Filmatology

دارين أرونوفسكي يوسّع رهانه على الذكاء الاصطناعي

دارين أرونوفسكي بين السينما الكلاسيكية وأدوات المستقبل

يتحرك اسم دارين أرونوفسكي مجددًا في قلب النقاش الدائر حول مستقبل صناعة الأفلام، لكن هذه المرة ليس بسبب فيلم روائي جديد فقط، بل نتيجة التوسع المالي لاستوديوه التقني Primordial Soup، الذي يقدّم نفسه كمنصة تجمع بين السرد السينمائي التقليدي وتجارب الذكاء الاصطناعي داخل عملية الإنتاج. التطور الأحدث يتمثل في سعي الشركة إلى جمع 15 مليون دولار عبر طرح أسهم، وهي معلومة ظهرت في تغطية حديثة استندت إلى إفصاح لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC.

وبحسب المعلومات المنشورة، فإن أرونوفسكي ومدير الإنتاج Dylan Golden مدرجان كمسؤولين تنفيذيين في الشركة، كما أُشير إلى أن الاستوديو باع بالفعل ما يزيد قليلًا على 11 مليون دولار من الأسهم، مع بقاء أقل من 4 ملايين دولار ضمن الجولة نفسها. هذا يعني أن المشروع لم يعد مجرد إعلان نظري عن “استوديو أفلام يعتمد على الذكاء الاصطناعي”، بل دخل فعليًا مرحلة بناء تمويل مؤسسي واضح.

ما هو Primordial Soup؟

الموقع الرسمي لـ Primordial Soup يعرّف الشركة بأنها استوديو ذكاء اصطناعي أسسه دارين أرونوفسكي، ويهدف إلى تطوير قصص أصلية وأدوات جديدة لروايتها، مع التركيز على الجمع بين الجرأة البصرية والعمق العاطفي وسير العمل التجريبي. بعبارة أبسط، فالفكرة ليست استبدال المخرج أو الكاتب أو الممثل، بل اختبار كيف يمكن للتقنيات التوليدية أن تدخل في صناعة الصورة السينمائية دون التخلي عن الحس الإنساني الذي ميّز أفلام أرونوفسكي طوال مسيرته.

وهذا الجانب مهم جدًا لقرّاء قسم مراجعات الأفلام، لأن القضية هنا لا تتعلق بالأعمال التجارية وحدها، بل بالسؤال الأهم: كيف ستؤثر هذه الأدوات على لغة الفيلم نفسه؟ فحين يرتبط اسم صاحب Black Swan وThe Whale وRequiem for a Dream بمشروع كهذا، يصبح النقاش فنيًا بقدر ما هو تقني.

من تمويل الاستوديو إلى الشاشة: ماذا قدّم المشروع حتى الآن؟

الاستوديو انطلق خلال 2025 عبر شراكة مع Google DeepMind لإنتاج ثلاثة أفلام قصيرة تستخدم نماذج وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، من بينها Veo. وأكدت Google عند إعلان الشراكة في 20 مايو 2025 أن الهدف هو وضع هذه الأدوات في يد صناع أفلام محترفين لاختبار حدود السرد البصري، بينما تولى أرونوفسكي الإشراف الإبداعي على المشروع ودعم مخرجين صاعدين.

أول ثمرة معلنة من هذا التعاون كانت الفيلم القصير ANCESTRA للمخرجة Eliza McNitt. وذكرت Google DeepMind أن الفيلم عُرض لأول مرة في مهرجان تريبيكا يوم 13 يونيو 2025، وأنه استخدم نموذج إنتاج هجينًا يمزج بين الأداء الحي والتوليد البصري عبر الذكاء الاصطناعي. هذا التفصيل مهم لأن الحديث هنا ليس عن “مشاهد مصنوعة بالكمبيوتر” بالمعنى التقليدي، بل عن محاولة لدمج مواد مصورة حقيقية مع طبقات مولدة آليًا ضمن نسيج واحد.

لماذا يهم ذلك جمهور السينما في مصر؟

في السوق المصرية والعربية عمومًا، ما زال النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الأفلام يدور غالبًا بين الحماسة والخوف: هل يقلل التكاليف؟ هل يهدد الحرف التقليدية؟ هل يفتح أبوابًا جديدة لصناع الأفلام المستقلين؟ تجربة أرونوفسكي تلفت الانتباه لأنها صادرة عن مخرج ذي بصمة مؤلفة بوضوح، وليس عن شركة تقنية تبحث فقط عن استعراض قدراتها. لهذا تبدو الخطوة أقرب إلى معمل سينمائي منها إلى حملة تسويق.

