سان سباستيان يوسع حواراته السينمائية بحضور إيرا ساكس ودييجو لونا
مهرجان سان سباستيان يراهن على الحوار كجزء من صناعة السينما
كشف مهرجان سان سباستيان السينمائي الدولي عن برنامج «المحادثات» في دورته الرابعة والسبعين، المقررة بين 18 و26 سبتمبر 2026 في مدينة دونوستيا/سان سباستيان الإسبانية. ويضم البرنامج هذا العام مجموعة من الأسماء التي تمثل تيارات مختلفة داخل السينما المعاصرة، من بينها المخرج الأميركي إيرا ساكس، والممثل والمخرج المكسيكي دييجو لونا، إلى جانب جوردان فيرستمان، وبيث دي أراوجو، وبنجامين نايشتات، ونايمي آدا.
أهمية هذا الإعلان لا تتوقف عند الأسماء اللامعة فقط، بل تمتد إلى طبيعة الموضوعات المطروحة. فالمهرجان، المصنف ضمن فئة «A» الدولية، بات يتعامل مع النقاشات العامة بوصفها امتدادًا للعرض السينمائي نفسه، لا مجرد نشاط جانبي. وفي دورة 2026، يركز البرنامج على العملية الإبداعية، والسرديات الجديدة، والعلاقة بين السينما والجمهور، وأسئلة التوزيع والخوارزميات، فضلًا عن تمثيل الجسد والهوية داخل الخطاب البصري المعاصر.
دييجو لونا في صدارة الحضور اللاتيني
يبدو اسم دييجو لونا الأكثر جذبًا للانتباه عربيًا ولاتينيًا داخل البرنامج، بحكم حضوره المتواصل في السينما المكسيكية والعالمية. ويشارك لونا في حديث يطرح السينما بوصفها وسيلة للتدخل في الواقع، مستندًا إلى تجربته كممثل ومخرج ومنتج، وإلى علاقته بمبادرة Ambulante التي أسسها عام 2005 مع غايل غارسيا برنال وإيلينا فورتيس لدعم الفيلم الوثائقي كأداة تأثير اجتماعي وثقافي.
هذا المسار يمنح مشاركة لونا بعدًا يتجاوز الترويج الشخصي أو الاحتفاء بالنجومية. بالنسبة للقارئ في مصر، قد يكون هذا النوع من الحوارات مهمًا لأنه يفتح النقاش حول دور السينما في المجال العام، وكيف يمكن للفيلم أن يتحول من منتج ثقافي إلى مساحة للنقاش المجتمعي. كما أن حضور لونا يرتبط أيضًا بمشاركة أعمال من أميركا اللاتينية داخل أقسام المهرجان، ما يعزز موقعه كأحد أبرز وجوه السينما الناطقة بالإسبانية اليوم.
إيرا ساكس بين رئاسة لجنة التحكيم والحديث عن التجربة الشخصية
من جهته، يصل إيرا ساكس إلى سان سباستيان هذا العام وهو في موقع مركزي داخل المهرجان، إذ يتولى رئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية. كذلك يقدم أحدث أفلامه The Man I Love ضمن قسم Perlak بعد عرضه في المسابقة الرسمية بمهرجان كان 2026. ويمنح ذلك لمشاركته في «المحادثات» وزنًا إضافيًا، خصوصًا أن أعماله ارتبطت على مدى أكثر من ثلاثة عقود بنظرة دقيقة إلى العلاقات الإنسانية والرغبة والحميمية، بعيدًا عن الميلودراما السهلة.
ساكس، المولود في ممفيس عام 1965، معروف بأفلام مثل The Delta وForty Shades of Blue وKeep the Lights On وLittle Men وPassages. وفي سان سباستيان سيخوض حوارًا يقترب من مسيرته ورؤيته للسينما، وهو ما ينسجم مع رغبة المهرجان في تحويل خبرات صناع الأفلام إلى مادة معرفية قابلة للتداول بين الجمهور والطلاب والعاملين في الصناعة.
جوردان فيرستمان: انتقال من القصير إلى الطويل
ضمن الأسماء التي يسلط عليها البرنامج الضوء أيضًا جوردان فيرستمان، الكاتب والمنتج والممثل الأميركي الذي يشارك هذا العام بفيلمه الروائي الطويل الأول Club Kid. الفيلم عُرض سابقًا في قسم Un Certain Regard بمهرجان كان، ثم انتقل إلى قسم Perlak في سان سباستيان، حيث ينافس على جائزة الجمهور لمدينة دونوستيا/سان سباستيان.
