إلين بورستين تحتفي بإرثها في فينيسيا وتستعيد أثر «أليس»
إلين بورستين تعود إلى الواجهة من بوابة فينيسيا
في واحد من أكثر مشاهد مهرجان فينيسيا السينمائي 2026 رمزية، تتصدر الممثلة الأمريكية إلين بورستين المشهد هذا الأسبوع، ليس فقط بوصفها اسمًا كلاسيكيًا من تاريخ هوليوود، بل كفنانة ما زالت حاضرة في الحاضر السينمائي بأعمال جديدة. إدارة لا بينالي دي فينيسيا (@labiennale على إنستغرام) أعلنت رسميًا منح بورستين الأسد الذهبي الفخري عن مجمل الإنجاز خلال الدورة الثالثة والثمانين من المهرجان، المقامة بين 2 و12 سبتمبر 2026، على أن يُسلَّم التكريم يوم الاثنين 7 سبتمبر 2026. وفي الوقت نفسه، تحمل بورستين إلى ليدو فينيسيا فيلمين جديدين، ما يمنح حضورها طابعًا فنيًا يتجاوز الاحتفاء بالماضي إلى تأكيد استمرارها كممثلة عاملة في الحاضر.
بالنسبة لقارئ عربي ومصري يتابع أخبار السينما العالمية من زاوية التقييم الفني، فإن أهمية هذه اللحظة لا تتعلق بالعمر أو الجائزة وحدهما، بل بما تمثله بورستين من نموذج نادر لممثلة ربطت بين النجاح الجماهيري والأداء المركب، وواصلت التحرك بين السينما المؤلفة والأعمال الأكثر انتشارًا. هذا ما يجعل تكريمها في فينيسيا أقرب إلى إعادة قراءة لمسار فني بدأ قبل عقود، وما زال يطرح أسئلة معاصرة عن صورة المرأة، والشيخوخة، والبطولة، والمساحة المتاحة للممثلات الكبيرات داخل الصناعة.
فيلمان جديدان يثبتان أن الحضور ليس احتفاليًا فقط
اللافت أن بورستين لا تصل إلى فينيسيا لتسلم جائزة فحسب، بل تشارك أيضًا في فيلمين ضمن قسم Venice Open – Out of Competition. الأول هو Place to Be للمخرج كورنيل موندروتسو، وتشارك في بطولته إلى جانب باميلا أندرسون (@pamelaanderson على إنستغرام)، تايكا وايتيتي، موراي بارتليت، وديفيد وينهام. ووفق البرنامج الرسمي للمهرجان، الفيلم إنتاج أسترالي ومدته 104 دقائق، وعُرضت له مواعيد ضمن برنامج الجمهور يوم 10 سبتمبر 2026.
أما العمل الثاني فهو Flesh Impact، فيلم قصير من إخراج ماجي جيلينهال، تؤدي فيه بورستين دورًا محوريًا إلى جانب داكوتا جونسون، بيتر سارسجارد، وسبيدة معافي. وتصف الصفحة الرسمية للفيلم في موقع المهرجان الحكاية بأنها تدور حول امرأة مسنة غامضة تتقدم لاختبار تمثيل في مسرح صغير بنيويورك، لتتكشف مع حديثها طبقات من الأسرار وسوء الفهم المرتبط بهويتها وحياتها. كما يشير المهرجان إلى أن الفيلم مُهدى إلى مارلين مونرو في الذكرى المئوية لميلادها، وهو ما يفسر عودة اسم النجمة الأسطورية إلى تصريحات بورستين الأخيرة في فينيسيا.
هذا التزامن بين التكريم والمشاركة الفعلية في أفلام جديدة مهم نقديًا؛ لأنه ينقل بورستين من خانة “الأيقونة المحتفى بها” إلى خانة “الممثلة التي لا تزال تُختبر على الشاشة”. في سياق قسم مراجعات الأفلام، تصبح هذه النقطة أساسية: قيمة الفنان لا تُقاس فقط بإرثه، بل بقدرته على إعادة إنتاج نفسه داخل لغة سينمائية متغيرة. ومشاركة بورستين في فيلم طويل وآخر قصير، أحدهما رومانسي تأملي والآخر أقرب إلى المونولوج النفسي، تكشف مرونة لافتة في اختياراتها حتى الآن.
من «أليس لا تعيش هنا بعد الآن» إلى تغيير صورة المرأة
اسم بورستين سيظل مرتبطًا بقوة بفيلم Alice Doesn’t Live Here Anymore، العمل الذي أخرجه مارتن سكورسيزي ومنحها جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة. ورغم أن الفيلم يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، فإن حضوره في النقاش الحالي ليس من باب الحنين فقط، بل لأن بورستين نفسها أعادت في فينيسيا الربط بينه وبين تحولات كتابة الشخصيات النسائية في السينما الأمريكية. الفكرة المركزية التي يستعيدها كثيرون اليوم هي أن الفيلم قدّم امرأة تقود الحكاية من داخل تجربتها الخاصة، لا باعتبارها امتدادًا لدور الرجل أو مجرد عنصر مساعد في البناء الدرامي.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبدو الحديث عن بورستين مناسبًا جدًا لجمهور المتابعين في مصر والعالم العربي، حيث لا يزال النقاش مفتوحًا حول مركزية البطولة النسائية في السينما، وحول الفرق بين الأفلام التي تمنح المرأة دورًا حقيقيًا، وتلك التي تكتفي بإظهارها دون أن تمنحها عمقًا دراميًا. تجربة «أليس لا تعيش هنا بعد الآن» تظل مرجعًا مهمًا؛ لأنها لم تطرح شخصية “قوية” بالمعنى الدعائي السهل، بل شخصية إنسانية متناقضة، تحاول النجاة وإعادة تعريف ذاتها. هذا هو النوع من الأدوار الذي يصنع أثرًا طويلًا، ويجعل الفيلم قابلًا لإعادة المشاهدة بعد عقود.