وبالنسبة لصنّاع الأفلام الشباب في مصر، فإن هذا النموذج يطرح احتمالًا مثيرًا: إنتاج مشاهد كانت تحتاج سابقًا إلى ميزانيات ضخمة، عبر أدوات تساعد على توسيع الخيال البصري. لكن في المقابل، يظل التحدي قائمًا في الحفاظ على الهوية الفنية، لأن سهولة توليد الصور لا تعني بالضرورة ولادة فيلم جيد.

أرونوفسكي نفسه: لماذا يملك هذا التحول وزنًا نقديًا؟

أرونوفسكي ليس اسمًا عابرًا في هوليوود. أفلامه ارتبطت منذ بداياته باختبار الحدود النفسية والبصرية للشخصيات، من Pi إلى Black Swan ثم The Whale. لذلك فإن انتقاله إلى مساحة الذكاء الاصطناعي لا يُقرأ كخطوة استثمارية فقط، بل كامتداد طبيعي لاهتمامه الدائم بشكل الصورة وعلاقتها بالهشاشة الإنسانية والتوتر الدرامي.

ومن المفارقات أن آخر أفلامه الروائية الكبرى المتداولة، Caught Stealing، قُدّم بوصفه عملًا أقرب إلى الجريمة السوداء ذات الإيقاع المرح نسبيًا مقارنة بأعماله الأثقل نفسيًا. الموقع الرسمي لشركة Sony Pictures يدرج الفيلم ضمن إنتاجات 2025، ما يوضح أن أرونوفسكي كان حاضرًا سينمائيًا بالتوازي مع بناء مشروعه التقني، وليس بعيدًا عن الشاشة كما قد يتصور البعض.

هل نحن أمام استوديو أفلام أم مختبر لتغيير قواعد اللعبة؟

الجواب الأقرب حتى الآن: الاثنان معًا. فتمويل بقيمة 15 مليون دولار ليس رقمًا هائلًا بمقاييس استوديوهات هوليوود الكبرى، لكنه رقم كافٍ لإظهار الجدية، خصوصًا إذا كان الهدف إنتاج أفلام قصيرة، تطوير أدوات، واختبار سير عمل جديد. ومن زاوية نقدية، فإن القيمة الحقيقية للمشروع لن تُقاس فقط بحجم الأموال التي يجمعها، بل بقدرته على إنتاج أعمال تُقنع المشاهد والنقاد بأنها أفلام أولًا، وعروض تقنية ثانيًا.

وهنا تكمن النقطة الفاصلة بالنسبة لقسم “مراجعات الأفلام”: السينما لا تُحسم داخل ملفات التمويل أو بيانات الشركات، بل على الشاشة. إذا استطاع Primordial Soup أن يقدم أفلامًا تحتفظ بصدق الأداء، وبالنسيج العاطفي، وبالقدرة على الإدهاش دون الوقوع في برودة الصورة المولدة، فحينها سيكون أرونوفسكي قد فتح بابًا جديدًا في الصناعة. أما إذا طغت التقنية على الإحساس، فسيبقى المشروع مجرد تجربة لافتة أكثر من كونه تحولًا حقيقيًا في الفن السابع.

ما الذي يجب متابعته خلال الفترة المقبلة؟

  • استكمال جولة التمويل: هل يغلق الاستوديو كامل مبلغ 15 مليون دولار؟
  • الإعلان عن الفيلمين التاليين: لأن Google DeepMind تحدثت عن ثلاثة أفلام قصيرة، بينما ظهر حتى الآن ANCESTRA كأول مشروع بارز.
  • رد فعل النقاد وصناع الأفلام: خاصة تجاه كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي داخل لغة الفيلم، لا كأداة اختصار فقط.
  • تأثير التجربة على الصناعة الأوسع: سواء في هوليوود أو لدى السينمائيين المستقلين حول العالم، ومنهم المبدعون في المنطقة العربية.

الخلاصة

ما يفعله دارين أرونوفسكي اليوم لا يمكن اختزاله في خبر مالي عن جمع الأموال. المسألة أعمق من ذلك: مخرج صاحب تاريخ بصري ونفسي ثقيل يراهن على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة سينمائية حقيقية إذا وُضع في الأيدي المناسبة. وبينما لا يزال الحكم النهائي مؤجلًا إلى الأعمال المقبلة، فإن Primordial Soup بات مشروعًا يستحق المتابعة عن قرب، لأنه يمس مباشرة سؤالًا يشغل كل من يحب السينما: كيف ستبدو أفلام الغد؟