بعد قرن من «قبلة في الصحراء».. كيف بدأت المغامرة؟
فيلم سبق زمنه في بدايات الشاشة المصرية
مع اقتراب مرور 100 عام على عرض «قبلة في الصحراء»، يعود الفيلم إلى دائرة الاهتمام بوصفه واحدًا من العلامات المبكرة في تاريخ السينما المصرية والسينما الروائية الصامتة في المنطقة. العمل ارتبط باسم الأخوين إبراهيم لاما وبدر لاما، اللذين وصلا إلى الإسكندرية في عشرينيات القرن الماضي، ثم دخلا سباقًا مبكرًا لتأسيس صناعة سينمائية محلية في مصر، في لحظة كانت فيها الشاشة لا تزال تبحث عن لغتها وشكلها الإنتاجي.
وتشير المصادر المتاحة إلى أن الفيلم عُرض في الإسكندرية عام 1927، بينما تذكر مراجع أخرى أن تداوله الجماهيري في مصر ارتبط أيضًا بتاريخ 25 يناير 1928. هذا التباين في التوثيق ليس نادرًا في أرشيف السينما الصامتة، لكنه لا يغيّر من حقيقة أن الفيلم ينتمي إلى الطور التأسيسي الأول للسينما الروائية الطويلة في مصر.
من هما الأخوان لاما؟
تُجمع المراجع السينمائية على أن إبراهيم لاما وبدر لاما كانا من الرواد الذين ارتبطت أسماؤهم بالبدايات العملية للإنتاج الروائي الطويل في مصر. وتوضح مواد توثيقية من مكتبة الإسكندرية أن الشقيقين قدما إلى الإسكندرية في عام 1924، ثم اتجها إلى العمل السينمائي، قبل أن يؤسسا لاحقًا استوديو لاما في حي حدائق القبة بالقاهرة بعد تجاربهما الأولى. كما ارتبط اسم كوندور فيلم بإنتاجهما المبكر، وفي مقدمته «قبلة في الصحراء».
إبراهيم لاما تولى كتابة قصة الفيلم وإخراجه وتصويره بحسب عدد من المصادر، بينما تصدّر بدر لاما البطولة. هذا النموذج، الذي جمع بين الإخراج والكتابة والتصوير والتمثيل في دائرة إنتاج محدودة الإمكانات، يكشف حجم المغامرة التي خاضها الرواد في سنوات ما قبل الاستوديوهات الكبرى.
كيف صُنع الفيلم في الإسكندرية؟
أحد أكثر التفاصيل دلالة في حكاية «قبلة في الصحراء» أن التصوير لم يجرِ داخل بنية إنتاجية مكتملة كما نعرفها اليوم، بل في ظروف أقرب إلى العمل الحرفي المؤسس. فالمشاهد الخارجية صُورت في الشوارع والصحراء، بينما أُنجزت المشاهد الداخلية داخل فيلا استأجرها الأخوان لاما في حي فيكتوريا بالإسكندرية، وجرى تحويل إحدى قاعاتها الواسعة إلى مساحة تصوير بدائية تتبدل ديكوراتها يدويًا من مشهد إلى آخر. هذه التفاصيل وردت في أكثر من مرجع عن تاريخ الفيلم، وتوضح كيف كانت الإسكندرية حاضنة فعلية لمحاولة مبكرة في صناعة فيلم روائي طويل.
ولهذا تبدو أهمية الفيلم مصرية بامتياز، ليس فقط لأنه صُوّر وعُرض في مصر، بل لأنه يعكس مرحلة كانت فيها الإسكندرية والقاهرة معًا مختبرًا مفتوحًا لتجارب الرواد قبل استقرار الصناعة لاحقًا في شكلها المعروف.
ماذا نعرف عن القصة وأبطال الفيلم؟
المتاح من قواعد البيانات السينمائية والمراجع التوثيقية يشير إلى أن بدر لاما أدّى شخصية شفيق، بينما شاركت إيفون جوين أو Yvonne Goeine في دور هيلدا. وتدور الحبكة في إطار صحراوي يمزج بين الرومانسية والمغامرة، وهو ما يفسر عنوان الفيلم وارتباطه المبكر بأجواء الميلودراما الصامتة. وتذكر مصادر عدة أن العمل تأثر بموجة الأفلام الصحراوية والمغامرات التي كانت رائجة عالميًا وقتها، خصوصًا الأعمال ذات النزعة الشرقية التي عرفت حضورًا واسعًا في عشرينيات القرن الماضي.
