ذكرى رحيل حسين رياض.. كيف صار «أبو السينما المصرية»؟
ذكرى لا تغيب عن ذاكرة السينما المصرية
تحل في 17 يوليو ذكرى رحيل الفنان الكبير حسين رياض، أحد أهم الأسماء التي صنعت ملامح الأداء التمثيلي في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين وحتى منتصف الستينيات. وبالرغم من مرور عقود على غيابه، فإن حضوره لا يزال واضحًا في وجدان الجمهور المصري عبر عشرات الأدوار التي رسخت صورته كأب، وقاضٍ، ومثقف، ورجل دولة، ووجه إنساني قادر على التعبير عن الوقار والحنان والهيبة في آن واحد.
وتؤكد البيانات المنشورة على قاعدة elCinema أن حسين رياض، واسمه الأصلي حسين محمد شفيق، وُلد عام 1897 ورحل عام 1965، وأنه بدأ رحلته المسرحية مبكرًا قبل أن يصبح واحدًا من أعمدة السينما المصرية، مع مسيرة طويلة امتدت بين المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون. كما تشير السيرة المنشورة إلى أنه غيّر اسمه الفني إلى حسين رياض في بداياته، وقدم أولى خطواته على المسرح عام 1916 في مسرحية «خلي بالك من إميلي».
لماذا استحق لقب «أبو السينما المصرية»؟
لقب «أبو السينما المصرية» لم يأت من فراغ، بل ارتبط بمكانة حسين رياض داخل الصناعة نفسها. فالرجل لم يكن مجرد ممثل ناجح، بل نموذجًا مبكرًا للممثل القادر على منح الأدوار الثانوية والرئيسية القيمة نفسها، وهو ما جعله مرجعًا فنيًا لجيل كامل من النجوم. لعب أدوار الأب في سن صغيرة نسبيًا، وبرع فيها إلى حد أن هذا الخط أصبح جزءًا أساسيًا من صورته الفنية، قبل أن يتحول إلى أحد أكثر الوجوه مصداقية على الشاشة المصرية.
كما أن ضخامة إنتاجه لعبت دورًا أساسيًا في ترسيخ هذا اللقب. ووفق المعلومات المنشورة في هوامش صفحته على elCinema نقلًا عن ابنته فاطمة، فقد قدم 320 فيلمًا سينمائيًا و240 عملًا مسرحيًا و150 عملًا إذاعيًا و50 عملًا تلفزيونيًا. هذه الأرقام تفسر كيف أصبح واحدًا من أكثر الفنانين حضورًا وتأثيرًا في تاريخ الفن المصري، وكيف ارتبطت صورته ببدايات التكوين الحقيقي للدراما المصرية الحديثة.
من المسرح إلى الشاشة الكبيرة
مشوار حسين رياض بدأ من الخشبة، وهي نقطة مهمة لفهم قيمته الفنية. فقد نشأ قريبًا من عالم المسرح، وانضم في بداياته إلى فرق مسرحية مع أسماء كبيرة، من بينها يوسف وهبي وأحمد علام وعباس فارس وحسن فايق، بحسب ما تذكره سيرته الفنية المنشورة. هذه النشأة المسرحية انعكست لاحقًا على أدائه السينمائي؛ إذ امتلك انضباطًا واضحًا في الإلقاء، وقدرة لافتة على التحكم في نبرة الصوت وتفاصيل التعبير، وهي عناصر جعلته مميزًا في زمن كانت فيه المدرسة المسرحية هي البوابة الرئيسية إلى النجومية.
ومع انتقاله إلى السينما، لم يكن حضوره عابرًا. ففيلموجرافيا الفنان الكبير تكشف امتدادًا واسعًا عبر عشرات السنوات، من أفلام مبكرة مثل «سلامة في خير» عام 1937 و«لاشين» عام 1938، وصولًا إلى أعمال بارزة في الخمسينيات والستينيات مثل «بابا أمين» عام 1950 و«بائعة الخبز» عام 1953 و«بين الأطلال» عام 1959 و«في بيتنا رجل» عام 1961. هذا التنوع الزمني والفني يوضح أنه لم يكن نجم مرحلة واحدة، بل فنانًا رافق تطور السينما المصرية نفسها.
