Filmatology

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم موازين السينما العربية

الذكاء الاصطناعي يدخل المشهد.. لكن الإجماع غائب

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في صناعة السينما مجرد نقاش تقني هامشي، بل صار جزءاً من أسئلة الإنتاج والكتابة والأداء والتوزيع. ففي وقت ترى فيه بعض الشركات وصناع الأفلام أن الأدوات التوليدية يمكن أن تختصر الوقت وتخفض الكلفة وتفتح أبواباً جديدة للتجريب البصري، تتعامل قطاعات واسعة من المبدعين مع هذه الموجة بحذر شديد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحقوق المؤلفين والممثلين وحماية المواد الأصلية من الاستنساخ غير المنظم.

هذا الانقسام ليس أمريكياً فقط، حتى لو كان الجدل الأكثر صخباً انطلق من هوليوود. تأثيره بات ملموساً أيضاً في المجال العربي، حيث تراقب المهرجانات والمنصات وشركات الإنتاج الإقليمية كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي دون التفريط في جوهر العملية الإبداعية أو في حقوق العاملين داخلها.

من هوليوود إلى المنطقة العربية: لماذا أصبحت القضية ملحّة؟

النقابتان الأمريكيتان الأبرز في القطاع، SAG-AFTRA وWGA، وضعتا الذكاء الاصطناعي في قلب مفاوضاتهما مع الاستوديوهات. وتؤكد مواد النقابتين المنشورة رسمياً أن القضية تتعلق بالموافقة المسبقة، والتعويض، وحدود استخدام النسخ الرقمية للأداء البشري أو النصوص في الأفلام والمسلسلات والألعاب. كما شددت SAG-AFTRA في بياناتها على أن الممثلين يطالبون بحقوق أساسية تتعلق باستخدام وجوههم وأصواتهم وأجسادهم بواسطة الذكاء الاصطناعي، وهو ملف تمدد أيضاً إلى قطاع ألعاب الفيديو في إضراب يوليو 2024.

بالنسبة إلى القارئ العربي، تبدو هذه المعركة بعيدة جغرافياً، لكنها قريبة مهنياً. فالسوق السمعي البصري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يرتبط أكثر من أي وقت مضى بسلاسل إنتاج دولية، ومنصات بث عابرة للحدود، ونماذج أعمال تبحث باستمرار عن أدوات أسرع وأرخص. لذلك فإن أي قواعد جديدة تخص الأداء الرقمي، أو التدريب على النصوص، أو محاكاة الصوت والصورة، ستؤثر عملياً في كيفية صناعة المحتوى العربي وتمويله وتسويقه.

مهرجان البحر الأحمر يضع الملف على الطاولة

أحد المؤشرات الواضحة على انتقال النقاش إلى منطقتنا ظهر في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، الذي ناقش صراحةً دور الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي في صناعة الأفلام ضمن برنامج Souk Talks في دورة 2024 بجدة التاريخية. ووفق البرنامج الرسمي للمهرجان، تناولت الجلسات الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا، إلى جانب المخاطر المرتبطة باحتمال استحواذها على وظائف إبداعية. كما أشار المهرجان في مواده التعريفية وبرامجه إلى اهتمامه بمتابعة أحدث التحولات التي تمس السينما والوسائط الرقمية في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.

أهمية هذا الطرح أنه يأتي من منصة إقليمية مؤثرة في تمويل وتطوير المشاريع العربية والأفريقية والآسيوية. فمؤسسة البحر الأحمر السينمائي أعلنت في 2024 أنها دعمت، خلال ثلاث سنوات فقط، أكثر من 250 مشروعاً سينمائياً، بينها أعمال شاركت في مهرجانات كبرى. هذا يعني أن أي نقاش تستضيفه المؤسسة حول الذكاء الاصطناعي ليس نظرياً فقط، بل يرتبط مباشرة بمستقبل تطوير الأفلام في المنطقة.

