Filmatology

«القصص» بعد 17 يونيو: هل يعيد التاريخ إلى السينما المصرية؟

«القصص» يصل إلى دور العرض المصرية في توقيت صعب ومختلف

منذ انطلق فيلم «القصص» في دور العرض المصرية يوم 17 يونيو 2026، بدا واضحًا أن العمل لا يدخل الموسم الصيفي بوصفه عنوانًا تجاريًا اعتياديًا، بل كفيلم يحاول استعادة مساحة أقل حضورًا في السوق: الدراما ذات الخلفية التاريخية. الخبر المؤكد من أكثر من مصدر مصري أن الفيلم بدأ عرضه في مصر يوم 17 يونيو، على أن ينطلق عربيًا من 18 يونيو، وهو من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي وبطولة نيللي كريم وأمير المصري، مع كريم قاسم وأحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي وخالد مختار وفاليري باشنر، وقد صُوِّر بين القاهرة وفيينا.

أهمية هذه البداية لا ترتبط فقط بتاريخ الطرح، بل بطبيعة التوقيت نفسه. فموسم صيف 2026 في مصر انطلق أساسًا وسط عناوين يغلب عليها الأكشن والكوميديا، مثل «الكراش» الذي بدأ عرضه يوم 11 يونيو، ثم «صقر وكناريا» يوم 24 يونيو، مع منافسة أوسع ضمت عدة أفلام على شباك التذاكر المصري خلال الأسبوع الأخير من يونيو. داخل هذا المناخ التجاري السريع، يبدو «القصص» استثناءً محسوبًا أكثر منه مغامرة عشوائية.

ما الذي يقدمه الفيلم فعلًا؟

بحسب التفاصيل المنشورة عن العمل، تدور أحداث «القصص» بين عام 1967 وأواخر الثمانينيات، عبر حكاية «أحمد» الشاب المصري الطامح إلى أن يصبح عازف بيانو، والذي تبدأ حياته في التحول بعد علاقة مراسلة مع فتاة نمساوية تُدعى «ليز». هذا الامتداد الزمني مهم؛ لأن الفيلم لا يستخدم الماضي كديكور، بل كمساحة درامية تتحرك فيها التحولات السياسية والاجتماعية والعائلية، من دون التخلي عن خطه الإنساني الأساسي.

هنا تحديدًا تكمن فرادته داخل السينما المصرية الحالية. نحن لا نتحدث عن فيلم تاريخي بالمعنى التقليدي المرتبط بالشخصيات العامة أو الوقائع العسكرية الكبرى، بل عن دراما شخصية تجري داخل سياق تاريخي مصري. هذا النوع أصعب تسويقيًا من الكوميديا المباشرة أو الأكشن المرتفع الإيقاع، لكنه غالبًا أكثر قدرة على البقاء نقديًا وعلى السفر إلى المهرجانات والجمهور النوعي.

أبو بكر شوقي ورهان الحساسية الإنسانية

السؤال عن قدرة «القصص» على فتح مساحة أوسع لهذا اللون لا يمكن فصله عن اسم أبو بكر شوقي نفسه. شوقي ليس مخرجًا طارئًا على السينما الجادة؛ ففيلمه «يوم الدين» كان ضمن الاختيار الرسمي في مهرجان كان 2018، وهو ما منح اسمه وزنًا خاصًا في المشهد السينمائي المصري والعربي. هذا المسار مهم لأن «القصص» لا يأتي من مخرج يلاحق موجة رائجة، بل من صانع أفلام معروف باهتمامه بالشخصيات الهامشية والتفاصيل الإنسانية أكثر من مطاردة الصخب.

وفي «القصص» تبدو هذه الحساسية واضحة من الخط العام للحكاية: صداقة، ثم حب، ثم أسئلة هوية وطبقة وطموح وفن، وكل ذلك بين مصر والنمسا. كما أن اختيار أمير المصري لدور البطولة يبدو منطقيًا للغاية؛ فهو ممثل يجيد الأداء الداخلي الهادئ، بينما تمنح نيللي كريم الفيلم ثقلًا جماهيريًا وفنيًا في آن واحد، وهي نقطة لا يمكن التقليل منها إذا كنا نسأل عن فرص توسيع جمهور هذا النوع.

