الذكاء الاصطناعي يربك ازدهار الدراما القصيرة في الصين
من قلب «هوليوود الصين».. صمت جديد خلف الكاميرا
في بلدة هنغديان الصينية، التي تحتضن Hengdian World Studios، أكبر قاعدة تصوير سينمائي وتلفزيوني في الصين، لم تعد الحركة داخل مواقع التصوير كما كانت قبل شهور قليلة. هذه المدينة-الاستوديو، الواقعة في بلدة هنغديان التابعة لمدينة دونغيانغ بمقاطعة تشجيانغ، ظلت لسنوات عنوانا لازدهار الإنتاج السريع، خصوصا في الدراما القصيرة العمودية المصممة للهواتف المحمولة. لكن المشهد تغيّر بسرعة مع صعود أدوات توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي، التي بدأت تقتطع حصة ضخمة من هذا السوق وتضغط بقوة على فرص العمل التقليدية داخل الصناعة.
الموقع الرسمي لـ Hengdian World Studios يصف المجمع بأنه الأكبر من نوعه عالميا، وقد بدأ العمل فيه عام 1996، ويضم أكثر من عشرين قاعدة تصوير ومرافق فندقية وخدمية واسعة. كما كشف تقرير نشره مركز الإعلام التابع لمجموعة هنغديان في 22 أبريل 2025 أن هنغديان استقبلت خلال 2024 نحو 523 فريقا لإنتاج الدراما الطويلة وأكثر من 1190 فريقا لإنتاج الدراما العمودية القصيرة، ما يوضح مدى مركزية هذا النوع في اقتصاد الصورة الصيني خلال العامين الأخيرين.
كيف انفجرت سوق الدراما القصيرة؟
الدراما القصيرة أو «الميكرو دراما» في الصين تقوم على حلقات شديدة القصر، غالبا بواجهة عرض عمودية تناسب تطبيقات مثل Douyin وKuaishou. هذا الشكل ازدهر بقوة بعد الجائحة، مستفيدا من عادات المشاهدة السريعة على الهاتف، ومن انخفاض تكلفة الإنتاج مقارنة بالمسلسلات التقليدية. ومع الوقت، تحولت هذه الأعمال من تجارب هامشية إلى صناعة ضخمة ذات جمهور واسع داخل الصين وخارجها.
بيانات DataEye التي نُقلت في تقارير صناعية حديثة تشير إلى أن سوق الدراما القصيرة المجانية في الصين واصل التوسع السريع، مع تقديرات عند نحو 25 مليار يوان في 2024، وارتفاع متوقع إلى 35 مليار يوان في 2025. وفي موازاة ذلك، تحدثت تقارير أخرى عن وصول القيمة الإجمالية لسوق الميكرو دراما إلى أكثر من 50 مليار يوان في 2024، وهو ما يضعها في مصاف أكثر قطاعات الترفيه نموا في آسيا.
بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو هذا النمو شبيها بما فعلته المنصات القصيرة مع المحتوى السريع في المنطقة العربية، لكن الفارق أن الصين حوّلت النموذج إلى صناعة كاملة لها استوديوهات وممثلون وكتّاب ومخرجون وموزعون وإعلانات ومنصات متخصصة.
الذكاء الاصطناعي يدخل بقوة.. والأرقام صادمة
التحول الأكبر جاء في 2026. فبحسب تقارير استندت إلى بيانات China Netcasting Services Association، تم إطلاق نحو 128 ألف دراما قصيرة في الربع الأول من 2026، كان أكثر من 95% منها، أي قرابة 122 ألف عنوان، معتمدا على الذكاء الاصطناعي. هذا التحول السريع لا يعني فقط استخدام الأدوات في المونتاج أو المؤثرات، بل إنتاج أعمال كاملة أو شبه كاملة بوساطة نماذج توليد الفيديو والصورة والصوت.
كما ذكرت تقارير صينية أخرى أن منصة Douyin شهدت في مارس 2026 وحده إضافة نحو 50 ألف عنوان جديد من الأعمال «المولودة بالذكاء الاصطناعي». وفي الوقت نفسه، قالت منصة صناعية إن أكثر من 10 آلاف دراما متحركة مولدة بالذكاء الاصطناعي أصبحت تُرفع شهريا منذ بداية 2026. هذه الوتيرة تكشف لماذا بدأ كثير من العاملين داخل مواقع التصوير يتحدثون عن «شتاء قاس» بعد سنوات من الانتعاش.
