Filmatology

ديفيد تومسون يراجع تاريخ السينما ويربطه بعصر ترامب

كتاب جديد يعيد فتح ملف علاقة السينما بالواقع

عاد الناقد والمؤرخ السينمائي البريطاني ديفيد تومسون إلى الواجهة مع صدور كتابه الجديد A Sudden Flicker of Light: A Revisionist History of Movies في 7 يوليو 2026 عن دار Simon & Schuster. الكتاب يقع في 368 صفحة ويُطرح بسعر قائمة يبلغ 30 دولارًا للنسخة الصلبة، وفق بيانات الناشر. ورغم أن تومسون معروف منذ عقود كأحد أبرز الكتّاب المتخصصين في تاريخ الفيلم، فإن مشروعه الجديد لا يقدّم مجرد مسح تقليدي لتاريخ السينما، بل يذهب إلى قراءة أكثر حدة وتأملًا في أثر الشاشة على الوعي العام والثقافة الجماهيرية.

أهمية هذا الإصدار لا تأتي فقط من اسم صاحبه، بل من زاويته الجدلية أيضًا. تومسون يتعامل مع السينما بوصفها قوة صنعت الخيال الحديث، لكنها في الوقت نفسه أسهمت، من وجهة نظره، في ترسيخ أنماط من التلقي السلبي والانجذاب إلى الوهم، وهي فكرة تمنح الكتاب طابعًا نقديًا يتجاوز مراجعة الأفلام إلى مساءلة علاقتنا اليومية بالصورة.

من الأبطال المضادين إلى المناخ السياسي

الزاوية الأكثر إثارة في النقاش الدائر حول الكتاب هي ربط تومسون بين صعود الأبطال المضادين على الشاشة وبين التحولات الثقافية والسياسية في الولايات المتحدة، وصولًا إلى عصر دونالد ترامب. الفكرة هنا ليست أن السينما صنعت السياسة بشكل مباشر، بل أنها أسهمت عبر عقود في تطبيع الإعجاب بالشخصيات الملتبسة، المتمردة، والمشحونة بالنرجسية والقوة الفردية، حتى عندما تكون أخلاقيًا محل شك.

بالنسبة لقارئ يتابع أخبار شباك التذاكر في مصر، تبدو هذه المقاربة مهمة لأنها تمس سؤالًا حاضرًا بقوة في السوق السينمائي: لماذا تهيمن الشخصيات الرمادية على الخيال الجماهيري؟ ولماذا باتت الأفلام التي تقدم بطلًا هشًا أو مضطربًا أو خارجًا على القواعد أكثر قدرة على إثارة النقاش؟ تومسون يرى أن الشاشة لم تعد فقط مرآة للمجتمع، بل صارت أيضًا مدرسة حساسية عامة، تشكل ما نقبله ونرفضه، وما نعدّه بطولة أو كاريزما.

هذه الرؤية تكتسب وزنًا إضافيًا إذا تذكرنا أن تومسون ليس ناقدًا طارئًا على هذا الحقل. موقع Simon & Schuster يعرّفه باعتباره مؤلفًا لأكثر من 20 كتابًا، من بينها أعمال مرجعية عن David O. Selznick وOrson Welles، إلى جانب كتابه الأشهر The New Biographical Dictionary of Film. كما سبق أن اعتبرت مجلة Sight and Sound هذا القاموس، في استطلاع عام 2010، أعظم كتاب عن السينما، وهو ما رسّخ مكانته كأحد أهم الأسماء في الكتابة السينمائية الحديثة.

لماذا لن يحدّث قاموسه السينمائي الشهير؟

من بين أكثر النقاط التي لفتت الانتباه في تصريحات تومسون الأخيرة إعلانه أنه لا يعتزم تحديث The New Biographical Dictionary of Film مجددًا. آخر طبعة معروفة على نطاق واسع من الكتاب صدرت في 2014، بينما تعود النسخة الأولى من المشروع إلى 1975 حين حمل عنوان A Biographical Dictionary of Cinema. على مدار عقود، صار هذا العمل مرجعًا أساسيًا لعشاق السينما والباحثين والنقاد، لأنه لم يكن مجرد دليل معلوماتي، بل كتابًا يجمع بين السيرة والحكم النقدي والانطباع الشخصي.

قرار عدم التحديث يحمل دلالة أوسع من مجرد التوقف عن إضافة أسماء جديدة. فالمشهد السينمائي نفسه تغيّر بصورة جذرية: صعود المنصات، وتحوّل النجومية، وتفتت سلطة النقد التقليدي، وتسارع إنتاج الصور إلى حد يجعل فكرة “القاموس النهائي” أو المرجع الثابت أقل قابلية للحياة مما كانت عليه في العقود السابقة. من هذه الزاوية، يبدو تومسون وكأنه يقر بأن زمن الكتب المرجعية الكبرى التي تلاحق كل جديد قد دخل مرحلة مختلفة.

