Filmatology

«الست لما»: هل يصير فيلمًا لا مجرد قضية؟

فيلم يسأل سؤالًا صعبًا: كيف تحوّل القضية إلى دراما؟

مع انطلاق فيلم «الست لما» في دور العرض المصرية يوم الأربعاء 19 أغسطس 2026، عاد اسم يسرا إلى شاشة السينما في عمل يقدّم نفسه بوضوح كفيلم عن النساء، لكنه يضع نفسه أيضًا أمام اختبار أصعب: هل يستطيع أن يعيش كفيلم كامل، بإيقاع وشخصيات وصراع، لا كمنشور مطوّل عن قضايا العنف والخلافات الأسرية؟

المعطيات المعلنة عن الفيلم تقول إن يسرا تتصدر البطولة بشخصية الإعلامية دينا الكردي، التي تدير مركزًا لتمكين المرأة وتطلق حملة إلكترونية بعنوان «فيتو» أو «حق الفيتو» لدعم السيدات ومواجهة التعنت والخلافات داخل الأسرة. ويشاركها البطولة ماجد المصري، درة، ياسمين رئيس، عمرو عبد الجليل، انتصار، دنيا سامي، رانيا منصور، محمد جمعة، محمود البزاوي، محمد أنور، مع إخراج خالد أبو غريب وتأليف كيرو أيمن ومحمد بدوي، بينما أشارت تقارير لاحقة أيضًا إلى صياغة منسوبة لمصطفى بدوي وكيرلس أيمن فوزي في بعض المواد الصحفية؛ لذا يبقى الثابت الأوضح من المصادر المتاحة هو اسم المخرج والبطولة الرئيسية وموعد الطرح.

منذ البوستر الدعائي، اختار الفيلم زاوية صريحة: «الست لما تعمل حملة فيتو ضد الرجالة.. مين هينتصر؟». هذا الشعار جذاب تسويقيًا، لكنه يكشف مبكرًا طبيعة الرهان: الفيلم يريد شد جمهور الشباك بخفة العبارة، بينما يتعامل داخليًا مع ملفات ثقيلة مثل العنف النفسي، التعنت الزوجي، وكسر الصمت. هنا تحديدًا تبدأ المراجعة، لأن نجاح العمل لا يتوقف على نُبل النية، بل على كيفية ترجمة هذه النية إلى مشاهد وشخصيات وحكاية.

يسرا في مركز الفيلم: حضور نجمة أم بناء شخصية؟

يسرا، التي تتصدر الفيلم، تبدو الاختيار المنطقي لشخصية مثل دينا الكردي: إعلامية تملك كاريزما، قادرة على الإقناع أمام الكاميرا، وعلى حمل خطاب عام موجه للنساء والشارع في الوقت نفسه. وجود شخصية إعلامية في قلب الحكاية ليس تفصيلًا عابرًا، بل مفتاح درامي مهم، لأنه يسمح للفيلم بربط الخاص بالعام: أزمة داخل بيت تتحول إلى قضية رأي عام، ومنشور على السوشيال ميديا يتحول إلى معركة مجتمعية.

لكن هذه القوة نفسها تحمل خطرًا معروفًا في هذا النوع من الأعمال: أن تبتلع الشخصية-المنبر بقية الفيلم. إذا تحولت دينا الكردي إلى مجرد صوت يشرح موقف الفيلم من الرجال والنساء والعنف، فسوف تضعف الدراما. أما إذا ظلت شخصية لها تناقضاتها وحدودها وحساباتها، فإن «الست لما» يكسب طبقة إنسانية يحتاجها بشدة.

المؤشرات المتاحة من البرومو والتغطيات الصحفية تقول إن الحملة داخل الأحداث تحصد متابعة كبيرة، ووصلت في إحدى المواد الصحفية إلى رقم أكثر من 4 ملايين متابع. هذا التفصيل، حتى لو كان داخل العالم التخييلي، مهم لأنه يفسر لماذا تتحول الحكاية إلى جدل علني، ولماذا لا يبقى الفيلم حبيس قصص فردية متفرقة. إنه يبني من البداية مسرحًا عامًا للصراع، لا مجرد غرف مغلقة.

حملة «فيتو»: أداة درامية ذكية أم اختصار سهل؟

أفضل ما في فكرة حملة دينا الكردي أنها تمنح الفيلم شكلًا معاصرًا ومصريًا في آن واحد. نحن أمام حكاية تعرف جيدًا كيف تتحرك القضايا الآن: فيديو قصير، تفاعل واسع، انقسام حاد بين مؤيدين ومعارضين، ثم انتقال الجدل من الشاشة إلى البيت. هذه نقطة قوة حقيقية، لأن الفيلم لا يكتفي بالحديث عن العنف كعنوان اجتماعي، بل يربطه بآلية تداول معاصرة يفهمها الجمهور المحلي.

في المقابل، هناك تحدٍ واضح: حين تعتمد الحبكة على حملة إلكترونية، يصبح من السهل جدًا أن تميل إلى المباشرة. أي أن تتحول المشاهد إلى حالات تمثيلية تُعرض من أجل إثبات الفكرة، بدل أن تنمو organically من الشخصيات نفسها. الخيط الرفيع هنا هو أن تكون «فيتو» مولدًا للدراما، لا بديلًا عنها.

