Filmatology

«حتى ينتهي اليوم».. حبّ وانقسام سياسي في فينيسيا

فيلم صربي جديد يلفت الأنظار في فينيسيا

يخوض فيلم «حتى ينتهي اليوم»، أو بعنوانه الأصلي Do kraja dana، أولى خطواته الدولية من بوابة قسم أوريتزونتي في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2026، وهو حضور يضع اسم المخرجة الصربية يلينا مكسيموفيتش في دائرة الاهتمام النقدي هذا الموسم. وبالنسبة لقراء قسم «مراجعات الأفلام»، فالقيمة هنا لا تكمن فقط في المشاركة المهرجانية، بل في نوعية الفيلم نفسه: دراما عاطفية وسياسية تدور وسط مدينة منقسمة ومجتمع يعيش توتراً يومياً حاداً.

الموقع الرسمي لـلا بينالي يدرج الفيلم ضمن الاختيار الرسمي لأوريتزونتي، ويؤكد أن مدته 91 دقيقة، وأنه إنتاج مشترك بين صربيا وبلغاريا وسلوفينيا والجبل الأسود وكرواتيا وألمانيا. كما يثبت أن العمل هو أول فيلم روائي طويل لمكسيموفيتش كمخرجة، بعد مسار مهني معروف لها في المونتاج والكتابة والعمل على أفلام مستقلة في المنطقة الأوروبية الشرقية.

ما الذي يرويه «حتى ينتهي اليوم»؟

بعيداً عن الصياغات الترويجية المعتادة، تبدو فكرة الفيلم شديدة الوضوح والحدة: قصة حب تنشأ بين شابين يقفان على جانبين متناقضين من الشارع الصربي. بطلة الحكاية هي لينا، طالبة في العشرين من عمرها منخرطة في الحراك المناهض للحكومة، بينما ستيفان، الشاب ابن الطبقة العاملة، يجد نفسه منجذباً إلى المعسكر المؤيد للسلطة، أو على الأقل محاصَراً بقواه وضغوطه. وبين هذين الخطين، يبني الفيلم علاقة عاطفية لا تلغي التناقض بقدر ما تكشفه.

الملخص المنشور في صفحة الفيلم الرسمية يصف بلغراد كمدينة «منقسمة إلى نصفين»، وهو وصف يبدو مفتاحاً لقراءة العمل كله. فالفيلم لا يقدّم الرومانسية كمهرب من الواقع، بل يجعلها اختباراً قاسياً له: هل يمكن لمشاعر شخصية أن تصمد حين يصبح الشارع نفسه ساحة استقطاب سياسي؟ هذا السؤال هو ما يمنح الفيلم وزنه الدرامي، ويجعله أقرب إلى سينما الاحتكاك المباشر مع المجتمع، لا مجرد ميلودراما شبابية تقليدية.

خلفية الاحتجاجات: لماذا تبدو القصة ملتصقة بالواقع؟

أهمية الفيلم تتضاعف لأن أحداثه موضوعة على خلفية الاحتجاجات الطلابية الواسعة في صربيا. ووفقاً لبيان المخرجة المنشور عبر موقع المهرجان، فإن القصة تدور في سياق المظاهرات التي اندلعت بعد انهيار مظلة خرسانية في محطة السكك الحديدية بمدينة نوفي ساد، وهو الحادث الذي أدى إلى مقتل 16 شخصاً وأشعل موجة غضب واسعة. تقارير دولية لاحقة ربطت تلك الاحتجاجات باتهامات علنية بالفساد والإهمال، وتحولت القضية إلى لحظة فاصلة في المزاج العام الصربي.

هذه الخلفية ليست تفصيلاً سياسياً عابراً، بل عنصر أساسي في قراءة الفيلم نقدياً. فحين يختار السيناريو وضع علاقة ناشئة وسط احتجاجات هي الأكبر في صربيا الحديثة، فإن الرهان يصبح مزدوجاً: تقديم شخصيات حقيقية نفسياً من جهة، والتقاط اهتزاز المجتمع نفسه من جهة أخرى. هنا تحديداً يقترب «حتى ينتهي اليوم» من تقاليد السينما الأوروبية التي تستخدم الخاص لفهم العام، والعاطفي لفهم السياسي.

ماذا نعرف عن أسلوب يلينا مكسيموفيتش؟

بحسب بيانها الرسمي، استلهمت يلينا مكسيموفيتش بطلتها من لقاء شخصي يعود إلى عام 2021، حين تعرّفت إلى فتاة اسمها لينا أثناء إشرافها على ورشة، فاستعادت عبرها شيئاً من مراهقتها ومن أسئلة الهروب والتمرد والبحث عن الذات. هذه الإشارة مهمة لأنها تكشف أن الفيلم، رغم ارتباطه المباشر بالأحداث العامة، يحمل أيضاً نبرة ذاتية واضحة. المخرجة تربط بين نشأتها في زيمون، إحدى بلديات بلغراد، وبين شعورها المبكر بالاختناق من الأدوار الاجتماعية الصلبة المفروضة عليها.