وتشير بعض المواد التوثيقية أيضًا إلى أسماء أخرى ضمن المشاركين في الفيلم، من بينهم إبراهيم ذو الفقار، كما ترد إشارات لاحقة إلى أسماء فنية ستصبح مع الزمن أكثر حضورًا في تاريخ الشاشة المصرية. لكن في ظل تفاوت المصادر حول بعض تفاصيل الطاقم، تبقى الحقائق الأوثق هي صلة الفيلم المباشرة بإبراهيم لاما مخرجًا وبدر لاما بطلًا، إلى جانب انتمائه الواضح إلى لحظة التكوين الأولى للسينما الصامتة في مصر.
لماذا يبقى «قبلة في الصحراء» مهمًا بعد كل هذا الوقت؟
أهمية «قبلة في الصحراء» لا تتوقف عند كونه فيلمًا قديمًا، بل في موقعه داخل الجدل التاريخي حول الأعمال الأولى في السينما المصرية. فبعض المراجع تعدّه من أوائل الأفلام الروائية الطويلة التي عُرضت في مصر، بل وتذهب مصادر إلى اعتباره أول فيلم عربي طويل عُرض محليًا، في حين يمنح مؤرخون آخرون الأفضلية لفيلم «ليلى» لعزيزة أمير عندما يتعلق الأمر بتوصيف «أول فيلم مصري» من حيث الإنتاج المصري الخالص. هذا التفريق مهم لقرّاء اليوم: «قبلة في الصحراء» يحتل موقعًا متقدمًا جدًا في خط البداية، حتى إن ظل تعريف «الأول» نفسه محل نقاش بين المؤرخين.
ومن منظور صحفي وثقافي، ربما تكون القيمة الأكبر للفيلم أنه يكشف طبيعة اللحظة التي وُلدت فيها السينما المصرية: مبادرات فردية، تمويل محدود، تصوير في مواقع حقيقية، وتأثر واضح بالسينما العالمية، مع إصرار في الوقت نفسه على تأسيس إنتاج محلي يمكنه مخاطبة جمهور مصر. تلك المعادلة تحديدًا هي ما منح الأفلام الأولى بريقها التاريخي، حتى لو اختلف النقاد حول ترتيبها الدقيق في سجل البدايات.
الإسكندرية.. مسرح البداية
بالنسبة للقارئ المصري، يصعب فصل «قبلة في الصحراء» عن مدينة الإسكندرية، التي لعبت دورًا حاسمًا في البدايات المبكرة للعرض السينمائي والإنتاج المحلي معًا. فقبل رسوخ القاهرة كمركز أول للصناعة، كانت الإسكندرية بوابة تقنية وثقافية، ومنها انطلقت محاولات عدة أسهمت في تمهيد الطريق أمام السينما الروائية. لهذا لا يُقرأ الفيلم فقط كعنوان قديم، بل كجزء من ذاكرة مدينة احتضنت مغامرة الصورة في سنواتها الأولى.
- سنة الظهور: 1927 وفق غالبية المراجع، مع وجود توثيق لعرض في يناير 1928 داخل مصر.
- المخرج: إبراهيم لاما.
- البطولة: بدر لاما وإيفون جوين.
- مكان التصوير المبكر: فيلا بحي فيكتوريا في الإسكندرية مع تصوير خارجي في الشوارع والصحراء.
- الأهمية التاريخية: أحد أبرز أفلام التأسيس في السينما الروائية الصامتة بمصر.
بعد قرن تقريبًا.. ماذا يبقى؟
الذي يبقى من «قبلة في الصحراء» ليس فقط عنوانًا لافتًا أو سبقًا زمنيًا، بل درس كامل في كيف تبدأ الصناعات الثقافية الكبرى من محاولات صغيرة وجريئة. وبعد ما يقرب من مئة عام، لا يزال الفيلم حاضرًا في كل نقاش جاد عن نشأة السينما المصرية، وعن الجيل الذي خاطر بالإمكانات المحدودة ليضع أولى اللبنات. وبالنسبة لقسم السينما المصرية، فإن استعادة هذا الفيلم اليوم ليست مجرد نوستالجيا، بل تذكير بأن تاريخ الشاشة في مصر بدأ من مغامرين آمنوا بالصورة قبل أن تتحول إلى صناعة كاملة الأركان.