Filmatology

بهيجة حافظ.. رائدة الموسيقى التصويرية في السينما المصرية

بهيجة حافظ.. اسم مبكر في ذاكرة السينما المصرية

تأتي ذكرى ميلاد الفنانة المصرية بهيجة حافظ هذا العام في 4 أغسطس، لتعيد الضوء إلى واحدة من الشخصيات المؤسسة في تاريخ السينما المصرية. ووفق بيانات الهيئة العامة للاستعلامات، وُلدت بهيجة حافظ في الإسكندرية يوم 4 أغسطس 1908، ورحلت في القاهرة يوم 13 ديسمبر 1983، بعدما تركت حضورًا لافتًا في مجالات التمثيل والإنتاج والإخراج وكتابة السيناريو والتأليف الموسيقي للأفلام.

ولا يُستعاد اسم بهيجة حافظ بوصفها ممثلة فقط، بل باعتبارها من أوائل النساء اللاتي وسّعن تعريف العمل السينمائي في مصر، إذ لم تكتفِ بالظهور أمام الكاميرا، بل شاركت أيضًا في بناء الفيلم من داخله: موسيقى وصورة وإنتاجًا وصياغةً فنية. ولهذا ظل اسمها حاضرًا في أي حديث جاد عن بدايات الصناعة المصرية على الشاشة.

لماذا تُعد بهيجة حافظ محطة مفصلية؟

تصفها مصادر مصرية رسمية بأنها من رائدات الفن الدرامي والإنتاج السينمائي، كما تشير إلى أنها بدأت مشوارها عبر العزف المصاحب للأفلام الصامتة قبل انتقالها إلى التمثيل السينمائي. وتبرز أهميتها بشكل خاص في كونها ارتبطت مبكرًا بتأليف الموسيقى للأفلام، وهو ما رسّخ مكانتها باعتبارها من أوائل، إن لم تكن الأولى، بين النساء في هذا المجال داخل السينما المصرية.

أهمية بهيجة حافظ لا تتوقف عند سبقها الزمني، بل تمتد إلى طبيعة مشروعها الفني نفسه. فقد جاءت من خلفية ثقافية وموسيقية واضحة، ودرست الموسيقى في القاهرة ثم واصلت دراستها في باريس، بحسب ما تنقله الهيئة العامة للاستعلامات، وهو ما يفسر الحس الموسيقي الذي لازم أعمالها لاحقًا، سواء على مستوى الأداء أو بناء الأجواء الدرامية في الأفلام التي ارتبط اسمها بها.

من الإسكندرية إلى شاشة «زينب»

كان فيلم «زينب» الصامت، الذي أخرجه محمد كريم، نقطة التحول الكبرى في مسيرتها. وتذكر الهيئة العامة للاستعلامات أن كريم، بعد عودته من ألمانيا واستعداده لإخراج الفيلم، كان يبحث عن وجه نسائي لبطولته، قبل أن يختار بهيجة حافظ لتقديم الدور. وقد أصبح الفيلم علامة بارزة في بدايات السينما المصرية، كما ارتبط باسمها بوصفه أول أدوارها السينمائية المعروفة.

وتشير قواعد بيانات الأفلام، ومنها IMDb، إلى أن بهيجة حافظ قامت ببطولة «زينب» عام 1930، ثم ظهرت بعد ذلك في أفلام أخرى مثل «الضحايا» (1932) و«الاتهام» (1934) و«ليلى بنت الصحراء» (1937) و«ليلى البدوية» (1944) و«زهرة السوق» (1947)، قبل أن تسجل حضورًا لاحقًا في فيلم «القاهرة 30» عام 1966.

فنانة متعددة الأدوار في زمن البدايات

ما يميز بهيجة حافظ في تاريخ الفن المصري أنها لم تتحرك داخل حدود مهنة واحدة. فإلى جانب التمثيل، شاركت في الكتابة والإخراج والإنتاج والمونتاج وتصميم الأزياء، وهي وظائف كانت في ذلك الزمن تتطلب قدرة استثنائية على اقتحام مجال لا يزال في طور التشكّل. ولهذا تبدو سيرتها اليوم أقرب إلى نموذج للفنانة الشاملة التي تعاملت مع السينما كمشروع متكامل، لا كمجال للنجومية الفردية فقط.

