السينما في غواتيمالا تتوسع بقيادة جاييرو بوستامانتي
حراك جديد يضع السينما الغواتيمالية على خريطة الإنتاج الإقليمي
بعد سنوات طويلة ظل فيها الحديث عن صناعة سينمائية متماسكة في غواتيمالا أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع، بدأت الصورة تتغير تدريجيًا. الاسم الأبرز في هذا التحول هو المخرج والكاتب والمنتج الغواتيمالي جاييرو بوستامانتي، صاحب أفلام Ixcanul وLa Llorona وRita، والذي ارتبط اسمه خلال العقد الأخير بمحاولات جادة لبناء بيئة إنتاج محلية قادرة على الاستمرار، لا الاكتفاء بنجاح فيلم أو اثنين.
المؤشرات الأحدث القادمة من غواتيمالا تكشف أن هذا المسار لم يعد فرديًا بالكامل، بل بدأ يأخذ شكل شبكة إنتاج أوسع، مع بروز Argot Producciones كشركة تعمل من غواتيمالا وتركز على تطوير مشاريع لمخرجين وكتاب سيناريو صاعدين من البلاد ومن محيط أمريكا الوسطى. أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في عدد الأفلام قيد التنفيذ، بل في أنها تعكس انتقال السينما الغواتيمالية من مرحلة المبادرات المعزولة إلى مرحلة بناء قائمة إنتاج أكثر استقرارًا.
جاييرو بوستامانتي.. الاسم الذي فتح الباب
بالنسبة للقارئ المصري، يمكن فهم مكانة بوستامانتي في غواتيمالا بوصفه أحد هؤلاء السينمائيين الذين لم يكتفوا بصناعة أفلام لافتة، بل لعبوا دورًا تأسيسيًا في مشهد كامل. الموقع الرسمي لـLa Casa de Producción يوضح أن بوستامانتي عاد إلى غواتيمالا عام 2009 وأسّس شركة الإنتاج الخاصة به مع مارينا بيرالتا، ومنها خرجت غالبية أعماله الأساسية. كما تشير Fundación Ixcanul إلى أن رؤيته للسينما ارتبطت منذ البداية بإبراز القضايا الاجتماعية والثقافية في بلده.
هذا المسار انعكس بوضوح في أفلامه. فيلم Ixcanul الصادر عام 2015 وضع السينما الغواتيمالية في دائرة اهتمام المهرجانات الدولية، بينما رسخ La Llorona حضوره عالميًا، ووصل الفيلم إلى القائمة المختصرة لجوائز الأوسكار عن فئة الفيلم الدولي. ثم جاء Rita في 2024 ليؤكد أن الرهان لم يكن عابرًا، إذ عُرض عالميًا في Fantasia International Film Festival في 25 يوليو 2024، قبل أن يُعرض في غواتيمالا في 7 أغسطس 2024 في Centro Cultural Miguel Ángel Asturias.
من نجاح فردي إلى بنية إنتاج أوسع
التحول الأهم اليوم هو أن السينما الغواتيمالية لم تعد تعتمد فقط على حضور بوستامانتي كمخرج مؤلف، بل بدأت تشهد تعددًا في منصات الإنتاج. وتظهر قواعد البيانات المهنية الإقليمية مثل Mapa LATAM وجود Argot Producciones ضمن شركات الإنتاج السينمائي في غواتيمالا، بينما تكشف مواد مهنية حديثة مرتبطة بسوق ومهرجانات سينمائية في أمريكا اللاتينية عن ارتباط الشركة بمشاريع وثائقية وتطويرات إنتاجية عابرة للحدود.
هذا الاتساع مهم جدًا في سياق أمريكا الوسطى، وهي منطقة تعاني تاريخيًا من محدودية التمويل وضعف شبكات التوزيع وقلة التشريعات المحفزة. لذلك فإن وجود أكثر من مشروع قيد التنفيذ داخل شركة واحدة ناشئة يعني أن هناك محاولة فعلية لصناعة دورة عمل مستمرة: تطوير، تمويل، إنتاج، ثم عبور إلى المهرجانات والأسواق.
لماذا تبدو اللحظة الحالية مختلفة؟
هناك عدة عوامل تجعل المشهد الحالي في غواتيمالا أكثر جدية من محاولات سابقة. أولًا، نجاح بوستامانتي الدولي خلق ثقة أكبر في إمكانية تصدير القصص المحلية إلى جمهور عالمي. ثانيًا، ظهرت في السنوات الأخيرة مناقشات رسمية حول تعزيز الإطار القانوني للقطاع السمعي البصري. فموقع كونغرس غواتيمالا نشر في سبتمبر 2025 تفاصيل مبادرة تهدف إلى إقرار قانون لدعم وحماية وتطوير السينما الوطنية، بما يعزز الاستثمار والهوية الثقافية ويقوي الصناعة السمعية البصرية.
