Filmatology

«القصص» إلى أوسكار 2027: هل تملك مصر ورقة مختلفة؟

اختيار رسمي أعاد الملف المصري إلى الواجهة

دخل فيلم «القصص» رسميًا سباق أوسكار 2027 ممثلًا لمصر في فئة أفضل فيلم دولي، بعد إعلان اللجنة المشكلة لاختيار الفيلم المصري المرشح، التابعة إلى نقابة المهن السينمائية. وبحسب ما نشرته بوابة الأهرام، تصدّر الفيلم التصويت في مرحلتين؛ إذ حصد 22 صوتًا في المرحلة الأولى، ثم نال 14 صوتًا في القائمة القصيرة النهائية، ليحسم بطاقة التمثيل المصرية هذا العام. كما أكدت المصري اليوم الخبر نفسه، مشيرة إلى أن المنافسة ضمت أكثر من عنوان قبل الاستقرار على فيلم أبو بكر شوقي.

أهمية القرار لا تتوقف عند كونه إجراءً سنويًا معتادًا، بل لأنه يأتي مع فيلم يحمل عناصر مختلفة نسبيًا عن كثير من الترشيحات المصرية السابقة: مخرج له سجل دولي معروف، وموضوع شخصي متصل بالهوية المصرية، وفريق تمثيل يضم أسماء جماهيرية وفنية في الوقت نفسه، على رأسهم نيللي كريم وأمير المصري.

ما الذي نعرفه عن «القصص»؟

الفيلم من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، ومن إنتاج فيلم كلينك للمنتج محمد حفظي وشاهيناز العقاد، وجرى تصويره بين القاهرة وفيينا. وتؤكد المصادر المصرية أن البطولة تضم نيللي كريم، أمير المصري، فاليري باشنر، أحمد كمال، صبري فواز، عمرو عابد، شريف الدسوقي، أحمد الأزعر وخالد منصور، مع حضور أسماء أخرى في بعض المواد التعريفية الخاصة بالفيلم.

على مستوى الحكاية، تقدّم قاعدة بيانات IMDb وصفًا للفيلم باعتباره دراما تمتد من أواخر الستينيات إلى الثمانينيات، وتتابع أحمد، الشاب القاهري الذي يحلم بأن يصبح عازف بيانو، قبل أن تتغير حياته بعد مراسلة عاطفية مع امرأة نمساوية خلال أجواء حرب 1967. كما تكشف مقابلة منشورة عبر Austrian Films أن شوقي استلهم الفيلم من قصة تعارف والديه، ثم وسّع الدائرة لتضم حكايات عائلية وذكريات اجتماعية وسياسية ووسائط سمعية وبصرية من تلك الفترة، بما فيها حضور واضح لكرة القدم والتلفزيون والأغاني في الحياة اليومية.

لماذا يبدو أبو بكر شوقي ورقة مهمة؟

اسم أبو بكر شوقي ليس جديدًا على المهرجانات الدولية. المخرج المصري النمساوي عُرف على نطاق واسع منذ «يوم الدين»، ثم واصل حضوره بأعمال لاحقة، ما يمنحه أفضلية نسبية حين يدخل سباقًا يحتاج إلى شبكة علاقات وفهم لآليات الترويج والمشاهدة الدولية. الجديد هنا أن «القصص» ليس مجرد مشروع مهرجاني بارد، بل فيلم يقترب من سيرة عائلية مصرية، ويعتمد على ذاكرة مدينة ومرحلة تاريخية حساسة، وهي عناصر قد تمنحه طابعًا أكثر خصوصية عند عرضه على جمهور غير عربي.

هذا مهم لأن فئة أفضل فيلم دولي لا تكافئ فقط “الجودة” بالمفهوم التقليدي، بل كثيرًا ما تنجذب إلى أفلام تمتلك صوتًا واضحًا وهوية متماسكة. ومن هذه الزاوية، فإن شوقي لا يقدّم حكاية عامة عن الحب أو الأسرة، بل يبني عالمًا مصريًا متصلًا بسنوات ما بعد 1967 وبالطبقة الوسطى وبأحلام السفر والفن والتحولات الاجتماعية.

نيللي كريم وأمير المصري: خليط جماهيري وفني

حضور نيللي كريم في الفيلم ليس تفصيلاً دعائيًا فقط. التقارير النقدية التي صاحبت عروض الفيلم، ومنها تغطية المصري اليوم من مهرجان البحر الأحمر، أبرزت أن الفيلم يعتمد على أداءات إنسانية دافئة داخل عائلة مصرية متشابكة. نيللي كريم، المعروفة جماهيريًا في مصر، تضيف للفيلم ثقلًا محليًا، بينما يضيف أمير المصري طاقة مختلفة بفضل حضوره المتزايد في أعمال عربية ودولية. وفي التناول المنشور عبر Arab News، وُصفت شخصية الأم التي تؤديها نيللي بأنها مركز عاطفي أساسي داخل الفيلم، فيما يقود أمير المصري مسار أحمد بوصفه الحالم الذي تتقاطع حياته مع السياسة والحب والطموح.