المادة الدعائية تشير إلى أن دينا الكردي لا تعمل وحدها، بل تتقاطع مع شخصيتي وفاء التي تؤديها ياسمين رئيس، وفاطمة التي تجسدها درة. وهذه نقطة مهمة جدًا، لأن تعدد الأصوات يمنع احتكار القضية داخل منظور واحد. كلما سمح الفيلم لاختلاف التجارب النسائية بأن يظهر، صار أقرب إلى السينما وأبعد عن المنشور التوعوي.

ملف العنف: عندما تدخل الدراما منطقة شائكة

أكثر الخطوط حساسية في «الست لما» هو خط فاطمة، الذي كشفت عنه درة في تصريحات صحفية قبل العرض. الشخصية نشأت في ملجأ للأيتام، وتحلم بالأمومة، ثم يتحول هذا الحلم إلى مأساة بعد زواجها من رجل أناني يغتصبها رغم تحذيرات الأطباء، في مسار يضع الاغتصاب الزوجي داخل قلب الفيلم. هذه ليست مجرد إضافة صادمة، بل اختبار جدي لمدى شجاعة الكتابة والإخراج.

في السينما المصرية التجارية، كثيرًا ما تُطرح القضايا الشائكة كعلامات انفعال: مشهد قوي، جملة عالية، دموع، ثم انتقال سريع إلى الملف التالي. لو وقع «الست لما» في هذا الفخ، فسيفقد ثقله الحقيقي. أما إذا منح هذا الخط وقته الكافي، وترك أثره على الشخصية وعلى إيقاع الفيلم كله، فسيكون قد حقق شيئًا نادرًا: تحويل قضية مسكوت عنها إلى دراما قابلة للتلقي من دون استسهال.

وهنا تبدو مشاركة درة مهمة، ليس فقط لأن الشخصية مكتوبة على حافة الألم، بل لأن هذا النوع من الأدوار يحتاج ممثلة قادرة على تجنب المبالغة. كذلك حضور ياسمين رئيس يفتح الباب أمام مسار موازٍ أقل صخبًا وربما أكثر يومية، وهو ما يحتاجه الفيلم حتى لا يظل محصورًا في الذروات الخطابية وحدها.

هل الفيلم «لايت» أكثر مما ينبغي؟

بعض التغطيات وصفت العمل بأنه اجتماعي لايت أو يجمع بين الكوميديا والدراما. هذا الوصف في حد ذاته ليس سلبيًا؛ فالأفلام التي تتناول موضوعات ثقيلة لا يجب أن تكون قاتمة بالضرورة. بل إن الخفة أحيانًا هي الوسيلة الأفضل لتمرير موضوعات حادة إلى جمهور واسع. السؤال فقط: هل الخفة هنا جزء من النسيج، أم قناع تجاري لتلطيف مادة صعبة؟

من البرومو والشعار الدعائي، يبدو أن الفيلم يغامر بالمزج بين النبرة الساخرة والملف الجاد. هذا المزج قد ينجح إذا خدم الشخصيات، وقد ينقلب ضد العمل إذا بدا كأنه يخفف من وطأة ما يقوله. لذلك فإن معيار الحكم الأصدق ليس عدد القضايا التي يطرحها الفيلم، بل مدى اتساق نبرته: هل يطلب منا أن نضحك من الموقف نفسه الذي يريد لاحقًا أن نصدم به؟ أم يعرف متى يخفف ومتى يشتد؟

الحكم المصري: هل ينجح «الست لما» كفيلم للمشاهدة؟

الإجابة الأقرب، بناءً على ما أعلنه الفيلم عن نفسه، هي: نعم، لديه مقومات أن يكون فيلمًا للمشاهدة، لكن بشرط. الشرط هو ألا يكتفي بجدارة القضية. فالقضية وحدها لا تصنع سينما، حتى لو كانت عادلة وملحة. ما يصنع السينما هنا هو أن تظل دينا الكردي شخصية قبل أن تكون شعارًا، وأن تبقى «فيتو» محركًا للحكاية لا منصة لشرحها، وأن تُمنح خطوط مثل خط فاطمة وزنها الإنساني الكامل.

«الست لما» يبدو، على الأقل من مادته المطروحة قبل وبعد 19 أغسطس 2026، واعيًا بمخاطره وبإغراءاته معًا: إغراء النجمة، إغراء القضية، وإغراء السوشيال ميديا كوسيط جاهز للصدام. وإذا أحسن خالد أبو غريب الإمساك بهذا الخليط، فقد يخرج الفيلم كعمل جماهيري يناقش العنف من داخل الدراما، لا من خارجها.

أما إن استسلم للشرح والاختزال، فسيظل في الذاكرة بوصفه فيلمًا «عن» قضية، لا فيلمًا يخلق عالمه الخاص. وهذا هو الفارق كله بين العمل الضروري، والعمل الجيد فعلًا.

أبرز الحقائق الثابتة عن الفيلم

  • موعد الطرح في مصر: 19 أغسطس 2026.
  • البطولة: يسرا، ماجد المصري، درة، ياسمين رئيس، عمرو عبد الجليل، انتصار، دنيا سامي، رانيا منصور، محمد جمعة، محمود البزاوي، محمد أنور.
  • الإخراج: خالد أبو غريب.
  • الفكرة المحورية: الإعلامية دينا الكردي تطلق حملة «فيتو» لدعم النساء ومواجهة العنف والخلافات الأسرية.
  • أحد الخطوط الأكثر جدلًا: شخصية فاطمة التي تجسدها درة، وما يرتبط بها من طرح قضية الاغتصاب الزوجي.