Filmatology

«الأسد خلف ظهري» يضع تونيا ميشيالي في واجهة كارلوفي فاري

فيلم قبرصي بنَفَس إنساني في قلب المنافسة الأوروبية

تسجّل المخرجة والكاتبة القبرصية تونيا ميشيالي حضورًا بارزًا في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث ينافس فيلمها الروائي الجديد «The Lion at My Back» ضمن مسابقة الكريستال جلوب، وهي المسابقة الرئيسية في المهرجان التشيكي المقام هذا العام بين 3 و11 يوليو 2026. ويكتسب هذا الظهور أهمية خاصة لأن الفيلم يأتي في إطار عرض عالمي أول، ما يضعه تحت أنظار النقاد والموزعين والجمهور المهتم بسينما المؤلف القادمة من شرق المتوسط وأفريقيا وأوروبا معًا.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو أهمية هذا الفيلم مضاعفة؛ فالموضوعات التي يطرحها لا تنفصل عن أسئلة المنطقة الأوسع، من الهجرة واللجوء إلى العنف البنيوي ضد النساء، مرورًا بمحاولات النجاة الفردية في مجتمعات تضغط على الهامش وتعيد إنتاج السلطة الأبوية بأشكال مختلفة. لهذا يندرج خبر الفيلم بوضوح ضمن تغطية السينما العربية بمعناها القاري والجواري، خصوصًا مع تقاطعاته المتوسطية والأفريقية.

عن ماذا يحكي «الأسد خلف ظهري»؟

تدور أحداث الفيلم حول مرياما، وهي طالبة لجوء سنغالية تبلغ عامها الثامن عشر، وتلتقي بـستيلا، وهي امرأة قبرصية في الأربعين من عمرها تحاول استعادة حياتها بعد صراع مع الإدمان. هذا اللقاء، الذي يبدأ من موقع هشاشة اجتماعية واقتصادية لكلا الشخصيتين، يتطور إلى علاقة قوية وغير متوقعة، تبنيها الحاجة إلى الأمان والاعتراف، لا الروابط التقليدية وحدها.

المعطيات الرسمية المنشورة عن الفيلم تؤكد أن العمل يتعامل مع مفهوم العائلة البديلة، ويقدّم حكاية عن التضامن النسائي وكسر الصور النمطية. ومن هنا تأتي جاذبية المشروع: فبدل الاكتفاء بتناول اللجوء باعتباره ملفًا سياسيًا أو اجتماعيًا، يذهب الفيلم إلى أثره العاطفي واليومي على النساء، وكيف يمكن لعلاقة إنسانية غير متوقعة أن تصبح مساحة مقاومة صغيرة في وجه العزلة والإقصاء.

بطولة نسائية تقودها وجوه لافتة

يلعب بطولة الفيلم كل من سخنة ديالو في دور مرياما وإيلينا كالينيكو في دور ستيلا، ويشاركهما بروكوبيس أغاثوكليوس وهيرودوتوس ميلتيادوس. هذا التكوين التمثيلي يعكس طبيعة الفيلم العابرة للحدود، سواء على مستوى الشخصيات أو على مستوى الرؤية الإنتاجية والفنية، وهو ما يتماشى مع المزاج العام للمهرجانات الأوروبية الكبرى التي باتت تمنح أهمية متزايدة للأعمال المنفتحة على أسئلة الهوية والهجرة والتمثيل النسائي.

عودة تونيا ميشيالي إلى كارلوفي فاري

الفيلم الجديد ليس الظهور الأول لتونيا ميشيالي في كارلوفي فاري. فالمخرجة عادت إلى المهرجان بعد مشاركتها السابقة بفيلمها الروائي الأول «Pause» عام 2018. هذه العودة بعد ثماني سنوات تقريبًا تعكس تطور مسارها الإخراجي، كما تؤكد استمرار اهتمامها بالشخصيات النسائية التي تواجه القيد الاجتماعي وتبحث عن معنى جديد للحرية.

ميشيالي لا تكتفي هنا بالإخراج، بل شاركت أيضًا في كتابة السيناريو إلى جانب Dianne Jones وSimona Nobile. أما الإنتاج فحمل طابعًا أوروبيًا مشتركًا، إذ تتصدره شركة Bark Like a Cat Films من قبرص، بالشراكة مع Iris Productions من لوكسمبورغ وAvaton Films من اليونان. ويتولى المبيعات الدولية شركة The Yellow Affair. هذه البنية الإنتاجية تعكس كيف تتحرك السينما القبرصية اليوم داخل شبكات تعاون إقليمية ودولية تمنحها قدرة أكبر على الوصول إلى المهرجانات والأسواق.