لماذا يهم ذلك صناع السينما العرب؟

  • في الكتابة: أدوات التوليد السريع قد تساعد في البحث والتلخيص وبناء المسودات الأولى، لكنها تثير أسئلة حول الأصالة وحقوق التدريب على النصوص.
  • في الأداء: تقنيات استنساخ الصوت أو صناعة نسخ رقمية من الممثلين قد تخلق وفورات إنتاجية، لكنها تحتاج إلى موافقات واضحة وتعويضات منضبطة.
  • في ما بعد الإنتاج: المؤثرات البصرية، والدبلجة، والترجمة، وتحسين الصورة باتت من أكثر المجالات المرشحة للتوسع السريع عبر الذكاء الاصطناعي.
  • في التوزيع والتسويق: تحليل سلوك المشاهدة واقتراح المحتوى وتصميم المواد الترويجية أصبحت مجالات مفتوحة بقوة أمام الخوارزميات.

شركات المنطقة تتحرك أيضاً

التحول لا يقتصر على المهرجانات. فالتقرير السنوي لمجموعة MBC GROUP لعام 2025 أشار بوضوح إلى توجه المجموعة للاستثمار في تقنيات الإنتاج والتحول الرقمي وأدوات الذكاء الاصطناعي عبر سلسلة المحتوى والإنتاج. وفي سوق بحجم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمتلك المنصات العربية دوراً متزايداً في تشكيل الذائقة الجماهيرية، فإن هذه الإشارة تعكس أن الذكاء الاصطناعي بات جزءاً من الحسابات التشغيلية والمالية، لا مجرد فكرة مستقبلية.

من هنا، تصبح المسألة أكثر تعقيداً: هل تستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي لتمكين صناع الأفلام، أم لتحويل بعض الوظائف الإبداعية إلى عمليات مؤتمتة؟ الإجابة ليست واحدة، وستختلف من مشروع إلى آخر. لكن التجربة العالمية تقول إن غياب القواعد الواضحة يفتح الباب لنزاعات مهنية وقانونية طويلة.

بين الفرصة والقلق: ما الذي يمكن أن تكسبه السينما العربية؟

إذا استُخدمت الأدوات الجديدة ضمن ضوابط مهنية صارمة، فقد تستفيد السينما العربية في أكثر من اتجاه. الإنتاجات المستقلة، مثلاً، يمكن أن توظف الذكاء الاصطناعي لتقليل كلفة ما قبل التصوير، وإنجاز تصورات بصرية أولية، وتحسين إدارة الجداول والميزانيات، وحتى دعم عمليات الترجمة والوصول إلى أسواق جديدة. وهذا مهم لصناع الأفلام في المنطقة العربية وأفريقيا، حيث تمثل محدودية التمويل عائقاً مزمنًا أمام عدد كبير من المشاريع.

لكن الوجه الآخر لا يقل واقعية. فالاعتماد المفرط على النماذج الجاهزة قد يضعف الخصوصية الثقافية والبصمة الأسلوبية، وهما من أهم عناصر قوة السينما العربية عندما تنجح في مخاطبة العالم من موقعها المحلي. كما أن استخدام مواد تدريب غير معلنة المصدر، أو بناء أصوات ووجوه رقمية شبيهة بفنانين حقيقيين، قد يجر الصناعة إلى أزمات ثقة وتشريعات أكثر صرامة.

ماذا بعد؟

المؤكد أن الذكاء الاصطناعي لن يغادر المشهد، بل سيتوسع. ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، الذي أعلن أن دورته الخامسة أُقيمت في جدة التاريخية بين 4 و13 ديسمبر 2025، يقدم مثالاً على أن المؤسسات السينمائية العربية الكبرى باتت تتعامل مع الملف باعتباره جزءاً من مستقبل الصناعة في المنطقة، لا مجرد موجة عابرة.

بالنسبة إلى مصر والجمهور العربي، تبقى النقطة الأهم أن التقدم التقني لا يجب أن يأتي على حساب المؤلف أو الممثل أو الفني. السينما في النهاية ليست مجرد سرعة إنجاز، بل حساسية بشرية وخبرة متراكمة ونظرة فنية لا تُختزل في أمر نصي أو نموذج توليدي. ولهذا يبدو المشهد اليوم أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من التكنولوجيا، نعم، لكن من دون تسليم مفاتيح الخيال بالكامل للآلة.

في السنوات المقبلة، لن يكون السؤال ما إذا كانت السينما العربية ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف ستستخدمه، ومن يضع قواعده، ومن يملك ثماره الاقتصادية والإبداعية. وهنا بالتحديد ستتحدد ملامح الجيل الجديد من الصناعة في المنطقة.