Filmatology

الذكاء الاصطناعي يفتح نقاشًا جديدًا في مهرجان فينيسيا

جدل متصاعد في فينيسيا حول مستقبل الأفلام المصنوعة بالذكاء الاصطناعي

دخلت صناعة السينما مرحلة جديدة من الجدل المهني والفني بعد احتضان Venice Production Bridge، الذراع الصناعية لمهرجان فينيسيا السينمائي، جلسة متخصصة ناقشت مستقبل الأفلام المنتَجة بأدوات الذكاء الاصطناعي. الجلسة أُقيمت يوم 4 سبتمبر 2026 في Hotel Excelsior, Spazio Incontri ضمن فعاليات الدورة 83 من مهرجان فينيسيا الدولي، الذي تُقام دورته الحالية بين 2 و12 سبتمبر 2026. وقد أكد الموقع الرسمي للمهرجان أن سوق فينيسيا الإنتاجي نفسه يمتد من 3 إلى 9 سبتمبر 2026، بوصفه مساحة تجمع منتجين وموزعين وشركات وتقنيين من مختلف أنحاء العالم.

الندوة حملت عنوان “AI x Cinema: The 10,000 Parallel Universes Initiative”، واستضافتها شركتا TapNow وHappyHorse التابعة لمبادرة Alibaba Token Hub. ووفق الوصف الرسمي المنشور على أجندة Venice Production Bridge، فإن النقاش تمحور حول فكرة أساسية: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوسّع أدوات التعبير السينمائي من دون أن يتحول إلى بديل عن الخيال البشري أو عن المؤلف وصاحب الرؤية.

من شارك في النقاش؟

بحسب البرنامج الرسمي، أدارت الجلسة سابرينا تشين، المسؤولة عن العلامة لدى TapNow، بينما ضمت قائمة المتحدثين تيانشو تشو، رئيس حلول منتجات الذكاء الاصطناعي العالمية في Alibaba Token Hub، إلى جانب باري ديجنام رئيس GEECT، وبن شيموي مؤسس AI Filmmakers Berlin، فضلًا عن الباحث شون سونغ المتخصص في التوليد الموسيقي والصوتي بالذكاء الاصطناعي. هذه التركيبة تعكس أن الحوار لم يكن تقنيًا فقط، بل جمع بين الصناعة والتعليم والتجريب الفني.

ومن المهم هنا توضيح أن بعض الصياغات المتداولة في تغطيات ثانوية ذكرت أسماء تنفيذية أو شركات إضافية، لكن ما أمكن التحقق منه بشكل مباشر من المصدر الرسمي لبرنامج فينيسيا هو قائمة المتحدثين والجهات المستضيفة المذكورة أعلاه، لذا يظل هذا هو الأساس الأدق عند تقييم ما جرى داخل الجلسة.

ما الذي طُرح فعليًا داخل المبادرة؟

الوصف الرسمي للندوة قدم المبادرة باعتبارها برنامج احتضان عالمي طويل المدى لدعم جيل جديد من صناع الأفلام عبر التكنولوجيا والإرشاد والعلاقات المهنية الدولية. الفكرة المركزية هنا ليست إنتاج فيلم واحد، بل بناء بيئة تجريبية تسمح بتحويل أفكار صغيرة أو مستقلة إلى أعمال قابلة للتطور والوصول إلى جمهور أوسع. كما أشار البرنامج إلى عرض حصري لمجموعة من الإعلانات الدعائية أو المقاطع الترويجية المطوّرة داخل المبادرة، بوصفها نماذج لأفلام “مولودة” داخل بيئة ذكاء اصطناعي منذ اللحظة الأولى.

بالنسبة للقارئ المصري المهتم بقسم مراجعات الأفلام، فإن أهمية هذه الندوة لا تتعلق فقط بالتقنية، بل بطبيعة الفيلم نفسه: هل سيبقى العمل السينمائي قائمًا على حس المخرج، أداء الممثل، الإيقاع، واللغة البصرية، أم أننا أمام مرحلة تنتج فيها الأدوات الرقمية نسخة مختلفة من مفهوم الفيلم؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، لأن فينيسيا نفسها منحت له مساحة داخل أحد أهم أسواقها المهنية.

بين توسيع الفرص ومخاوف الاستبدال

المثير في خطاب الندوة أن المنظمين استخدموا تعبير “Creativity Without Borders” أو “الإبداع بلا حدود”، مؤكدين أن الهدف هو خفض الحواجز أمام المخرجين والكتاب وصناع الصورة، وليس إقصاء العنصر البشري. وبحسب النص الرسمي، فإن المبادرة تنطلق من مفهوم العدالة الإبداعية، أي منح أصوات جديدة فرصًا لإنتاج قصصها بصريًا حتى لو لم تمتلك ميزانيات تقليدية كبيرة أو شبكات إنتاج واسعة.

لكن هذا الطرح يظل محل جدل حقيقي داخل صناعة الأفلام. فالتكنولوجيا قد تختصر الوقت والتكلفة في تطوير المشاهد، وتجارب ما قبل التصوير، وصناعة التريلرات، والموسيقى الأولية، وحتى بناء العوالم البصرية. وفي المقابل، يظل السؤال الأخلاقي حاضرًا: من يملك العمل؟ ومن يُنسب إليه الإبداع؟ وما حدود استخدام بيانات أو صور أو أساليب تدريب قد تمس حقوق مؤلفين وفنانين آخرين؟ الندوة، بحسب وصفها، وضعت هذه الإشكالات ضمن سؤال أوسع حول الحفاظ على الملكية الفنية والتنوع الثقافي أثناء توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي.

