Filmatology

تكريم مارتن ماكدونا في زيورخ مع عرض «وايلد هورس ناين»

مارتن ماكدونا في واجهة موسم المهرجانات بفيلم جديد وتكريم خاص

يبدو أن خريف 2026 سيكون مزدحماً لعشاق السينما المؤلفة، إذ يستعد مهرجان زيورخ السينمائي في دورته الثانية والعشرين لتسليط الضوء على اسم بريطاني-إيرلندي له بصمة خاصة في المزج بين السخرية السوداء والدراما الحادة، وهو المخرج والكاتب مارتن ماكدونا. التكريم يأتي بالتزامن مع تقديم عرض احتفالي لفيلمه الجديد «Wild Horse Nine»، وهو عنوان يثير فضول جمهور المهرجانات منذ الإعلان عن أول مشاهده الدعائية وطاقم تمثيله اللافت.

وبحسب المعلومات المنشورة عبر منصة مهرجان زيورخ الرسمية، تُقام الدورة الـ22 من المهرجان بين 24 سبتمبر و4 أكتوبر 2026 في سويسرا، ما يضع الفيلم الجديد داخل نافذة زمنية شديدة الأهمية قبل اشتعال سباق الجوائز ونقاشات النقاد في نهاية العام. كما يؤكد المهرجان في مواده التعريفية أن عروض Gala Premieres تمثل واجهته الأبرز لاستضافة الأعمال الدولية المنتظرة وصناعها.

لماذا يحمل هذا التكريم دلالة أكبر من مجرد جائزة شرفية؟

تكريم ماكدونا في زيورخ لا يبدو خطوة بروتوكولية فقط، بل اعترافاً بمسار سينمائي حافظ على هوية واضحة عبر عدد محدود نسبياً من الأفلام، لكنه ترك أثراً نقدياً وجماهيرياً كبيراً. اسم ماكدونا ارتبط خلال السنوات الماضية بأفلام مثل «In Bruges» و«Seven Psychopaths» و«Three Billboards Outside Ebbing, Missouri» و«The Banshees of Inisherin»، وهي أعمال جعلته من أبرز صناع الكوميديا السوداء المعاصرة.

بالنسبة للقارئ المصري المتابع لقسم مراجعات الأفلام، فالأهمية هنا لا تقتصر على خبر التكريم نفسه، بل تمتد إلى ما قد يحمله الفيلم الجديد من ملامح عودة ماكدونا إلى ملعبه المفضل: شخصيات مأزومة، لغة حادة، توتر سياسي أو أخلاقي، ومفارقات تتأرجح بين العبث والجدية.

ما الذي نعرفه عن «Wild Horse Nine» حتى الآن؟

البيانات الرسمية الصادرة عن Searchlight Pictures (@searchlightpics على إنستغرام) تكشف أن الفيلم من كتابة وإخراج مارتن ماكدونا، ويقوده تمثيلياً جون مالكوفيتش وسام روكويل، إلى جانب ستيف بوشيمي وماريانا دي جيرولامو وأيلين سالاس، مع ظهور لكل من توم وايتس وباركر بوزي. هذا التشكيل وحده كافٍ لرفع سقف التوقعات، خصوصاً أن روكويل سبق أن تعاون مع ماكدونا في «Seven Psychopaths» و«Three Billboards Outside Ebbing, Missouri».

أما على مستوى الحكاية، فتدور أحداث الفيلم قبل الانقلاب التشيلي عام 1973 بقليل، حيث يُرسل عميلان تابعان لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية من سانتياغو إلى جزيرة الفصح بأوامر من رئيسهما. هناك، وفي محيط التماثيل الشهيرة للجزيرة، تتقاطع أسرارهما القديمة مع توترات الحاضر، بينما يهدد ارتباط إحدى الشخصيات بطالبتين متمردتين بإرباك المهمة كلها. الواضح من هذا الملخص أن ماكدونا يتحرك هذه المرة داخل خلفية سياسية وتاريخية أكثر مباشرة، من دون أن يتخلى عن حسه الساخر المعتاد.

جون مالكوفيتش وسام روكويل في قلب الجاذبية التمثيلية

اللقطات والصور الترويجية التي نشرتها الشركة المنتجة تضع جون مالكوفيتش وسام روكويل في الواجهة، وهو خيار منطقي بالنظر إلى ثقل الاثنين وقدرتهما على حمل شخصيات متناقضة نفسياً. مالكوفيتش، المعروف بحضوره البارد والمراوغ، يبدو مناسباً جداً لعالم ماكدونا الذي يفضل الشخصيات الغامضة على الأبطال التقليديين. أما روكويل، فهو من الممثلين القادرين على الجمع بين الخفة العصبية والحدة الدرامية، ما يجعله ورقة رابحة في أي فيلم يعتمد على الإيقاع الحواري والمفاجآت السلوكية.

