Filmatology

جدل «أبناء النفوذ» يفتح نقاشًا جديدًا في لوكارنو 2026

لوكارنو يفتتح نقاشًا شائكًا عن النفوذ العائلي في السينما

مع انطلاق برنامج Locarno Pro ضمن الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان لوكارنو السينمائي المقامة بين 5 و15 أغسطس 2026، عاد ملف النفوذ العائلي داخل الصناعة إلى الواجهة عبر عرض قدّمه محلل بيانات السينما البريطاني ستيفن فولووز. المداخلة حملت عنوان “Fear, Lies, and the Illusion of Control”، ووضعت أمام الحضور سؤالًا بات يتكرر عالميًا: إلى أي مدى تحدد العلاقات العائلية مسار الفرص الإبداعية في السينما؟

الطرح اكتسب زخمًا لأن فولووز معروف داخل دوائر الصناعة بعمله على تحليل البيانات المرتبطة بالإنتاج والتوزيع والتمويل، كما يقدّم نفسه باعتباره باحثًا يستخدم الأرقام لمساعدة صناع الأفلام على فهم السوق بصورة أدق. وتُظهر صفحاته المهنية وحسابه التعريفي أنه ينشط في مجالات التحليل والنشرات المتخصصة حول أوضاع السينما العالمية.

ما الذي أثاره العرض؟

الفكرة التي أثارت الانتباه في الجلسة لا تتعلق بإدانة أشخاص بعينهم، بل بتفكيك بنية الصناعة نفسها. فالسؤال الذي طُرح يدور حول عدد الأفلام المصنفة بين الأهم في القرن الحادي والعشرين التي شارك في صنعها مبدعون ينتمون إلى عائلات نافذة أو معروفة داخل الوسط الفني. هذا النوع من النقاش لا يعني تلقائيًا أن كل من يملك خلفية عائلية فنية يفتقر إلى الموهبة، لكنه يسلط الضوء على فارق جوهري بين امتلاك الموهبة وامتلاك فرصة الوصول.

في السنوات الأخيرة، تحول مصطلح “Nepo Baby” أو «ابن/ابنة النفوذ» إلى عنوان واسع في الإعلام الثقافي الغربي، خصوصًا مع تزايد النقاش حول تكافؤ الفرص في هوليوود والمنصات الدولية. وبالتوازي، ظهرت قواعد بيانات ومشروعات رقمية مخصصة لتتبع الروابط العائلية داخل قطاعات التمثيل والإخراج والكتابة والإنتاج، ما يعكس أن القضية لم تعد مجرد انطباع صحفي بل موضوعًا يحاول البعض قياسه بالأرقام.

لماذا يهم هذا النقاش القارئ العربي؟

من زاوية عربية، تبدو هذه القضية أبعد من مجرد سجال هوليوودي. فداخل أسواق السينما في المنطقة، بما فيها شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تتكرر الأسئلة نفسها بصيغ مختلفة: من يحصل على فرصة الفيلم الأول؟ من يملك سهولة الوصول إلى المنتجين والموزعين والمهرجانات؟ وهل تحكم الكفاءة وحدها هذه المسارات، أم أن العلاقات والدوائر الاجتماعية تلعب دورًا حاسمًا؟

وبالنسبة للقارئ المصري، يكتسب الموضوع بعدًا إضافيًا لأن النقاش عن العدالة داخل الصناعة لا ينفصل عن واقع السينما العربية الأوسع، حيث تمثل المهرجانات الدولية منصات مؤثرة في إطلاق المشاريع الجديدة ومنحها الشرعية الفنية. لذلك فإن ما يقال في لوكارنو لا يبقى داخل سويسرا فقط، بل يمتد أثره إلى الطريقة التي يقرأ بها المنتجون والمبرمجون والنقاد مشهد السينما العالمية، ومن ضمنه الأفلام العربية الباحثة عن الحضور الدولي.

