Filmatology

«حرب العصابات على الأسفلت».. إدغار بيرا يختبر السينما والذكاء الاصطناعي

إدغار بيرا يعود إلى لوكارنو بفيلم جديد يخلط السياسة بالسينما

يستعد المخرج البرتغالي إدغار بيرا للظهور مجددًا في واحد من أهم المهرجانات الأوروبية، بعدما تأكد عرض فيلمه الجديد Guerrilha no Asfalto أو Asphalt Guerrilla ضمن قسم Fuori Concorso في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا. ووفق البرنامج المعلن للدورة التاسعة والسبعين، يُعرض الفيلم كـعرض عالمي أول، فيما تستمر فعاليات المهرجان من 5 إلى 15 أغسطس 2026. كما أوردت تغطيات برنامج المهرجان أن لوكارنو هذا العام يضم 233 فيلمًا عبر 11 قسمًا، بينها 103 عروض عالمية أولى من 69 دولة، ما يضع الفيلم البرتغالي وسط مشهد دولي مزدحم بالتجارب الطليعية والسينما المؤلفية.

بالنسبة للقارئ المصري المهتم بأخبار السينما العالمية، فإن وجود فيلم مثل Asphalt Guerrilla في لوكارنو مهم لأنه يأتي من مخرج ارتبط اسمه طويلًا بالسينما التجريبية، وبمحاولات دفع حدود اللغة البصرية إلى مساحات غير مريحة ومفتوحة على الأسئلة. بيرا ليس اسمًا جماهيريًا بالمعنى التجاري، لكنه من صناع الأفلام الذين يحضرون بقوة في دوائر المهرجانات والنقاشات المرتبطة بمستقبل الصورة، وبخاصة حين يتعلق الأمر بالتقاطع بين السينما والتكنولوجيا.

ما الذي نعرفه عن فيلم Asphalt Guerrilla؟

المعلومات المؤكدة عن الفيلم ما زالت محدودة، لكن البيانات المتاحة من شركة الإنتاج البرتغالية Bando à Parte تشير إلى أن العمل هو فيلم روائي برتغالي من إخراج إدغار بيرا، وتقوم فكرته على مزج الخيال بمرجعيات واقعية مباشرة. وتصف الشركة المشروع بأنه فيلم عن اليوتوبيا والعنف، يبدأ من طالب هادئ ينخرط في تنظيم مسلح، قبل أن تتصاعد الأحداث نحو مسار دموي يرتبط بعملية سطو على مصرفين ورد فعل شعبي عنيف. كما توضح المادة التعريفية أن الفيلم يتتبع صراع ما يُسمى بـ«مقاتلي الأسفلت» ضد النظام، مرورًا بمواجهات مع جماعات نازية جديدة ووصولًا إلى مفارقات تجمع بين العبث والمأساة.

هذا الوصف وحده يكشف أن الفيلم لا يتعامل مع العنف بوصفه حدثًا تشويقيًا فقط، بل كمرآة لزمن مضطرب تتداخل فيه الراديكالية مع الإحباط السياسي، وتتشابك فيه الحقيقة مع الأداء والتمثيل. ومن هنا تأتي أهمية المشروع داخل قسم خارج المسابقة في لوكارنو، وهو القسم الذي يعرّفه المهرجان كمساحة حرة لإعادة اختبار لغات السينما وخلط الأنواع والأساليب السردية. وقد ضم هذا القسم في السنوات الأخيرة أعمالًا تتحدى التصنيف التقليدي وتفتح حوارًا واسعًا حول شكل الفيلم نفسه.

إدغار بيرا والرهان على الذكاء الاصطناعي

اسم إدغار بيرا ارتبط مؤخرًا أيضًا بالنقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي في السينما. ففي دورة لوكارنو السابقة عام 2024، قدّم فيلمه Telepathic Letters ضمن قسم Fuori Concorso كذلك، وهو عمل بُني على صور مولدة بالذكاء الاصطناعي واستند إلى عالمَي فرناندو بيسوا وهاورد فيليبس لافكرافت. هذا المسار يؤكد أن المخرج البرتغالي لا يقترب من أدوات الذكاء الاصطناعي من باب الانبهار التقني الساذج، بل باعتبارها مادة فنية قابلة للنقاش والاشتباك.

وفي هذا السياق، يبدو Asphalt Guerrilla امتدادًا طبيعيًا لاهتمام بيرا بحدود الواقع وحدود الصورة معًا. فالمخرج، الذي تشير سيرته المهنية إلى نشاط واسع منذ الثمانينيات، قدّم عبر عقود أعمالًا تراوحت بين الروائي والتجريبي والوثائقي، وسبق أن عُرض له فيلم A Janela (Maryalva Mix) في لوكارنو عام 2001. كما أن قاعدة بيانات IMDb تذكر من بين أبرز أفلامه O Barão وThe Nothingness Club وTelepathic Letters، وهو ما يرسخ صورته كمخرج يفضّل التجريب المستمر على التكرار الآمن.