وتؤكد المصادر الرسمية المصرية أنها أسست شركة إنتاج سينمائي، كما تولت في بعض أعمالها مسؤوليات متعددة في الوقت نفسه، وهو ما يعكس حجم الرهان الذي خاضته داخل صناعة لم تكن سهلة على النساء، خصوصًا في العقود الأولى من القرن العشرين. وفي هذا السياق، لا تبدو بهيجة حافظ مجرد اسم من الماضي، بل جزءًا أصيلًا من قصة صعود المرأة المصرية في المجال الثقافي والفني.

«ليلى بنت الصحراء».. الفيلم الذي يكشف طموحها

إذا كان «زينب» هو بوابة العبور إلى الشهرة، فإن «ليلى بنت الصحراء» يبقى من أكثر الأعمال التصاقًا باسم بهيجة حافظ عند الحديث عن طموحها الفني. وتوضح مصادر فيلمية موثوقة أن الفيلم أُنجز عام 1937، ثم تأخر طرحه لاحقًا، وظهر أيضًا بعنوان «ليلى البدوية». ويُنظر إليه باعتباره من الأعمال التي أبرزت قدرتها على الجمع بين البطولة والكتابة والموسيقى، إلى جانب البعد الإنتاجي.

هذا الطموح يكشف جانبًا مهمًا من شخصيتها: لم تكن تبحث فقط عن الظهور على الشاشة، بل عن تقديم سينما بمستوى إنتاجي وفني مختلف. ولذلك ترتبط سيرتها دومًا بفكرة الريادة، ليس لأنها سبقت غيرها زمنيًا فحسب، بل لأنها حاولت أن ترفع سقف ما يمكن أن تقدمه الفنانة المصرية داخل صناعة السينما.

الموسيقى أولًا.. سر تفرّد بهيجة حافظ

في تاريخ الموسيقى التصويرية في السينما المصرية، يحضر اسم بهيجة حافظ بقوة. فالمصادر التي تناولت مسيرتها تجمع على أن علاقتها بالموسيقى سبقت شهرتها السينمائية، وأنها انطلقت من التكوين الموسيقي قبل أن تتوسع إلى مجالات أخرى. وهذا الترتيب مهم لفهم شخصيتها الفنية: السينما عندها لم تكن انفصالًا عن الموسيقى، بل امتدادًا لها.

ومن خلال هذا المسار، أصبحت بهيجة حافظ واحدة من أوائل الأسماء التي ربطت بين الصوت والصورة في زمن كان الفيلم المصري لا يزال يبحث عن لغته الخاصة. وللقارئ المصري اليوم، تبدو هذه النقطة بالذات ذات قيمة كبيرة، لأن الحديث عن تطور السينما في مصر غالبًا ما يركز على النجوم والأفلام، بينما يقل الالتفات إلى من أسهموا في تكوين الهوية السمعية والبصرية للفيلم المصري مبكرًا.

أعمال بارزة ارتبط اسمها بها

  • زينب (1930): من أشهر محطات بدايتها السينمائية.
  • الضحايا (1932): ظهرت فيه ممثلة، وارتبطت به أيضًا بأدوار خلف الكاميرا.
  • الاتهام (1934): من الأعمال المبكرة في مسيرتها.
  • ليلى بنت الصحراء (1937): من أبرز أفلامها وأكثرها تداولًا في الكتابات التاريخية.
  • ليلى البدوية (1944): العنوان الذي طُرح به الفيلم لاحقًا.
  • زهرة السوق (1947): من آخر أعمال مرحلتها السينمائية الأبرز.
  • القاهرة 30 (1966): حضور متأخر يؤكد امتداد مسيرتها عبر عقود.

ذكرى تستحق الاستعادة في مصر

في سياق الاحتفاء بتاريخ السينما المصرية، تبدو ذكرى ميلاد بهيجة حافظ مناسبة مهمة لاستعادة اسم لم يأخذ دائمًا ما يستحقه من حضور جماهيري مقارنة بحجم تأثيره الحقيقي. فهي ابنة الإسكندرية، وصاحبة تجربة سبقت عصرها، وواحدة من النساء اللاتي ساهمن في صياغة ملامح الصناعة منذ البدايات الأولى.

وبين تاريخ ميلادها في 4 أغسطس 1908 وتاريخ رحيلها في 13 ديسمبر 1983، تمتد سيرة فنانة مصرية تركت أثرًا يتجاوز فيلمًا بعينه أو دورًا واحدًا. إن استعادة بهيجة حافظ اليوم ليست مجرد حنين إلى زمن جميل، بل تذكير بأن الريادة النسائية في مصر لم تكن استثناءً عابرًا، بل جزءًا أصيلًا من تكوين الثقافة الحديثة، ومن تاريخ الشاشة التي ما زالت القاهرة تكتب فصولها حتى الآن.