Locarno Pro ليس حدثًا هامشيًا

أهمية ما طُرح ترتبط أيضًا بطبيعة المنصة نفسها. Locarno Pro هو الذراع المهنية لمهرجان لوكارنو، ويخاطب المتخصصين في الإنتاج والتمويل والتوزيع والتطوير. ووفق التقرير السنوي للمهرجان، استقطب البرنامج في نسخة 2024 ما مجموعه 1892 محترفًا معتمدًا من 94 دولة، مع نمو بنسبة 20% مقارنة بعام 2023، ما يوضح حجم التأثير الذي باتت تملكه هذه المنصة داخل سينما المؤلف والأسواق الدولية.

هذا الثقل المهني يفسر لماذا يمكن لعرض إحصائي واحد أن يثير نقاشًا أوسع من حدود القاعة. فعندما تصدر الأسئلة عن فضاء يجمع موزعين ومنتجين ومبرمجين وصناع قرار، فإنها تتحول سريعًا إلى اختبار حقيقي للمعايير التي تقوم عليها الصناعة: من يُمنح التمويل؟ من يُستدعى إلى غرف الكتابة؟ من تُفتح له أبواب الوكالات والشركات الكبرى؟

بين الموهبة والامتياز

أكثر ما يجعل هذه القضية حساسة هو أن النقاش غالبًا ما ينزلق إلى تبسيط مخل: إما الدفاع المطلق عن أبناء العائلات الفنية، أو الهجوم الكامل عليهم. لكن القراءة الأكثر توازنًا تقول إن وجود خلفية عائلية معروفة لا ينفي الموهبة، كما أن النجاح الفردي لا يمحو أثر الامتيازات المبكرة. النقطة الأساسية هنا هي أن الصناعة، مثل كثير من الصناعات الإبداعية، لا تعمل فقط بمنطق «الأفضل يفوز»، بل أيضًا بمنطق «من يعرف من» و«من يصل أولًا».

ولهذا تبدو مداخلة فولووز مهمة؛ لأنها تنقل السجال من مستوى الانطباعات إلى مستوى القياس. وحتى عندما لا تتحول الأرقام إلى حكم أخلاقي نهائي، فإنها تساعد على رؤية البنية الخفية خلف نجاحات تبدو، على السطح، فردية بالكامل.

ما الذي يعنيه ذلك للسينما العربية؟

في قسم السينما العربية تحديدًا، يمكن قراءة هذا الجدل بوصفه دعوة لمراجعة آليات اكتشاف المواهب في المنطقة. فالأفلام العربية التي تعبر إلى المهرجانات الكبرى تحتاج إلى أنظمة تطوير أكثر انفتاحًا، وورشًا تسمح بوصول أصوات جديدة من خارج الدوائر المعتادة، إضافة إلى شفافية أكبر في الاختيارات والمنح وبرامج الاحتضان.

كما أن المهرجانات الكبرى، سواء في أوروبا أو العالم العربي، صارت مطالبة بإظهار كيف توازن بين الأسماء المعروفة والوجوه الجديدة. فوجود شبكة علاقات قوية ليس جريمة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الشبكة إلى باب شبه وحيد للعبور إلى الصناعة.

لوكارنو 2026 ورسالة أبعد من الجدل

الدورة الحالية من لوكارنو، التي تحمل الملصق الرسمي الموقّع من الفنانة الأميركية سيندي شيرمان (@cindysherman على إنستغرام)، تؤكد أن المهرجان لا يريد الاكتفاء بالاحتفاء بالأفلام، بل يسعى أيضًا إلى مناقشة البنية التي تنتج هذه الأفلام. وهذا ما يجعل الجلسات المهنية موازية في أهميتها للعروض والجوائز، لأنها تفتح أسئلة عن مستقبل العمل السينمائي نفسه.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: كم فيلمًا من بين الأفضل هذا القرن شارك فيه «أبناء نفوذ»؟ بل: كم موهبة حقيقية لم تصل أصلًا إلى خط البداية؟ هنا تحديدًا تكمن قيمة النقاش الذي افتتح به ستيفن فولووز موسم Locarno Pro 2026. فهو لا يقدّم إجابة نهائية، لكنه يذكّر الصناعة بأن العدالة لا تُقاس فقط بما نراه على الشاشة، بل أيضًا بمن مُنح فرصة الوقوف خلف الكاميرا أو أمامها من الأساس.