وعند الحديث عن بيرا، يمكن الإشارة إلى حسابه المتداول على إنستغرام edgar_pera_ بوصفه الحساب الذي ظهر مرارًا في مراجع أكاديمية وبرتغالية تناولت أعماله البصرية، لكن من دون التوسع في أي نسبة غير موثقة رسميًا أكثر من ذلك. لذا يُذكر هنا إدغار بيرا (edgar_pera_ على إنستغرام) في إطار حضوره الفني المرتبط بالصورة المعاصرة.

لوكارنو.. منصة السينما الجريئة خارج حسابات الشباك

اختيار لوكارنو ليس تفصيلًا عابرًا. فالمهرجان السويسري يُعد واحدًا من أكثر المهرجانات انفتاحًا على السينما التجريبية واللغات البصرية الجديدة، إلى جانب مكانته التاريخية بين مهرجانات أوروبا الكبرى. وفي دورة 2026، يتواصل المهرجان من 5 إلى 15 أغسطس، بينما تشير معلومات الجهات المحلية في لوكارنو إلى أن الفعاليات المصاحبة تمتد في المدينة بالتزامن مع المهرجان، بما يعكس حضوره الثقافي والسياحي الواسع. كما أن الحساب الرسمي للمهرجان يُتداول تحت اسم filmfestlocarno، لذلك يمكن ذكر مهرجان لوكارنو السينمائي (filmfestlocarno على إنستغرام) عند الإشارة إلى الحضور الرقمي الرسمي للحدث.

ما يلفت الانتباه أيضًا أن فيلم بيرا يأتي ضمن قائمة أعمال خارج المسابقة تضم أسماء من مدارس سينمائية مختلفة، بينها أفلام من تونس والسنغال والولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما يمنح Asphalt Guerrilla سياقًا حيويًا داخل برنامج يسعى إلى عرض السينما بوصفها ساحة للتجريب والتفكير، لا مجرد صناعة ترفيهية.

لماذا يهم هذا الفيلم جمهور السينما في مصر؟

رغم أن الفيلم ينتمي إلى سياق برتغالي وأوروبي، فإن موضوعاته تبدو عابرة للحدود: التطرف، العنف السياسي، الخوف من التكنولوجيا، ودور السينما في فهم الحاضر. هذه أسئلة تشغل جمهور المهرجانات وقراء السينما في مصر أيضًا، خصوصًا مع تزايد النقاشات حول استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الصور وصناعة المشاهد، وحول ما إذا كانت التكنولوجيا تمنح المخرجين حرية أكبر أم تدفعهم إلى فقدان اللمسة الإنسانية.

ومن هذه الزاوية، قد يجذب الفيلم شريحة من المتابعين المصريين الذين يهتمون بالسينما العالمية خارج التيار السائد، وبالأفلام التي تناقش شكل العالم نفسه لا حبكته فقط. كما أن متابعة حضور الفيلم في لوكارنو قد تحدد مستقبله في جولات المهرجانات التالية، وربما في منصات عرض فنية أو فعاليات سينمائية متخصصة في المنطقة.

بين المرآة والتحذير

العنوان الإنجليزي Asphalt Guerrilla يوحي منذ البداية بصورة مدينة متوترة، وصراع يدور في قلب الشارع لا على هامشه. أما المعطيات المتوفرة حتى الآن فتشير إلى عمل يستخدم الحكاية السياسية من أجل مساءلة الزمن الذي نعيشه: زمن الاستقطاب، وصعود المواقف القصوى، وتحوّل الصورة نفسها إلى أداة صراع وتأويل. وإذا كان بيرا قد استخدم الذكاء الاصطناعي في مشروعه السابق لفتح باب تخييلي بين عوالم أدبية مختلفة، فإن فيلمه الجديد يبدو أقرب إلى اختبار كيف يمكن للسينما أن تواجه قلقها من العالم، ومن أدواتها الجديدة، في الوقت نفسه.

حتى الآن، لم تُكشف تفاصيل موسعة عن طاقم التمثيل أو موعد طرح تجاري دولي، لكن المؤكد أن العرض العالمي الأول في لوكارنو 2026 يضع الفيلم مبكرًا على رادار النقاد ومتابعي السينما الفنية. ومع استمرار المهرجان في تقديم أعمال تتحدى الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال، يبدو أن إدغار بيرا يقدّم هذه المرة فيلمًا يريد أن ينظر إلى حاضرنا مباشرة، حتى لو فعل ذلك عبر مرآة مكسورة.