هل الفيلم تاريخي فعلًا أم دراما إنسانية بملامح زمنية؟

الإجابة الأدق: هو دراما إنسانية ذات إطار تاريخي. وهذه ميزة لا عيب. فالجمهور المصري كثيرًا ما يتجاوب مع الأعمال التي تقترب من التاريخ عبر الشخصيات لا عبر الشرح المدرسي. من هنا، قد يكون «القصص» أقرب إلى اختبار عملي لفكرة مهمة: هل يمكن لفيلم مصري معاصر أن يستلهم زمنًا سابقًا، ويحتفظ في الوقت نفسه بقابلية المشاهدة التجارية؟

الواقع أن نجاح هذا النموذج لا يُقاس فقط بإيراده المباشر، بل أيضًا بقدرته على إثبات أن الفترة الزمنية المصرية من أواخر الستينيات حتى الثمانينيات ما زالت قابلة للمعالجة سينمائيًا خارج النوستالجيا السطحية. وإذا تحقق هذا، فسيكون «القصص» قد قدم خدمة تتجاوز نفسه: إقناع المنتجين والموزعين بأن الدراما التاريخية أو شبه التاريخية ليست بالضرورة عبئًا على السوق.

المهرجانات منحت الفيلم دفعة.. لكن السوق له منطقه الخاص

قبل وصوله التجاري إلى مصر، حصد «القصص» حضورًا مهرجانيًا لافتًا. فقد عُرض لأول مرة في مهرجان تالين بلاك نايتس، ثم شارك في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، كما فاز بجائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم روائي طويل في أيام قرطاج السينمائية. وفي مصر، نال مدير التصوير وولفجانج ثالر جائزة أفضل إسهام فني في التصوير السينمائي ضمن الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية.

هذه الجوائز لا تضمن وحدها النجاح الجماهيري، لكنها تمنح الفيلم شرعية فنية قوية في لحظة يحتاج فيها هذا النوع من الأعمال إلى الثقة. كما أن طرحه في موسم مزدحم قد يخدمه من زاوية أخرى: الجمهور الذي لا يجد نفسه في الكوميديا الصاخبة أو الأكشن المتكرر قد يرى في «القصص» بديلًا مختلفًا.

ما الذي يمنع اتساع الدراما التاريخية المصرية؟

  • التكلفة الإنتاجية: أفلام الفترات الزمنية تحتاج إلى ملابس وديكورات وسيارات ومواقع تصوير دقيقة، ما يرفع الميزانية سريعًا.
  • المخاطرة التسويقية: الموزعون يفضلون غالبًا الأنواع الأسرع في الجذب مثل الكوميديا والأكشن.
  • الكتابة: هذا النوع لا ينجح بالشكل فقط؛ بل يحتاج إلى سيناريو محكم يبرر العودة إلى الماضي.
  • توقعات الجمهور: جزء من السوق اعتاد الإيقاع السريع، ما يجعل استقبال الأعمال الأكثر هدوءًا تحديًا حقيقيًا.

ومع ذلك، فإن «القصص» يطرح نموذجًا بديلًا ذكيًا: بدلًا من التاريخ كاستعراض، يقدم التاريخ كحياة يومية. هذه مقاربة قد تكون أكثر عملية للسينما المصرية من المشاريع الضخمة شديدة الكلفة.

إذن.. هل يفتح «القصص» الباب فعلًا؟

يمكن القول إن الفيلم يفتح نقاشًا جادًا أكثر مما يحسمه وحده. ففيلم واحد لا يغيّر خريطة الصناعة بالكامل، خصوصًا في موسم يهيمن عليه منطق الشباك السريع. لكن «القصص» قد يحقق ما هو مهم وممكن: أن يثبت وجود مساحة قابلة للحياة داخل السينما المصرية لأفلام تستدعي التاريخ الاجتماعي وتبني عليه دراما إنسانية ناضجة.

إذا نجح الفيلم في الاستمرار نقديًا وجماهيريًا، حتى ولو ضمن شريحة أضيق من أفلام الأكشن والكوميديا، فسيكون قد أرسل إشارة واضحة إلى المنتجين: الجمهور المصري لا يرفض الدراما التاريخية، بل يرفض فقط الأعمال التي لا تجد مدخلًا إنسانيًا حيًا. وهذه بالضبط هي الرهان الذي يبدو أن أبو بكر شوقي يخوضه.

في النهاية، قيمة «القصص» لا تكمن فقط في كونه فيلمًا جديدًا لـ نيللي كريم وأمير المصري، بل في كونه اختبارًا مهمًا لمدى استعداد السوق المصري لاستقبال حكايات من تاريخه القريب، تُروى بحساسية سينمائية معاصرة. وربما هنا تكمن الإجابة الأهم: نعم، الفيلم قد يفتح مساحة أوسع، لكن بشرط أن تلحقه أعمال أخرى تمتلك نفس الجدية، ونفس الوعي بأن التاريخ في السينما لا يعيش بالشعارات، بل بالشخصيات التي تجعل الماضي محسوسًا من جديد.