفصيلًا بروتوكوليًا
يأتي اختيار فيلم «القصص» للمخرج المصري أبو بكر شوقي لافتتاح الدورة السابعة من مهرجان تورونتو العربي للأفلام، المقامة بين 24 يوليو و1 أغسطس 2026، بوصفه إشارة ثقافية تتجاوز فكرة العرض الافتتاحي المعتادة. فالمهرجان، الذي يقدّم منصة مخصصة للسينما العربية في مدينة كندية متعددة الثقافات مثل تورونتو، منح هذه المساحة الافتتاحية لفيلم مصري يحمل حكاية شديدة الخصوصية، لكنها مصاغة بلغة إنسانية قابلة للوصول إلى جمهور دولي واسع.
الأهمية هنا لا ترتبط فقط باسم أبو بكر شوقي، بل أيضًا بطبيعة الفيلم نفسه. فـ«القصص» لا يراهن على الاستعراض أو على موضوع سهل التصدير، بل يعود إلى البيت المصري، إلى الذاكرة العائلية، وإلى التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها مصر من أواخر الستينيات حتى الثمانينيات، عبر قصة شاب قاهري يحلم بأن يصبح عازف بيانو، وتتشكل حياته عبر مراسلات مع فتاة نمساوية.
«القصص».. حكاية مصر من الداخل
بحسب ما أعلنته التغطيات المصرية والعربية للفيلم، تدور أحداث «القصص» بدءًا من صيف 1967، حين يتلقى أحمد رسالة من النمسا بعد بحثه عن صديقة للمراسلة، لتبدأ علاقة إنسانية وعاطفية مع «ليز» تمتد على خلفية الحروب، والضغوط العائلية، والتحولات التي عاشها المجتمع المصري حتى أواخر الثمانينيات. هذا الامتداد الزمني يمنح الفيلم مساحة نادرة لرصد التاريخ المصري لا من قاعات السلطة، بل من داخل شقة وأسرة وعلاقات يومية.
هذه الزاوية بالتحديد هي ما يجعل الفيلم مهمًا للمتلقي المصري والعربي معًا. فبدلًا من تقديم مصر كفكرة سياحية أو كخلفية بصرية، يقدّمها أبو بكر شوقي كنسيج حي: أحلام طبقة بسيطة، حساسية العائلة تجاه المختلف، أثر الحرب على المشاعر، وصعوبة التمسك بالفن في مجتمع منشغل بالتحولات الكبرى.
قصة شخصية بامتداد إنساني
أكد أبو بكر شوقي في تصريحات منشورة بعد طرح الفيلم في دور العرض أن المشروع بدأ عام 2019، وأن فكرته مستوحاة من قصة تعارف والده المصري ووالدته النمساوية عبر المراسلات. هذا الأصل الشخصي لا يجعل «القصص» فيلم سيرة ذاتية حرفيًا، لكنه يمنحه صدقًا واضحًا في التفاصيل: الانتظار الطويل لوصول الرسائل، حساسية الاختلاف الثقافي، وارتباط الحب بأسئلة الطبقة والهوية والزمن.
ومن هنا يمكن فهم سبب قدرته على السفر خارج مصر. العالم لا يلتفت فقط إلى الأفلام التي “تشرح” مصر، بل أيضًا إلى الأفلام التي تنطلق من خصوصية مصرية حقيقية ثم تفتح منها بابًا إلى أسئلة إنسانية أوسع: كيف نصنع ذاكرتنا؟ كيف يغيّر التاريخ مصائر الأفراد؟ وهل يمكن للحب والفن أن يصمدا أمام الخوف والرفض والتحولات الكبرى؟
مسار مهرجاني قوي قبل تورونتو
اختيار «القصص» لافتتاح مهرجان تورونتو العربي للأفلام لم يأت من فراغ. فالفيلم بدأ عرضه العالمي في مهرجان تالين بلاك نايتس في إستونيا خلال نوفمبر 2025، ثم واصل رحلته في عدد من المحطات الدولية. كما فاز بجائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي في ديسمبر 2025، وحصل كذلك على جائزة أفضل إسهام فني في التصوير السينمائي لمدير التصوير وولفجانج ثالر في الدورة الخامسة عشرة لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية.
هذا المسار يمنح الفيلم وزنًا إضافيًا: نحن لا نتحدث عن عمل مصري ظهر محليًا ثم انتقل إلى مهرجان عربي في المهجر، بل عن فيلم بنى حضورًا دوليًا تراكميًا، قبل أن يصل إلى تورونتو بوصفه عمل الافتتاح. وبالنسبة للسينما المصرية، فهذه النقطة جوهرية؛ لأن استعادة الحضور العالمي لا تتحقق بحدث واحد، بل بسلسلة من المشاركات والجوائز والقراءات النقدية التي تخلق صورة متماسكة عن حيوية الإنتاج المصري.
طاقم التمثيل والإنتاج.. قوة مصرية بشراكة دولية
يضم الفيلم فريقًا تمثيليًا لافتًا يتقدمه أمير المصري في دور أحمد، إلى جانب نيللي كريم وفاليري باشنر، مع مشاركة أسماء مصرية معروفة مثل أحمد كمال وصبري فواز وكريم قاسم وشريف الدسوقي وخالد مختار. هذا المزج بين ممثلين مصريين واسم أوروبي بارز مثل فاليري باشنر يعكس طبيعة الفيلم نفسه، القائم على التماس بين القاهرة وفيينا، بين المحلي والعابر للحدود.