ومن زاوية تسويقية، فإن هذا الثنائي قد يخدم الفيلم على مستويين: الأول محلي، عبر جذب الانتباه المصري والعربي حول الترشيح، والثاني دولي، عبر وجه مألوف نسبيًا لدوائر المتابعة السينمائية خارج مصر في حالة أمير المصري. وإذا كان الأوسكار لا يُحسم بالنجومية وحدها، فإنه بالتأكيد يستفيد من فيلم يمكن الترويج له بوجوه معروفة وقابلة للحضور في النقاشات الصحافية والعروض الخاصة.

ماذا حقق الفيلم قبل محطة الأوسكار؟

قبل اختياره ممثلًا لمصر، كان «القصص» قد راكم مسارًا مهرجانيًا لافتًا. المصري اليوم ذكرت أن الفيلم فاز بجائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم في الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان قرطاج السينمائي. كما شارك في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، وسبقه حضور في مهرجان تالين بلاك نايتس، بينما استضاف مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية عرضه الأول في مصر بحضور صنّاعه وأبطاله.

هذا المسار مهم لأن الأكاديمية تميل غالبًا إلى الأفلام التي تدخل السباق وقد كوّنت بالفعل سمعة نقدية ومهرجانية. صحيح أن الجوائز الإقليمية لا تضمن مكانًا في القائمة القصيرة، لكنها تمنح الفيلم “سيرة سابقة” يحتاجها أي مرشح قادم من خارج السوق الأميركية.

لكن هل تكفي السمعة المهرجانية وحدها؟

هنا تظهر المعضلة القديمة للسينما المصرية في الأوسكار. فبحسب ما نشره اليوم السابع، سبق لمصر أن رشحت نحو 38 فيلمًا عبر تاريخ مشاركاتها، منذ إرسال «باب الحديد» ليوسف شاهين عام 1958، من دون أن تصل حتى الآن إلى ترشيح نهائي في هذه الفئة. هذه الخلفية تجعل أي تفاؤل بحاجة إلى قدر من الواقعية.

كما أن قراءة شباك التذاكر المحلي لا تعطي بالضرورة مؤشرًا حاسمًا على الحظوظ الدولية؛ فـالمصري اليوم رصدت أن الفيلم بدأ عرضه التجاري في مصر بإيرادات محدودة بلغت 187 ألف جنيه في أحد تقارير أيامه الأولى، مع بيع 1137 تذكرة وعرضه في 35 مجمعًا سينمائيًا. لكن هذا النوع من الأفلام لا يُقاس عادة بمنطق الإيراد وحده، خصوصًا عندما تكون قيمته الأساسية في الكتابة والبناء الزمني والهوية البصرية والقدرة على السفر بين المهرجانات.

ما الذي قد يمنح «القصص» فرصة مختلفة فعلًا؟

1) حكاية مصرية شديدة الخصوصية

الفيلم لا يقدّم مصر بوصفها خلفية سياحية أو ديكورًا سياسيًا مبسطًا، بل كنسيج عائلي وثقافي ممتد عبر سنوات مفصلية. هذه الخصوصية قد تكون نقطة قوته الأساسية.

2) مخرج يعرف لغة المهرجانات

أبو بكر شوقي يعرف كيف تُقرأ الأفلام في الدوائر الدولية، وكيف تُقدَّم بوصفها أعمالًا ذات رؤية، لا مجرد منتجات محلية.

3) طاقم تمثيل جذاب

وجود نيللي كريم وأمير المصري يمنح الفيلم قدرة أكبر على الحضور الإعلامي، وهو عنصر مهم في موسم الجوائز.

4) توقيت واضح داخل روزنامة الأكاديمية

وفق أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، فإن أهلية أفلام الدورة الـ99 تشمل الأعمال المعروضة بين 1 يناير 2026 و31 ديسمبر 2026، على أن يكون 30 سبتمبر 2026 هو موعد تقديم أفلام فئة أفضل فيلم دولي، بينما تُعلن القائمة القصيرة في 15 ديسمبر 2026، وتقام الحفلة في 14 مارس 2027. هذا يعني أن اختيار مصر جاء في نافذة زمنية تسمح بترتيب حملة مشاهدة وترويج إذا جرى التعامل معها بجدية.

الخلاصة: فرصة مختلفة نعم.. لكن ليست مضمونة

الإجابة المختصرة هي: نعم، «القصص» يمنح السينما المصرية فرصة مختلفة هذا العام، لكن ليس لأنه “الأقوى عربيًا” أو لأنه يضم نجوماً فحسب، بل لأنه يحمل هوية مصرية واضحة، ويقف وراءه مخرج ذو خبرة دولية، ويمتلك رصيدًا مهرجانيًا سابقًا. في المقابل، تبقى المنافسة في فئة أفضل فيلم دولي من أصعب سباقات الأوسكار، وتحتاج إلى ما هو أبعد من جودة الفيلم نفسه: حملة ذكية، عروض مستمرة، وتكثيف حضور الفيلم داخل دوائر التصويت.

بالنسبة للقارئ المصري، ربما تكون قيمة ترشيح «القصص» أكبر من مجرد مطاردة جائزة. فحتى لو لم يصل الفيلم إلى القائمة القصيرة، فإنه يطرح نموذجًا يستحق التوقف: فيلم مصري ينطلق من ذاكرة مصر، ويخاطب العالم من داخلها لا من خارجها. وهذه، في حد ذاتها، ربما تكون الفرصة المختلفة التي تبحث عنها السينما المصرية منذ سنوات.