ومن زاوية نقدية، فإن أكثر ما يلفت هنا هو أن الفيلم لا يعتمد فقط على أسماء كبيرة، بل على كيمياء تمثيلية يُفترض أن تكون محورية في استقبال العمل. الصور الأولى تكشف عن ثنائية واضحة بين مالكوفيتش وروكويل، سواء في المشاهد الداخلية أو اللقطات المفتوحة وسط طبيعة الجزيرة، ما يوحي بأن الفيلم قد يبني توتره الأساسي على العلاقة بينهما أكثر من اعتماده على الحدث السياسي وحده.

موعد الطرح التجاري وما يعنيه ذلك لموسم الجوائز

وفق الصفحة الرسمية للفيلم لدى Searchlight Pictures، ينطلق «Wild Horse Nine» في عرض محدود يوم 23 أكتوبر 2026 قبل التوسع في دور العرض الأمريكية بتاريخ 6 نوفمبر 2026. هذا التوقيت مهم جداً في حسابات الاستوديوهات، لأنه يمنح الفيلم فرصة للمرور أولاً عبر منصة مهرجانية مرموقة، ثم دخول السوق والجمهور في توقيت مثالي قبل نهاية العام.

مثل هذا المسار أصبح مألوفاً مع الأفلام التي تستهدف الجمع بين التقدير النقدي والحضور في الجوائز. وإذا نجح الفيلم في زيورخ جماهيرياً ونقدياً، فليس مستبعداً أن يتحول سريعاً إلى عنوان متكرر في ترشيحات نهاية السنة، خاصة أن اسم ماكدونا نفسه يحظى بثقل أكاديمي وإعلامي واضح منذ نجاح «Three Billboards Outside Ebbing, Missouri» ثم «The Banshees of Inisherin».

ماذا ينتظر جمهور السينما في مصر من هذا الفيلم؟

رغم أن الحديث هنا يدور عن عرض احتفالي في مهرجان أوروبي، فإن الاهتمام المصري والعربي بمثل هذه الأخبار لم يعد نخبوياً كما كان قبل سنوات. جمهور المنصات ودور العرض في مصر بات يتابع عن قرب أفلام المهرجانات الكبرى، خصوصاً حين ترتبط بأسماء معروفة وبشركات توزيع تملك حضوراً عالمياً. ومن هذه الزاوية، يحمل «Wild Horse Nine» عناصر جذب واضحة: مخرج صاحب أسلوب متفرد، طاقم تمثيل ثقيل، خلفية سياسية، وطابع بصري يوحي بفيلم يجمع بين المغامرة والتهكم والقلق الوجودي.

كما أن وجود جزيرة الفصح داخل بنية الأحداث يضيف للفيلم بعداً مكانياً نادراً في أعمال ماكدونا، وهو ما قد ينعكس على اللغة البصرية والمزاج العام. الصور الدعائية المنشورة حتى الآن توحي بأن المكان ليس مجرد خلفية، بل عنصر درامي له تأثير مباشر على الإحساس بالعزلة والتهديد والغرابة.

قراءة أولية: لماذا يبدو «Wild Horse Nine» مشروعاً واعداً؟

من المبكر إصدار حكم نهائي قبل العرض الأول، لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن الفيلم قد يكون واحداً من أهم أفلام ماكدونا منذ «The Banshees of Inisherin». السبب لا يعود فقط إلى قيمة الأسماء المشاركة، بل إلى أن المشروع يبدو كأنه يوسع نطاق عالمه المعتاد: من الصدامات الشخصية الصغيرة إلى سياق جيوسياسي أكبر، ومن المساحات المغلقة الحادة إلى فضاء بصري مفتوح ومشحون بالرمزية.

  • تكريم زيورخ يمنح الفيلم دفعة رمزية قوية قبل انطلاقه تجارياً.
  • العمل الجديد يجمع بين كتابة وإخراج مارتن ماكدونا وطاقم تمثيل تقوده أسماء مخضرمة.
  • موعد الطرح في أكتوبر ونوفمبر 2026 يضعه مباشرة في قلب سباق الجوائز.
  • الاهتمام النقدي مرشح للارتفاع بسبب تاريخ ماكدونا مع الأفلام التي تجمع بين الحس الجماهيري والاعتراف الفني.

في النهاية، لا يبدو خبر تكريم مارتن ماكدونا في مهرجان زيورخ مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل جزءاً من تمهيد أوسع لإطلاق فيلم قد يصبح من أكثر عناوين الخريف تداولاً بين عشاق السينما. وإذا جاءت النتيجة على مستوى التوقعات، فقد نجد أنفسنا أمام عمل جديد يرسخ مكانة ماكدونا كأحد أكثر المخرجين قدرة على تحويل السخرية السوداء إلى تجربة سينمائية آسرة ومربكة في الوقت نفسه.