لماذا يلفت الفيلم الانتباه عربيًا ومصريًا؟

في السياق المصري والعربي، لا يبدو موضوع الفيلم بعيدًا أو نخبويًا. على العكس، فإن الهجرة غير النظامية، وملفات اللاجئين الأفارقة، والنقاشات المتواصلة حول أوضاع النساء في المجتمعات المحافظة، كلها تجعل من «الأسد خلف ظهري» فيلمًا قابلًا للقراءة محليًا حتى وإن كانت حكايته تجري في قبرص. هناك تقاطع واضح بين المتوسط كجغرافيا عبور، وبين أفريقيا كخلفية بشرية وثقافية لا تزال السينما العالمية تعيد اكتشافها من زوايا عديدة.

كما أن اختيار بطلة سنغالية ليس تفصيلًا عابرًا؛ فهو يفتح الباب أمام قراءة أوسع لعلاقة أوروبا القريبة بجوارها الأفريقي، وهي علاقة تتراوح بين الحاجة إلى العمالة، والخوف من الهجرة، وإعادة إنتاج الفوارق الطبقية والعرقية. الفيلم، بحسب ملخصه الرسمي، يحاول هدم هذه القوالب من خلال قصة شخصية حميمة، لا عبر خطاب مباشر أو دعائي.

سينما النساء من الخاص إلى العام

اللافت في المشروع أيضًا أنه لا يقدّم المرأة بوصفها ضحية فقط، بل بوصفها فاعلًا يسعى إلى النجاة وإعادة بناء الذات. ستيلا تحاول بدء حياة جديدة بعد الإدمان، ومرياما تواجه واقعًا قاسيًا بوصفها طالبة لجوء شابة وصلت إلى سن يفرض عليها مواجهة العالم وحدها. ومن هذا التوتر بين الضعف والقوة، يصنع الفيلم مساحته الدرامية الأساسية.

  • اللجوء: ليس خلفية سياسية فقط، بل تجربة معيشة يومية.
  • الأبوية: تظهر كمنظومة تضغط على خيارات النساء ومساراتهن.
  • الصلابة النسائية: محور درامي أساسي يربط بين البطلتين.
  • العائلة البديلة: فكرة مركزية تعيد تعريف الانتماء والرعاية.

تفاصيل العرض والمشاركة في المهرجان

بحسب البرنامج الرسمي لمهرجان كارلوفي فاري، عُرض الفيلم لأول مرة يوم الاثنين 6 يوليو 2026 الساعة 7:30 مساءً في Grand Hall، مع عروض لاحقة يوم 7 يوليو و8 يوليو و9 يوليو 2026 داخل قاعات مختلفة في المهرجان. وتأتي هذه البرمجة ضمن مسابقة الكريستال جلوب التي تضم عددًا من العروض العالمية الأولى، ما يعني أن الفيلم يخوض منافسة مباشرة في واحدة من أهم المنصات الأوروبية المخصصة للسينما الفنية والإنسانية.

وتحمل المشاركة في هذه المسابقة وزنًا حقيقيًا، لأن Crystal Globe Competition تمثل الواجهة الأبرز للمهرجان، وتُمنح من خلالها جوائز تشمل الجائزة الكبرى – الكريستال جلوب إلى جانب جوائز الإخراج والتمثيل. وجود فيلم تونيا ميشيالي داخل هذه الخانة يؤشر إلى الثقة التي حصدها المشروع فنيًا قبل وصوله إلى الجمهور.

ما الذي يمكن توقعه من الفيلم؟

رغم أن الفيلم لم يبدأ بعد رحلته التجارية الواسعة، فإن المعطيات المتاحة توحي بعمل درامي يوازن بين الحس الواقعي والنبرة الحميمية. زمنه 106 دقائق، وهو ناطق بـاليونانية والإنجليزية، ومن إنتاج قبرص ولوكسمبورغ واليونان. هذه العناصر وحدها تكفي للإشارة إلى أننا أمام عمل يشتبك مع الحدود اللغوية والثقافية بقدر ما يشتبك مع الحدود السياسية والاجتماعية.

ومن منظور نقدي، تبدو قوة «الأسد خلف ظهري» كامنة في اختياره شخصيتين من هامشين مختلفين: مهاجرة أفريقية شابة، وامرأة قبرصية تحاول الخروج من ماضٍ ثقيل. الجمع بينهما لا يصنع فقط حبكة درامية، بل يقدّم أيضًا تعليقًا ذكيًا على فكرة النجاة في العالم المعاصر، حيث تصبح الرعاية المتبادلة فعل مقاومة بحد ذاته.

في المحصلة، يقدّم فيلم تونيا ميشيالي نفسه كعنوان جدير بالمتابعة في موسم المهرجانات الصيفي لعام 2026، ليس فقط لأنه يناقش قضايا الهجرة والسلطة الأبوية، بل لأنه يفعل ذلك عبر قصة نسائية إنسانية قادرة على ملامسة جمهور المنطقة، بما في ذلك القارئ المصري الباحث عن سينما قريبة من أسئلة الواقع، حتى لو جاءت من جزيرة صغيرة في شرق المتوسط.