من ازدهار التوظيف إلى القلق على الوظائف
واحدة من أهم دلالات هذه القفزة التقنية أنها لا تمس فقط شكل الصورة، بل تمس سوق العمل الإبداعي نفسه. تقارير صينية نقلت تقديرات صادرة عن المدرسة الوطنية للتنمية بجامعة بكين تفيد بأن قطاع الدراما القصيرة وفّر في 2025 نحو 690 ألف وظيفة مباشرة، بينما دعم النظام الأوسع المرتبط به أكثر من 2.03 مليون وظيفة. هذه الأرقام تفسر لماذا يثير أي تباطؤ في الإنتاج الحي حالة قلق كبيرة داخل هنغديان ومراكز الإنتاج الأخرى مثل تشنغتشو وتشينغداو.
في ذروة الازدهار، كانت فرق التصوير تنجز أعمالا كاملة خلال أيام معدودة، مع جداول عمل مرهقة للغاية. كثير من الشهادات المنشورة عن هذه الصناعة تتحدث عن أيام تصوير قد تمتد إلى 18 أو 20 ساعة، لأن منطق السوق كان قائما على إنتاج أكبر عدد ممكن من العناوين على أمل أن يحقق أحدها انتشارا ضخما. الآن، ومع انخفاض كلفة المحتوى المولد آليا، باتت الحسابات الاقتصادية تميل أكثر نحو النماذج الرقمية، ولو على حساب الممثلين والكومبارس وبعض الفنيين.
هل نحن أمام نهاية التصوير الحي؟
الإجابة الأقرب حتى الآن: لا، لكن قواعد اللعبة تتغير. تقارير صادرة في مايو 2026 عن China Daily أشارت إلى أن مجموعة Douyin نفسها تعتزم زيادة الاستثمار في الدراما القصيرة الحية، وأن متوسط زمن المشاهدة اليومية لهذا النوع تضاعف تقريبا أربع مرات خلال عام واحد، مع تجاوز أكثر من 1100 عمل حي حاجز مليار مشاهدة. هذه المؤشرات تعني أن الجمهور لا يزال يطلب الأعمال المصورة بممثلين حقيقيين، حتى مع زحف البدائل المولدة رقميا.
بمعنى آخر، الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ الحاجة إلى العنصر البشري، لكنه خفّض الحواجز أمام الإنتاج، وفتح الباب أمام منافسة أكثر شراسة، خصوصا في الأعمال منخفضة ومتوسطة التكلفة. وهذا تحديدا ما يجعل التجربة الصينية موضع متابعة من العاملين في السينما والتلفزيون عبر آسيا وأفريقيا، لأنها تقدم صورة مبكرة لما قد يحدث لاحقا في أسواق أخرى.
تنظيم حكومي وتشديد رقابي
التحول التقني يتزامن أيضا مع تشديد تنظيمي. ففي 31 يوليو 2026 نشرت الإدارة الوطنية للإذاعة والتلفزيون في الصين قواعد جديدة بعنوان «إجراءات إدارة تطوير الدراما القصيرة»، على أن تدخل حيز التنفيذ في 1 سبتمبر 2026. وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة إشعارات سابقة هدفت إلى تنظيم هذا السوق سريع النمو، بما يشمل آليات المراجعة والتصنيف ومسؤوليات المنصات.
هذا التشديد ليس تفصيلا إداريا فقط، بل مؤشر على أن بكين تنظر إلى الميكرو دراما بوصفها قطاعا ثقافيا مؤثرا، لا مجرد محتوى سريع للاستهلاك. لذلك، فإن مستقبل الصناعة سيتحدد على الأرجح بين ثلاثة عناصر: التقنية، والرقابة، وقدرة المنتجين على الحفاظ على الجودة.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ في مصر؟
لأن ما يجري في الصين لا يخص سوقا بعيدا فحسب، بل يقدم مختبرا عمليا لمستقبل الصناعات السمعية البصرية عالميا. في المنطقة العربية، وبينها مصر، يتسع النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة، والترجمة، والترويج، والمؤثرات البصرية، وربما مستقبلا في إنتاج مشاهد كاملة أو أعمال قصيرة موجهة للهواتف. والتجربة الصينية تقول بوضوح إن السرعة وخفض التكلفة قد يفتحان الباب أمام موجة إنتاج غير مسبوقة، لكنهما يضعان أيضا أسئلة حادة حول حقوق العاملين، وقيمة الأداء البشري، ومعايير الجودة الفنية.
في النهاية، تبدو هنغديان اليوم مثل مرآة مبكرة لما قد تواجهه عواصم الإنتاج في العالم خلال السنوات القليلة المقبلة: وفرة محتوى، انخفاض في كلفة التصنيع، لكن أيضا قلق متزايد على المهن الإبداعية التقليدية. وما بين الكاميرا الحقيقية والصورة المولدة رقميا، لا تزال المعركة مفتوحة على تعريف جديد لمعنى «صناعة الدراما» في عصر الذكاء الاصطناعي.