Filmatology

«ري/بير» في تورونتو: وثائقي يعيد قراءة العلاقة السوداء-اليهودية

فيلم وثائقي جديد يختبر قوة الحوار في زمن الاستقطاب

يصل الفيلم الوثائقي الأمريكي Re/Pair إلى واجهة النقاش السينمائي هذا الشهر بعد تقديمه ضمن مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2026، في عمل تخرجه لايسي شوارتز ديلجادو ويعتمد على صيغة حوارية مباشرة بين شخصيات سوداء ويهودية في الولايات المتحدة. وبحسب المادة التعريفية الرسمية للفيلم، يقوم المشروع على 19 ثنائياً من المفكرين والفاعلين من المجتمعين، بعضهم يرتبط بتاريخ من التعاون، بينما يلتقي آخرون للمرة الأولى، من أجل مناقشة العائلة والذاكرة والانتماء ونقاط التوتر والاختلاف.

هذا الطرح يمنح الفيلم مكانة خاصة داخل موسم الأفلام الوثائقية في أمريكا الشمالية، خصوصاً أنه لا يقدّم سجالاً تلفزيونياً سريعاً، بل يراهن على الإصغاء المطوّل بوصفه أداة درامية وفكرية في آن واحد. الصفحة الرسمية للعمل لدى شركة الإنتاج RadicalMedia تؤكد أن الفيلم عُرض لأول مرة في Toronto Film Festival 2026، مع تركيز واضح على فكرة بناء مساحة للنقاش وسط عالم متزايد الانقسام.

من تقود الفيلم؟ سيرة مخرجة اشتبكت طويلاً مع أسئلة الهوية

اسم لايسي شوارتز ديلجادو ليس جديداً على الأعمال التي تتناول الهوية والتاريخ الشخصي والجماعي. المخرجة الأمريكية، المعروفة أيضاً عبر موقعها المهني الرسمي، بنت جزءاً مهماً من مسيرتها على قصص تتقاطع فيها العائلة مع العرق والانتماء، وهو ما يفسر لماذا يبدو Re/Pair امتداداً طبيعياً لاهتماماتها الفنية. موقعها الرسمي يعرّفها كصانعة قصص تعمل عند تقاطع السرد والبحث والأسئلة الاجتماعية، وهي زاوية حاضرة بوضوح في هذا الفيلم الجديد.

ومن منظور يهم القارئ العربي في مصر، فإن قيمة الفيلم لا تتوقف عند خصوصية الحالة الأمريكية، بل تتسع إلى سؤال أوسع: كيف تستطيع السينما الوثائقية تناول العلاقات المتوترة بين جماعات ذات تاريخ معقد من التضامن والتباعد؟ هذه نقطة تجعل الفيلم قابلاً للقراءة خارج حدوده المحلية، خصوصاً في فضاء نقدي عربي يتابع اليوم بإمعان دور الصورة في تفكيك السرديات السياسية والاجتماعية.

ديفيد شويمر ووجوه معروفة تمنح الفيلم زخماً جماهيرياً

من بين أبرز الأسماء المرتبطة بالفيلم يظهر ديفيد شويمر، المعروف عالمياً بأدواره التلفزيونية والسينمائية، إلى جانب W. Kamau Bell وVan Jones. قاعدة بيانات IMDb تدرج هؤلاء ضمن الوجوه الأساسية في الفيلم، كما تشير إلى أن مدة العمل تبلغ ساعة و41 دقيقة، وأنه فيلم وثائقي أمريكي باللغة الإنجليزية. وجود شويمر يمنح المشروع دفعة جماهيرية واضحة، لكنه لا يبدو هنا في موقع “النجم” بالمعنى التقليدي، بل كأحد المشاركين في سلسلة حوارات أوسع من أي اسم منفرد.

وبالنسبة لحسابات إنستغرام، لم يتسنَّ التحقق بشكل موثوق من حساب رسمي مؤكد يمكن نسبته مباشرة إلى ديفيد شويمر أو لايسي شوارتز ديلجادو أو فان جونز عبر مصادر رسمية مفتوحة يمكن الاستناد إليها بثقة كاملة، لذلك يَرِد ذكرهم هنا من دون مقابض حسابات، التزاماً بالدقة وتجنباً لأي تخمين.

ما الذي يميّز «Re/Pair» عن أفلام الهوية التقليدية؟

أغلب الأفلام الوثائقية التي تتناول الانقسام المجتمعي تقع في أحد فخين: إما الخطابة، أو الاكتفاء بجمع شهادات متجاورة من دون بناء حقيقي. الجديد في Re/Pair، وفقاً للملخص الرسمي، أنه ينطلق من صيغة الأزواج الحوارية، أي أن كل مواجهة أو جلسة تحمل بعداً إنسانياً مباشراً، لا مجرد عرض مواقف منفصلة. هذه البنية تخلق نوعاً من التوتر الهادئ؛ فالمشاهد لا يلاحق “من انتصر في النقاش”، بل يراقب كيف يتغير مستوى الفهم المتبادل عندما تُمنح الأطراف وقتاً كافياً للكلام والإنصات.