ومن منظور نقدي، يبدو هذا التداخل بين السيرة الذاتية والحدث العام أحد أكثر عناصر الفيلم وعداً. فمكسيموفيتش لا تتعامل مع الاحتجاجات كديكور، بل كمساحة لاختبار الهوية، والرغبة، والجسد، والانتماء الطبقي. كذلك تشير الصفحة الرسمية إلى أن معظم الممثلين غير محترفين، وهي نقطة قد تمنح الأداء خامة واقعية تناسب طبيعة الحكاية، خاصة في الأفلام التي تعتمد على التقاط التوتر الاجتماعي اليومي أكثر من اعتمادها على الحبكة التقليدية.

طاقم الفيلم وموقعه داخل سباق فينيسيا

يضم الفيلم في بطولته لينا تريفونوفيتش وأندريا كريفوكابيتش وإيرينا هوتومسكي وستيفان تارابيتش وميودراغ ميشا دراغيتشيفيتش. أما السيناريو فكتبته مكسيموفيتش مع إيفان سالاتيتش وأولغا ديميترييفيتش، بينما تولّى التصوير بول شبينغمان، والمونتاج يان كليمشه. وتشارك في الإنتاج شركة Taurunum Film بقيادة المنتجة يلينا أنجيلوفسكي (@taurunum_film على إنستغرام)، مع مجموعة من الشركاء الأوروبيين.

الفيلم سيُعرض ضمن فعاليات فينيسيا في سبتمبر 2026، بينما يوضح برنامج المهرجان أن عروضه العامة تمتد بين 10 و11 سبتمبر 2026 بعد عروض الاعتماد المهني يوم 9 سبتمبر 2026. كما يؤكد الموقع الرسمي أن الدورة الحالية هي الدورة الثالثة والثمانون من المهرجان، والمقامة في ليدو البندقية من 2 إلى 12 سبتمبر 2026.

قراءة أولية: لماذا يستحق الفيلم المتابعة عربياً؟

من زاوية قارئ عربي، وربما مصري تحديداً، لا تبدو أهمية «حتى ينتهي اليوم» محصورة في كونه فيلماً صربياً يزور فينيسيا. الأهم أنه ينتمي إلى ذلك النوع من الأفلام الذي يضع الانقسام الاجتماعي داخل بنية درامية شخصية ومفهومة إنسانياً. فكرة أن يقع شابان في الحب بينما يجرفهما الشارع إلى اتجاهين متعاكسين، هي فكرة قابلة للتلقي في أي مجتمع يعرف الاستقطاب، حتى لو اختلفت السياقات السياسية بالكامل.

كما أن الفيلم، بحسب توصيف المهرجان، يمزج بين الدراما والميلودراما والكوميديا والجريمة وأفلام الطريق، ما يعني أننا أمام عمل لا يراهن على الخطابة المباشرة، بل على تنويع النبرة والأسلوب. وإذا نجحت مكسيموفيتش في الموازنة بين البعد الحميمي والبعد العام، فقد يتحول هذا العمل إلى أحد أبرز الاكتشافات الأوروبية في موسم المهرجانات الحالي.

أبرز ما يميز الفيلم حتى الآن

  • أول فيلم روائي طويل للمخرجة يلينا مكسيموفيتش.
  • مشاركته الرسمية في قسم أوريتزونتي بمهرجان فينيسيا 2026.
  • حبكة تجمع بين الرومانسية والانقسام السياسي داخل بلغراد.
  • استلهامه من الاحتجاجات التي أعقبت كارثة نوفي ساد.
  • اعتماده على مزيج من الممثلين غير المحترفين مع حس واقعي واضح.

الخلاصة

في لحظة سينمائية تزداد فيها قيمة الأفلام القادرة على ملامسة الواقع دون التضحية بالدراما، يصل «حتى ينتهي اليوم» كعمل يبدو مؤهلاً لفتح نقاش يتجاوز حدوده المحلية. هو فيلم عن الحب، نعم، لكنه أيضاً عن المدينة، والطبقة، والتمرد، والصدفة، وعن ذلك الجدار غير المرئي الذي يقف بين الناس حين يتحول الخلاف العام إلى قدر يومي. لهذا يستحق الفيلم المتابعة لا كخبر مهرجاني فقط، بل كعنوان نقدي واعد ضمن خريطة السينما الأوروبية في 2026.