ولمحبي السينما في مصر، تبدو هذه النقطة مألوفة أيضًا. فالمتابعة اليومية للأفلام لم تعد محصورة في دور العرض أو في صفحات النقد المطبوعة، بل انتقلت إلى فضاء مفتوح وسريع الإيقاع، حيث تتجاور أفلام المهرجانات مع إنتاجات المنصات ومع أفلام الأبطال الخارقين في سباق واحد على الانتباه. لهذا يصبح موقف تومسون أقرب إلى إعلان نهاية حقبة أكثر منه مجرد قرار مهني.

مشروعه المقبل: ميكي ماوس بوصفه رمزًا ثقافيًا

المفاجأة الأخرى في مسار الكاتب المخضرم هي أن موضوع كتابه التالي سيكون ميكي ماوس. اختيار هذه الشخصية ليس تفصيلًا عابرًا؛ فميكي ماوس ليس مجرد رسم كرتوني شهير، بل أحد أكثر الرموز ارتباطًا بتاريخ الترفيه الأمريكي وصناعة الصورة العالمية. ومن الصعب فصل هذا الاختيار عن الجدل المتواصل حول الملكية الفكرية، وتحولات شركة Disney، وإعادة قراءة الشخصيات الكلاسيكية في زمن الثقافة الرقمية.

بالنسبة لقسم شباك التذاكر، تبدو هذه النقطة بالغة الأهمية لأن الشخصيات الأيقونية لم تعد تعيش فقط في الرسوم المتحركة، بل تحولت إلى علامات تجارية ضخمة تدر إيرادات عبر السينما والبث والمنتجات المرخصة والمتنزهات والألعاب. ومن هنا، فإن تناول تومسون لميكي ماوس قد يفتح بابًا أوسع لفهم كيف تتحول الشخصية الشعبية إلى أصل اقتصادي وثقافي طويل العمر.

كما أن اختيار ميكي ماوس يأتي في لحظة عالمية تشهد إعادة فحص واسعة لإرث هوليوود الكلاسيكي، ليس فقط من منظور الحنين، بل من زاوية النفوذ الثقافي والتجاري. وهذا ينسجم مع خط تومسون العام في الكتابة: العودة إلى الأرشيف لا بوصفه ماضيًا ساكنًا، بل باعتباره مادة حية تفسر ما نراه اليوم على الشاشة الكبيرة والصغيرة.

لماذا يهم هذا الخبر جمهور السينما في مصر؟

قد يبدو الحديث عن ناقد بريطاني يعيش في الولايات المتحدة بعيدًا نسبيًا عن السوق المصرية، لكن الحقيقة أن أفكار تومسون تمس جوهر النقاش السينمائي الراهن هنا أيضًا. فالجمهور المصري، مثل غيره، يعيش زمنًا تتنافس فيه الأفلام التجارية الضخمة مع المحتوى الرقمي السريع، وتتبدل فيه معايير النجومية والتأثير. وعندما يتحدث كاتب بحجم تومسون عن أثر الأفلام في تشكيل الخيال السياسي والاجتماعي، فهو يقدّم مفتاحًا مهمًا لفهم لماذا لا تُقاس قوة السينما اليوم بالإيرادات وحدها.

في مصر، يظل شباك التذاكر مساحة لقياس شعبية النجوم والأفلام، لكنه أيضًا مؤشر على المزاج العام: ما نوع الحكايات التي يبحث عنها المشاهد؟ هل ينجذب إلى البطل التقليدي أم إلى الشخصية المأزومة؟ هل يريد الترفيه الخالص أم العمل الذي يختبر الحدود الأخلاقية والنفسية؟ هذه الأسئلة نفسها حاضرة بقوة في أطروحة تومسون الجديدة.

  • اسم الكتاب: A Sudden Flicker of Light: A Revisionist History of Movies
  • المؤلف: David Thomson
  • تاريخ النشر: 7 يوليو 2026
  • الناشر: Simon & Schuster
  • عدد الصفحات: 368 صفحة
  • سعر القائمة: 30 دولارًا
  • المشروع التالي: كتاب عن Mickey Mouse

في النهاية، لا يقدّم ديفيد تومسون خبرًا عابرًا عن كتاب جديد، بل يعيد طرح سؤال قديم بصياغة أكثر استفزازًا: هل كانت السينما مجرد فن للتسلية، أم أنها ساعدت بالفعل في تشكيل عالمنا السياسي والنفسي؟ وبين كتاب جديد يراجع تاريخ الأفلام، وقرار بإغلاق باب التحديث أمام قاموسه الشهير، ومشروع مقبل عن ميكي ماوس، يبدو أن تومسون ما زال، حتى بعد عقود من الكتابة، قادرًا على إشعال نقاش حقيقي حول ما تفعله الشاشة بنا، وليس فقط ما نراه عليها.