جميل راتب.. كيف أعاد تعريف الشر في السينما المصرية؟
في ذكرى رحيله.. لماذا يبقى جميل راتب حالة استثنائية في أفلام الشر؟
تحل في 19 سبتمبر ذكرى رحيل الفنان المصري جميل راتب، الذي غاب في 19 سبتمبر 2018 عن عمر ناهز 92 عامًا، بعدما ترك وراءه مسيرة طويلة امتدت بين المسرح والسينما والدراما داخل مصر وخارجها. لكن اللافت في حضوره السينمائي تحديدًا أن الرجل لم يقدّم الشر باعتباره مجرد وظيفة درامية، بل أعاد تشكيله بوصفه حالة نفسية واجتماعية لها ملامحها الخاصة، ولهذا لا يزال اسمه حاضرًا كلما فُتح ملف أفضل من جسّدوا الشخصيات المركبة في تاريخ السينما المصرية.
وبالنسبة لقراء مصر، فإن استعادة جميل راتب اليوم لا تبدو مجرد وقفة وفاء مع فنان كبير، بل مناسبة مناسبة لإعادة مشاهدة عدد من الأفلام التي منحت الشاشة المصرية نوعًا مختلفًا من الخصم الدرامي: خصم هادئ، متعلم أحيانًا، قاسٍ من الداخل، ويمتلك قدرة نادرة على الإقناع من دون صخب أو انفعال زائد.
من القاهرة إلى السينما العالمية.. خلفية صنعت أداءً مختلفًا
ولد جميل أبو بكر راتب في القاهرة يوم 18 أغسطس 1926، وبدأ ظهوره السينمائي المبكر في فيلم "أنا الشرق" عام 1946 قبل أن يتجه إلى فرنسا، حيث واصل دراسته واشتغل بالمسرح والسينما، ثم عاد إلى مصر في السبعينيات ليبدأ مرحلة أكثر كثافة في السينما العربية. هذه الخلفية العابرة للثقافات انعكست بوضوح على أدائه: نطق محسوب، إيقاع هادئ، وحضور جسدي لا يحتاج إلى استعراض كي يفرض نفسه.
كما أن مشاركته في أعمال عالمية مثل "لورانس العرب" عام 1962 رسّخت صورته كممثل يملك أدوات مختلفة عن السائد، وهو ما أفاد السينما المصرية لاحقًا حين احتاجت إلى شرير لا يشبه النماذج التقليدية القائمة فقط على الصوت المرتفع أو الانفعال الحاد.
مدرسة جميل راتب في أدوار الشر
ما الذي جعل جميل راتب مؤسسًا لمدرسة خاصة في أدوار الشر؟ الإجابة تبدأ من فكرة أساسية: هو لم يكن يؤدي الشر، بل يفسّره. كان يمنح الشخصية دوافع وطبقات، فيبدو الشر عنده عقلانيًا أحيانًا، أرستقراطيًا أحيانًا أخرى، ومخيفًا لأنه قريب من الواقع لا لأنه كاريكاتيري.
- الهدوء بدل الصراخ: شخصياته كانت تُرعب المشاهد وهي تتحدث بنبرة منخفضة.
- الهيبة الاجتماعية: كثير من أدواره استمدت قوتها من الموقع الطبقي أو النفوذ أو الثقافة.
- الازدواج الإنساني: لم يكن شريره مسطحًا؛ بل يبدو أحيانًا مهذبًا أو رقيقًا قبل أن يكشف عن وجهه الحقيقي.
- الاقتصاد في الأداء: نظرة العين، الوقفة، وطريقة نطق الجملة كانت أدواته الأساسية.
"الكيف".. حين صار الشر أكثر سخرية وخطورة
إذا كان لا بد من التوقف أمام نموذج واحد يلخص عبقرية جميل راتب في السينما، فسيبقى دوره في فيلم "الكيف" (1985) من أكثر المحطات دلالة. في هذا الفيلم الذي كتبه محمود أبو زيد وأخرجه حسن الإمام، قدّم شخصية سليم البهظ، تاجر المخدرات الذي يجمع بين النفوذ والدهاء والقدرة على التلاعب بالآخرين.
قوة الدور لم تكن فقط في شرّه المباشر، بل في طريقته الخاصة في إدارة المشهد. لم يظهر كرجل عصابات تقليدي، بل كشخص يدير الجريمة ببرود وحسابات دقيقة، وهو ما منح الفيلم واحدًا من أكثر أشراره رسوخًا في الذاكرة الشعبية. وحتى اليوم، يظل هذا الأداء من أبرز الأمثلة على كيفية صناعة شخصية سينمائية قابلة للاستدعاء بعد عقود من عرض الفيلم.