وقبل ذلك بسنوات، كانت هناك بالفعل تحركات تشريعية ومؤسسية؛ إذ يوضح Sistema de Información Cultural التابع للقطاع الثقافي في غواتيمالا أن Unidad de Cine y Audiovisual أُنشئت بقرار وزاري عام 2014 لتنسيق البرامج والمشروعات الخاصة بالسينما والوسائط السمعية البصرية. كما أظهرت الحكومة الغواتيمالية أواخر 2025 انخراطًا رسميًا في حوار دولي حول سياسات السينما من أجل دفع قانون السينما قدمًا.
هذه المعطيات لا تعني أن الصناعة أصبحت مكتملة، لكنها تشير إلى انتقال حقيقي من مرحلة الهامش إلى مرحلة بناء البنية التحتية الثقافية والإدارية، وهو ما تعرفه مصر جيدًا في تجارب أسواق عربية وأفريقية حاولت تحويل المواهب الفردية إلى قطاع مستدام.
فيلم Rita ودلالة الأرقام الأخيرة
أحدث أفلام بوستامانتي، Rita، يحمل دلالة خاصة في هذا التوقيت. فبحسب La Hora، شارك في تنفيذ الفيلم أكثر من 5 آلاف شخص، وهو رقم يكشف حجم التعبئة الإنتاجية التي يمكن أن تصنعها المشاريع الكبيرة داخل بلد محدود الإمكانات السينمائية. كما ربطت التغطيات المحلية الفيلم بكونه أول تعاون من هذا النوع بين غواتيمالا وشريك إنتاج من هوليوود عبر Concordia Studio.
ومن زاوية السوق، يورد تقرير EGEDA في نسخته لعام 2025 أن شباك التذاكر الغواتيمالي في 2024 شهد حضور إنتاجين وطنيين فقط في التصنيف، بينهما Rita الذي سجل 9,651 مشاهدًا. الرقم قد يبدو متواضعًا بالمقاييس المصرية، لكنه في سياق سوق ناشئة يظل مهمًا لأنه يعكس وجود دورة عرض فعلية وإمكانية تراكم جمهور للأفلام المحلية.
ما الذي يعنيه هذا لمتابعي السينما في مصر؟
بالنسبة لجمهور القسم المعني بالسينما العربية والتغطية القارية الأوسع، تبدو تجربة غواتيمالا مثالًا قريبًا من أسئلة نعرفها جيدًا في المنطقة: كيف يمكن لمخرج واحد أن يفتح الباب لجيل كامل؟ وكيف تتحول الأفلام من إنجازات فنية فردية إلى صناعة لها شركات، وقوانين، ومؤسسات، وأسواق؟
اللافت أن ما يحدث في غواتيمالا لا ينفصل عن اتجاه عالمي أوسع يمنح مساحات أكبر للسينمات الوطنية الصغيرة، خصوصًا حين تملك هوية بصرية واضحة وموضوعات نابعة من واقعها الاجتماعي. هذا ما فعله بوستامانتي في أفلامه، وهو أيضًا ما يبدو أن شركات ناشئة مثل Argot Producciones تحاول البناء عليه: اكتشاف أصوات جديدة بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الأسماء نفسها.
تحديات باقية رغم الزخم
ورغم الإشارات الإيجابية، لا تزال الطريق أمام السينما الغواتيمالية طويلة. فالسوق المحلي محدود، والتمويل العام والخاص لم يصل بعد إلى المستوى الذي يضمن استمرارية الإنتاج بشكل منتظم، كما أن التشريعات الداعمة لم تُحسم نهائيًا بالصورة التي تجعل البلاد مركزًا جاذبًا للتصوير والاستثمار الأجنبي. لكن مجرد وجود نقاش مؤسسي، إلى جانب شركات إنتاج عاملة ومشاريع متعددة التطوير، يمنح المشهد قدرًا من الصلابة لم يكن متاحًا قبل سنوات.
في النهاية، ما يجري في غواتيمالا ليس طفرة مكتملة بقدر ما هو جذور صناعة بدأت أخيرًا تثبت نفسها. وبين اسم راسخ مثل جاييرو بوستامانتي، وتجارب إنتاجية جديدة، وحراك قانوني وثقافي متواصل، تبدو البلاد أمام فرصة حقيقية لصياغة موقع أوضح على خريطة السينما في أمريكا اللاتينية. وربما يكون الدرس الأهم هنا، بالنسبة لأي قارئ مهتم بالسينما خارج المراكز التقليدية، أن الصناعة لا تولد دفعة واحدة؛ بل تنمو عندما تتحول الرؤية الفنية إلى مؤسسات ومشاريع وفرص حقيقية للأجيال التالية.