أدوار الأب والحكمة.. سر القرب من الجمهور
إذا كان كثير من نجوم الزمن الجميل ارتبطوا بنمط واحد من البطولة، فإن حسين رياض نجح في تحويل هذا النمط إلى قيمة فنية. حضوره كأب على الشاشة لم يكن تقليديًا أو مكررًا، بل كان يحمل طيفًا واسعًا من المشاعر: الصرامة حينًا، والاحتواء حينًا آخر، والعدل أو الضعف الإنساني في أحيان كثيرة. لذلك بقيت شخصياته حاضرة في الذاكرة حتى لدى الأجيال التي لم تعاصر زمن عرض أفلامه الأول.
وفي أفلام مثل «في بيتنا رجل» جسّد نموذج الأب الذي يملك ثقلًا دراميًا حقيقيًا داخل العمل، بينما أظهر في أعمال أخرى صورة الرجل الوقور أو المسؤول الذي يمنح الأحداث بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا. هذه القدرة على منح الشخصية عمقًا، حتى لو لم تكن محور البطولة المطلقة، هي أحد الأسباب التي رفعت مكانته إلى ما هو أبعد من مجرد ممثل مساعد.
محطات بارزة في رصيده الفني
قراءة سريعة في أعماله تكشف حجم التنوع الذي ميّز مسيرته. فقد شارك في أفلام اجتماعية ورومانسية وتاريخية وكوميدية، ما يعني أنه لم يُحاصر في قالب واحد رغم شهرة أدوار الأب. ومن بين الأعمال التي تظهر في فيلموجرافياه: «سلوا قلبي»، «حب في الظلام»، «شريك حياتي»، «أرضنا الخضراء»، «الغريب»، «المراهقات»، «السبع بنات» و«حياتي هي الثمن».
- في المسرح: كان من أبناء التكوين الكلاسيكي الصارم الذي أسس لفكرة الممثل الشامل.
- في السينما: حضر عبر مئات الأدوار التي ربطت اسمه بتاريخ الصناعة نفسها.
- في الإذاعة والتلفزيون: وسّع دائرة تأثيره خارج شاشة السينما، بما جعله اسمًا معروفًا في البيوت المصرية والعربية.
رحيله في 1965 ونهاية مشوار استثنائي
رحل حسين رياض في 17 يوليو 1965 إثر أزمة قلبية، وذلك أثناء تصوير فيلم «ليلة الزفاف» مع سعاد حسني وأحمد مظهر، بحسب المعلومات المنشورة في هوامش صفحته الفنية. وتشير البيانات نفسها إلى أنه لم يستكمل مشاهده في الفيلم، بينما كان «أغلى من حياتي» آخر عمل أنهى تصويره كاملًا في العام نفسه.
هذه النهاية المفاجئة تلخص أيضًا مدى ارتباطه بالعمل حتى اللحظات الأخيرة من حياته. لم يكن نجمًا اعتزل باكرًا أو اكتفى بمجد سابق، بل بقي حاضرًا وفاعلًا حتى رحيله، وهو ما يفسر استمرار تأثيره في ذاكرة السينما المصرية إلى اليوم.
كيف تتذكره السينما المصرية اليوم؟
عندما يُذكر حسين رياض في مصر، لا يُستعاد فقط كفنان من زمن الأبيض والأسود، بل كأحد الوجوه المؤسسة للثقة بين المشاهد والشاشة. فالأجيال الجديدة قد تعرفه من إعادة عرض الأفلام الكلاسيكية على القنوات المصرية والمنصات، لكن قيمته الحقيقية تكمن في أنه ساهم في تثبيت معايير الأداء التمثيلي الطبيعي في زمن التأسيس.
ولهذا يبدو لقب «أبو السينما المصرية» أقرب إلى توصيف لمكانته التاريخية منه إلى مجرد تعبير احتفائي. فهو فنان جمع بين الغزارة، والانضباط، والقدرة على الإقناع، والانتشار عبر وسائط متعددة، وترك وراءه إرثًا يصعب تجاوزه عند الحديث عن أعمدة الفن المصري في القرن العشرين.
وفي ذكرى رحيله، يبقى حسين رياض اسمًا حاضرًا في قلب تاريخ السينما المصرية، ليس فقط لأنه شارك في مئات الأعمال، بل لأنه منح الشاشة المصرية واحدًا من أكثر وجوهها صدقًا ووقارًا وإنسانية.