"البداية" و"البريء".. الشر بوصفه سلطة
في الثمانينيات أيضًا، رسّخ جميل راتب حضوره داخل أفلام أصبحت لاحقًا من علامات السينما المصرية. في "البداية" (1986) للمخرج صلاح أبو سيف، كان حضوره جزءًا من عالم رمزي يكشف كيف تتولد السيطرة داخل مجتمع صغير معزول. أما في "البريء" (1986) للمخرج عاطف الطيب، فقد بدا الشر أكثر اتصالًا بمؤسسات القمع والسلطة، لا بميول فردية فقط.
هذا الفارق مهم جدًا في قراءة تجربة جميل راتب: فهو لم يحصر نفسه في شخصية الشرير الفرد، بل شارك في أفلام جعلت الشر مرتبطًا ببنية أوسع؛ طبقة، منظومة، أو تحالف مصالح. هنا يصبح وجوده إضافة فكرية للفيلم، لا مجرد دور مساند.
"طيور الظلام".. الوجه الناعم للفساد
في فيلم "طيور الظلام" (1995) للمخرج شريف عرفة، قدّم جميل راتب نموذجًا آخر للشخصيات التي تتحرك في منطقة رمادية بين السياسة والمال والنفوذ. هذه النوعية من الأدوار كانت مناسبة جدًا لقدراته، لأن السينما كانت تحتاج فيها إلى ممثل يستطيع أن يوحي بالخطر من وراء الكلمات المهذبة والبدلات الأنيقة والهدوء المحسوب.
ومن هنا يمكن فهم سر فرادته: الشر عند جميل راتب لم يكن دائمًا شر الشارع أو العنف المباشر، بل كثيرًا ما كان شرًا مؤسسيًا يعرف كيف يبتسم وهو يدير اللعبة. وهذه سمة بالغة الأهمية في أفلام التسعينيات التي انشغلت بعلاقة السلطة بالفساد وبالتحولات الاجتماعية.
لماذا نجحت هذه الشخصيات جماهيريًا؟
رغم خلفيته الأرستقراطية وصورته الثقافية الرفيعة، وصل جميل راتب إلى الجمهور المصري العريض بسهولة. والسبب أن أداءه لم يكن نخبويًا أو معزولًا، بل شديد الذكاء في مخاطبة المشاهد. كان يعرف أن الشرير المقنع ليس من يهدد كثيرًا، بل من يجعلك تصدق أن وجوده ممكن في الواقع.
لذلك بقيت شخصياته عالقة في الذاكرة؛ لأنها لم تعتمد على الإفيه العابر فقط، بل على بناء داخلي متماسك. ويمكن القول إن كثيرًا من الممثلين الذين قدموا أدوار الخصم لاحقًا استفادوا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من هذا النموذج الذي رسخه جميل راتب: شرير يملك عقلًا قبل أن يملك سلاحًا.
إرث سينمائي يتجاوز تصنيف "الشرير"
ورغم التصاق اسمه بأدوار الشر، فإن اختزال جميل راتب في هذه الخانة وحدها يظل ظلمًا لتجربة أوسع بكثير. فقد شارك خلال مشواره في عشرات الأفلام والأعمال الدرامية، وتشير قواعد البيانات الفنية العربية إلى أنه قدّم نحو 70 فيلمًا وأكثر من 90 عملًا دراميًا خلال مرحلته الأوسع في الفن المصري. كما أن ثلاثة أفلام شارك فيها أدرجت ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية وفق استفتاء النقاد عام 1996، وهي "على من نطلق الرصاص" و"الصعود إلى الهاوية" و"البريء".
لكن من زاوية مراجعات الأفلام، يبقى الأهم أن جميل راتب لم يقدّم الشر بوصفه قناعًا ثابتًا، بل كأداة فنية لفهم المجتمع. لهذا تبدو إعادة مشاهدة أفلامه اليوم تجربة ثرية: فهي لا تستعيد ممثلًا كبيرًا فقط، بل تستعيد مرحلة كانت فيها الشخصيات الثانوية أحيانًا أكثر عمقًا من أبطال الحكاية أنفسهم.
الخلاصة
في ذكرى رحيله، لا يُستدعى جميل راتب لأن ملامحه تناسب الشر، بل لأن موهبته جعلت الشر أكثر تعقيدًا وصدقًا وأناقة على الشاشة. وبين "الكيف" و"البداية" و"البريء" و"طيور الظلام"، صنع لنفسه مكانة لا ترتبط بكثرة الظهور بقدر ما ترتبط بقوة الأثر. ولهذا، كلما بحثت السينما المصرية عن نموذج للشرير الذكي، المتماسك، والراسخ في الوجدان، يعود اسم جميل راتب في المقدمة.