أما على مستوى الإنتاج، فقد شارك فيه محمد حفظي وشاهيناز العقاد، وجرى تصويره بين القاهرة وفيينا. كما تشير المواد التعريفية للفيلم إلى أنه إنتاج مشترك بين أكثر من بلد، من بينها مصر وفرنسا والنمسا والسويد. وهذه الصيغة الإنتاجية لا تنتقص من هوية الفيلم المصرية، بل على العكس: تؤكد أن العمل المصري يمكنه الحفاظ على لغته وموضوعه وذاكرته، وفي الوقت نفسه الانخراط في سوق ومهرجانات وشبكات تمويل دولية.
لماذا يفيد هذا الافتتاح السينما المصرية عالميًا؟
1) لأنه يقدّم مصر عبر قصة لا عبر شعار
من أبرز مشكلات الترويج الخارجي لبعض الأفلام العربية أنها تتعامل مع البلد بوصفه عنوانًا جاهزًا. أما «القصص» فيقدّم مصر عبر تفاصيل العائلة، والموسيقى، والطبقة، والمراسلات، والحلم الفردي. هذا النوع من السرد يمنح المتلقي الأجنبي فرصة لاكتشاف مصر من الداخل، لا من خلال صور نمطية.
2) لأنه يثبت أن الفيلم المصري ما زال قادرًا على المنافسة المهرجانية
خلال الشهور الماضية، تحرك «القصص» بين تالين وقرطاج والبحر الأحمر والأقصر، ثم وصل إلى عرض افتتاح في تورونتو. هذا المسار يرسل رسالة واضحة: السينما المصرية لا تزال قادرة على إنتاج فيلم مؤلف ذي قيمة فنية، وفي الوقت نفسه قابل للتداول الدولي.
3) لأنه يربط الجيل الجديد من المخرجين بصورة مصر الحديثة
أبو بكر شوقي ليس اسمًا طارئًا على المشهد؛ فهو من المخرجين الذين ارتبط اسمهم خلال السنوات الأخيرة بمشروع سينمائي واضح، قائم على الحس الإنساني والانفتاح على العالم من دون التخلي عن الجذور المحلية. وعندما يفتتح فيلمه مهرجانًا عربيًا في مدينة مثل تورونتو، فإن ذلك ينعكس على صورة السينما المصرية المعاصرة كلها، لا على الفيلم وحده.
من دور العرض في مصر إلى الجمهور العربي في المهجر
دخل «القصص» دور العرض في مصر يوم 17 يونيو 2026، ثم طُرح في دور العرض العربية يوم 18 يونيو. هذا التوقيت مهم؛ لأنه يعني أن حضور الفيلم في تورونتو جاء بعد وصوله إلى الجمهور المحلي والعربي، وليس بدلًا منه. أي أن الفيلم تحرك في مسارين متوازيين: مسار جماهيري داخل المنطقة، ومسار مهرجاني وثقافي خارجها.
بالنسبة إلى الجمهور المصري، يحمل هذا معنى مضاعفًا. فنجاح الفيلم دوليًا لا يبدو منفصلًا عن بيئته الأصلية، بل امتدادًا لها. كما أن اختياره في مهرجان عربي خارج الوطن العربي يفتح بابًا آخر للحضور المصري بين الجاليات العربية والأجيال الجديدة المولودة في الخارج، وهي جمهور مهم لفهم كيف تستمر قوة السينما المصرية كذاكرة وهوية ولسان ثقافي.
ما الذي يقوله «القصص» عن لحظة السينما المصرية الآن؟
ربما تكون أهم دلالة في هذه اللحظة أن فيلمًا مثل «القصص» استطاع أن يحجز مكانه دوليًا من خلال المحتوى المصري نفسه: التاريخ الاجتماعي، البيت القاهري، الموسيقى، العائلة، واللهجة، والحنين، والتناقضات اليومية. لا من خلال التخفف من هذه العناصر، بل عبر تعميقها.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لافتتاح مهرجان تورونتو العربي للأفلام بهذا العمل. إنه لا يعيد فقط تسليط الضوء على اسم أبو بكر شوقي، بل يعيد التذكير بأن السينما المصرية حين تكتب نفسها بصدق، تستطيع أن تصل إلى العالم بثقة. ووسط منافسة متزايدة داخل المنطقة العربية وخارجها، يبدو «القصص» مثالًا مهمًا على أن الطريق إلى العالمية لا يمر بالضرورة عبر الموضوعات الصاخبة، بل قد يبدأ من رسالة ورقية، وبيت مصري، وموهبة تعرف كيف تحوّل الذاكرة إلى فن.
- المخرج والمؤلف: أبو بكر شوقي
- بطولة: أمير المصري، نيللي كريم، فاليري باشنر، أحمد كمال، صبري فواز، كريم قاسم
- العرض العالمي الأول: مهرجان تالين بلاك نايتس 2025
- جوائز بارزة: التانيت الذهبي في قرطاج، وجائزة أفضل إسهام فني في التصوير بمهرجان الأقصر
- العرض في مصر: 17 يونيو 2026
- افتتاح مهرجان تورونتو العربي للأفلام: 24 يوليو 2026