كما أن توقيت الفيلم مهم للغاية. ففي السنوات الأخيرة، عادت الأسئلة المرتبطة بالتحالفات التاريخية بين الأقليات، وبالتحديد بين السود واليهود في الولايات المتحدة، إلى الواجهة بقوة. ومن ثمّ، فإن تقديم هذا الموضوع داخل مهرجان بحجم TIFF يمنح الفيلم ثقلاً ثقافياً يتجاوز دائرة العرض الفني المحدود.

عرضه في تورونتو 2026 يضعه داخل سباق الوثائقيات البارزة

الدورة 51 من مهرجان تورونتو السينمائي الدولي تُقام بين 10 و20 سبتمبر 2026، بحسب تغطيات صحفية حديثة ومراجع برمجية للمهرجان. كما تظهر صفحة بيع التذاكر الخاصة بالفيلم أن أحد عروض Re/Pair أُقيم يوم 16 سبتمبر 2026 في Scotiabank Theatre في تورونتو. هذا يعني أن الفيلم دخل البرمجة الرسمية في لحظة مزدحمة بالأعمال الدولية والوثائقية التي تبحث عن توزيع ونقاش نقدي ومكان داخل موسم الجوائز.

ومن المهم الإشارة إلى أن مهرجان تورونتو يظل منصة مؤثرة في صناعة السينما العالمية، ليس فقط بسبب بريق العروض الأولى، بل لأنه يشكل سوقاً فعلياً للحقوق والعقود والانتشار. لذلك، فإن مرور Re/Pair عبر هذه البوابة يعزز فرصه في الوصول إلى جمهور أوسع لاحقاً، سواء عبر المنصات أو جولات المهرجانات أو العروض التعليمية والثقافية.

لماذا يهم هذا الفيلم المتابع العربي في مصر؟

رغم أن موضوع الفيلم أمريكي بامتياز، فإن متابعته من القاهرة أو الإسكندرية أو بقية العواصم العربية لا تبدو ترفاً ثقافياً. السينما الوثائقية المعاصرة باتت أكثر اهتماماً بفكرة إدارة الاختلاف، وهي مسألة تتردد أصداؤها في المنطقة كلها. ومن هذا المنطلق، يفتح Re/Pair باباً للتأمل في كيفية استخدام الفن كوسيط للحوار، بدلاً من الاكتفاء بتوثيق الانقسام.

وفي سياق قسم السينما العربية بوصفه مساحة تتابع ما يجري في محيط مصر القاري والإقليمي والدولي من زاوية ثقافية، تبدو أهمية الفيلم في أنه يقدم نموذجاً لكيف يمكن للأفلام الوثائقية العابرة للسياسة المباشرة أن تمس قضايا الهوية والعدالة والذاكرة من دون الوقوع في التبسيط.

بين المهرجان والنقاش العام: مستقبل الفيلم بعد العرض الأول

حتى الآن، المؤكد أن Re/Pair خرج إلى العلن من بوابة مهرجان تورونتو، وأنه يحمل تركيبة أسماء معروفة وموضوعاً حساساً وصيغة تنفيذ تقوم على المصارحة. لكن القيمة الحقيقية للفيلم ستتحدد لاحقاً بقدرته على العبور من دائرة التغطية المهرجانية إلى نقاش عام أوسع، خصوصاً في الجامعات والمنصات الثقافية والدوائر المهتمة بأفلام العدالة الاجتماعية.

إذا نجح العمل في ذلك، فقد يصبح واحداً من الوثائقيات التي لا تُستهلك فقط داخل موسم المهرجانات، بل تستمر كمرجع بصري في نقاشات الهوية والتحالف والتاريخ المشترك. وحتى قبل اتساع مساره التوزيعي، يبدو واضحاً أن الفيلم يقدّم مثالاً على وثائقي يفضّل الأسئلة المركّبة على الإجابات السهلة، ويمنح الحوار نفسه دور البطولة.

  • اسم الفيلم: Re/Pair
  • النوع: فيلم وثائقي
  • المخرجة: لايسي شوارتز ديلجادو
  • العرض الأول المؤكد: مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2026
  • البنية الأساسية: 19 ثنائياً من الشخصيات السوداء واليهودية
  • أبرز المشاركين: ديفيد شويمر، W. Kamau Bell، Van Jones
  • المدة: 1 ساعة و41 دقيقة

في المحصلة، لا يَعِد Re/Pair بمشاهدة سهلة أو مريحة، لكنه يبدو من الأعمال التي تستحق المتابعة لكل من يهتم بسينما الوثائقيات وبالأسئلة التي تطرحها المجتمعات على نفسها عندما يصبح الماضي عبئاً والحاضر اختباراً مفتوحاً.