لماذا يهم هذا النقاش جمهور السينما في مصر؟

في السوق المصرية والعربية عمومًا، تبدو أدوات الذكاء الاصطناعي مغرية بشكل خاص للمستقلين وصناع الأفلام القصيرة وصناع المحتوى البصري الذين يعملون بموارد محدودة. ومع ذلك، فإن السينما ليست مجرد صورة نهائية؛ بل هي أيضًا عملية إنتاج جماعية تشمل التصوير، الديكور، المونتاج، الصوت، التمثيل، وكتابة المشهد. لذلك فإن أي نقاش عن “ديمقراطية الإنتاج” ينبغي أن يُقرأ أيضًا من زاوية أثره على فرص العاملين داخل المنظومة التقليدية.

من هنا، اكتسبت جلسة فينيسيا أهمية تتجاوز طابعها الدعائي أو التقني. فهي تضع أمام النقاد والجمهور سؤالًا جوهريًا يخص تقييم الفيلم نفسه: عندما نشاهد عملًا مصنوعًا جزئيًا أو كليًا بأدوات توليدية، هل نحاكمه بالمعايير نفسها التي نطبّقها على الفيلم الروائي أو التسجيلي التقليدي؟ أم أن لغة جديدة بدأت تتكوّن وتحتاج إلى أدوات نقد مختلفة؟

ماذا نعرف عن الشركات المشاركة؟

الموقع الرسمي لـTapNow يعرّف المنصة على أنها بيئة إبداعية تعمل بالوكلاء الذكيين وتستهدف إعادة تصور كيفية صناعة القصص واكتشافها ومشاركتها في عصر الذكاء الاصطناعي، بينما يوضح برنامج فينيسيا أن HappyHorse هي مبادرة محتوى إبداعي طورتها فرق Alibaba وتديرها شركة مقرها شنغهاي، وتعمل مع صناع أفلام ومبدعين حول العالم لاستكشاف مستقبل السرد البصري.

أما Sonilo، التي ورد اسمها في بعض التغطيات المرتبطة بالموضوع، فهي منصة متخصصة في توليد الموسيقى والمؤثرات الصوتية للفيديو. وتشير موادها الرسمية إلى أنها توفر توليد موسيقى متزامنة مع الفيديو نفسه، كما أطلقت واجهة برمجة تطبيقات في 15 مايو 2026 لهذا الغرض. هذه النقطة مهمة لأن الصوت، لا الصورة فقط، بات جزءًا من سباق “الفيلم المولَّد” بالذكاء الاصطناعي.

فينيسيا كمختبر لاختبار شكل الفيلم القادم

وجود هذا النقاش داخل La Biennale di Venezia (@labiennale على إنستغرام) يمنحه وزنًا رمزيًا كبيرًا. فالمهرجان ليس مجرد منصة عروض أولى، بل مساحة تحدد إلى حد بعيد اتجاهات النقاش في الصناعة العالمية. والأجندة الرسمية وصفت الجلسة بأنها المنتدى الوحيد المخصص للذكاء الاصطناعي داخل Venice Production Bridge هذا العام، ما يعني أن الحدث لم يكن مجرد تفصيلة جانبية، بل تجربة مراقبة عن قرب لطريقة دخول هذا الملف إلى قلب الصناعة السينمائية الأوروبية.

وفي سياق المراجعات، يمكن القول إن الأهم ليس الإعلان عن مبادرة جديدة بقدر ما هو اختبار نتائجها على الشاشة. إذا كانت هذه المشروعات ستنتج أفلامًا أو سلاسل قصيرة قابلة للمشاهدة والتقييم، فسيكون الحكم النهائي للجمهور والنقاد: هل تقدم تلك الأعمال قيمة فنية حقيقية؟ وهل تملك روحًا وبصمة بصرية ودرامية، أم تبدو مجرد عرض تقني مبهر؟

الخلاصة: التقنية تتقدم... لكن امتحان الفيلم لم يبدأ بعد

الرسالة التي خرجت من فينيسيا واضحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا على هامش السينما، بل أصبح جزءًا من النقاش الرسمي حول مستقبل الصناعة، التمويل، وطرق اكتشاف المواهب. إلا أن الحسم لم يحدث بعد. فحتى أكثر المتحمسين يتحدثون عن دعم الإبداع لا إلغاء البشر، وعن فتح الأبواب لا طمس هوية المؤلف.

وبالنسبة للمتابع المصري، تبقى النقطة الأهم أن معيار النجاح لن يكون عدد الأدوات المستخدمة أو سرعة الإنتاج، بل جودة الفيلم نفسه: قوة الحكاية، تماسك العالم، صدق المشاعر، وأصالة الرؤية. عند هذه النقطة فقط سنعرف ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد أضاف بالفعل لغة جديدة إلى السينما، أم أنه قدّم مجرد اختصار تقني لرحلة إبداعية لا تزال، في جوهرها، بشرية بالكامل.

  • مكان الحدث: Hotel Excelsior, Spazio Incontri، فينيسيا
  • تاريخ الجلسة: 4 سبتمبر 2026
  • ضمن: Venice Production Bridge من 3 إلى 9 سبتمبر 2026
  • الدورة: مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الـ83، من 2 إلى 12 سبتمبر 2026
  • الجهات المستضيفة: TapNow وHappyHorse (Alibaba Token Hub)