لماذا لا يزال هذا الفيلم مهمًا اليوم؟
- لأنه منح المرأة مركز السرد بدل وضعها على الهامش.
- لأنه قدّم بطلة غير مثالية، لكنها معقدة وقابلة للتصديق.
- لأنه فتح الباب أمام نمط أكثر نضجًا في كتابة الشخصيات النسائية داخل السينما الأمريكية.
- ولأن أثره النقدي ما زال حاضرًا عند تقييم الأفلام التي تتناول الاستقلال الشخصي والتحول الاجتماعي.
مارلين مونرو من جديد: اعتراف رمزي يتقاطع مع فيلم حديث
أحد الخيوط اللافتة في تغطية بورستين من فينيسيا هو حديثها عن شعورها بأنها كانت “مُعترَفًا بها” من جانب مارلين مونرو. المعنى هنا ليس خبرًا فضائحيًا بقدر ما هو تداخل بين ذاكرة هوليوود القديمة وتمثلاتها الجديدة في فيلم Flesh Impact، الذي خصصته ماجي جيلينهال لذكرى مرور مئة عام على ميلاد مونرو، بحسب وصف الصفحة الرسمية للمهرجان. هذا الربط بين مونرو وبورستين يفتح قراءة مثيرة: الأولى رمز لصناعة صنعت صورة المرأة كأيقونة، والثانية واحدة من الممثلات اللواتي ساهمن في تحويلها إلى ذات درامية كاملة.
ومن منظور نقدي، فإن استدعاء مارلين مونرو داخل عمل جديد تؤديه بورستين يحمل شحنة دلالية أكبر من مجرد التحية التاريخية. هو أقرب إلى حوار بين جيلين من التمثيل: جيل النجومية المؤسسة على الهالة، وجيل الأداء القائم على الصدع الداخلي والتفاصيل النفسية. لهذا يبدو Flesh Impact مشروعًا مثيرًا للاهتمام حتى قبل اتساع دورانه النقدي خارج فينيسيا.
ما الذي يعنيه تكريم فينيسيا لبورستين داخل خريطة الجوائز؟
حين يمنح مهرجان بحجم فينيسيا جائزة الأسد الذهبي الفخري لممثلة ما، فالأمر لا يقتصر على الاحتفال بماضٍ لامع. هذه الجائزة تُستخدم أيضًا لتثبيت موقع الفنانة داخل الذاكرة الرسمية للسينما العالمية. وقد أوضح موقع المهرجان أن قرار منح بورستين التكريم جاء بتوصية من المدير الفني ألبرتو باربيرا واعتماد مجلس إدارة لا بينالي. كما يبرز النص الرسمي أسماء مفصلية من مسيرتها، بينها The Exorcist وAlice Doesn’t Live Here Anymore وInterstellar، بما يعكس امتداد حضورها بين أفلام الرعب والدراما والخيال العلمي، وهي مساحة نادرًا ما يحافظ فيها ممثل على الثقل نفسه عبر أزمنة متباعدة.
بالنسبة إلى متابعي الجوائز من الجمهور المصري، فإن هذه اللحظة قد تعيد الاهتمام بباقة من أفلام بورستين القديمة، خصوصًا تلك التي لا تزال صالحة للمشاهدة من منظور الأداء الخالص. فبينما تنشغل الصناعة اليوم بأرقام الشباك والمنصات، يذكّرنا تكريم كهذا بأن بعض الممثلين يُقاس أثرهم بما يتركونه في تاريخ الأداء نفسه، لا بما يحققونه فقط في لحظة العرض الأولى.
قراءة أخيرة: لماذا تستحق إلين بورستين هذا الاهتمام الآن؟
الإجابة الأقصر هي أن إلين بورستين تمثل فكرة نادرة في السينما: ممثلة كبرى لا يُختزل حضورها في الماضي. في فينيسيا 2026، تتجاور ثلاثة مستويات في صورتها الحالية: الإرث عبر جائزة الإنجاز، والاستمرار عبر فيلمين جديدين، والأثر الفني عبر استعادة نقاش قديم متجدد عن أدوار النساء في الأفلام. ومن هذه الزاوية، لا يبدو اسمها مجرد مادة خبرية مرتبطة بمهرجان، بل فرصة لإعادة النظر في كيف تصنع بعض الأفلام تحولات حقيقية في تمثيل المرأة على الشاشة.
ولعل هذا ما يجعل لحظة بورستين الراهنة أكثر من مجرد تكريم متأخر. إنها لحظة تقول إن السينما، حين تنصف ممثلة بحجمها، لا تكافئ الماضي فقط، بل تعترف أيضًا بأن بعض الأداءات تظل قادرة على التأثير في طريقة كتابة الأدوار، وفهم البطولة، وقراءة الشاشة نفسها. بالنسبة لقسم مراجعات الأفلام، هنا تكمن القيمة الحقيقية للخبر: ليس في المناسبة وحدها، بل في الأسئلة التي تفتحها حول الفن والتمثيل والزمن.