وتأتي أهمية جلسة فيرستمان من كونها تركز على تحديات صناعة أول فيلم روائي طويل بعد سنوات من العمل في الأفلام القصيرة والكتابة التلفزيونية، ومنها مشاركته ككاتب في مسلسل Search Party. ووفق بيانات المهرجان، يناقش فيرستمان القرارات الفنية التي اتخذها لتشكيل عالم فيلمه، الذي يؤدي بطولته بنفسه إلى جانب كارا ديليفين ودييجو كالفا.
بيث دي أراوجو وبنجامين نايشتات: حضور من أميركتين مختلفتين
البرنامج يضم كذلك المخرجة الأميركية بيث دي أراوجو بفيلمها Josephine. وبعد عرضه الأول في مهرجان صاندانس 2026 ضمن مسابقة الدراما الأميركية، حيث حصد جائزة الجمهور والجائزة الكبرى للجنة التحكيم، يصل الفيلم إلى سان سباستيان ضمن قسم Perlak. وستتحدث دي أراوجو بعد العرض عن بناء الفيلم ومساره من الفكرة إلى التنفيذ، وهي زاوية عملية تهم كل من يتابع تطور السينما المستقلة في الولايات المتحدة.
أما المخرج الأرجنتيني بنجامين نايشتات فيحضر بصفة مزدوجة هذا العام؛ إذ ينافس على القشرة الذهبية بفيلم Glaxo، كما يشارك مع ماريا ألشيه في فيلم Pedro en el país ضمن سباق جائزة Zabaltegi-Tabakalera. نايشتات ليس اسمًا جديدًا على المهرجان، فقد سبق أن فاز بالقشرة الفضية عن فيلم Rojo عام 2018، ما يجعل جلسته واحدة من أكثر اللقاءات ترقبًا لعشاق سينما أميركا الجنوبية.
لماذا يهم هذا البرنامج القارئ المصري؟
رغم أن الحدث إسباني، فإن زاويته تمس جمهور المنطقة العربية، خصوصًا المهتمين بحركة المهرجانات الدولية ومسارات السينما اللاتينية والأيبيرية. فمهرجان سان سباستيان يظل بوابة أساسية لوصول أفلام أميركا اللاتينية إلى أوروبا، كما يمنح مساحة مميزة للأفلام الناطقة بالإسبانية والبرتغالية، وهو ما يجعله قريبًا من اهتمامات متابعي السينما العربية في معناها العابر للحدود، أي كجزء من خريطة الجنوب العالمي وتقاطعاته الثقافية.
ومن منظور مصري، تبدو هذه «المحادثات» نموذجًا مهمًا لكيفية تطوير المهرجان إلى منصة معرفة، لا مجرد مكان للعرض والجوائز. فحين يناقش البرنامج قضايا مثل الجمهور والخوارزميات والتوزيع أو تمثيل الهوية والجسد، فهو يلامس أسئلة تعيشها أيضًا الأسواق العربية: كيف تصل الأفلام إلى المشاهد؟ كيف تتغير الذائقة؟ وما موقع السينما الفنية في عصر المنصات؟
موضوعات تتجاوز السجادة الحمراء
بحسب البرنامج المعلن، لا تقتصر «المحادثات» على جلسات فردية مع المخرجين، بل تشمل أيضًا لقاءات أوسع عن العلاقات العائلية في السرد التلفزيوني، والكتابة من السيرة الذاتية، والمقاربات المناهضة للعنصرية في المجال السمعي البصري، إضافة إلى أثر التكنولوجيا على التوزيع وتكوين الجمهور. هذه المقاربة تجعل الدورة الجديدة من سان سباستيان أقرب إلى مختبر أفكار مفتوح يوازي العروض الرسمية.
- موعد المهرجان: من 18 إلى 26 سبتمبر 2026.
- الدورة: الرابعة والسبعون.
- أبرز المشاركين في الحوارات: إيرا ساكس، دييجو لونا، جوردان فيرستمان، بيث دي أراوجو، بنجامين نايشتات، نايمي آدا.
- أهم المحاور: العملية الإبداعية، السرديات الجديدة، الجمهور والتوزيع، الهوية والجسد، والسينما كأداة تغيير.
في المحصلة، يرسل سان سباستيان رسالة واضحة قبل انطلاق دورته الجديدة: المهرجان لا يريد فقط عرض الأفلام، بل يريد أيضًا تفكيكها ومناقشتها. وبين أسماء مثل دييجو لونا وإيرا ساكس وبنجامين نايشتات، تتشكل دورة تبدو واعدة لعشاق السينما اللاتينية والمستقلة، وهي متابعة تستحق الاهتمام عربيًا، خصوصًا لمن يرى في المهرجانات خريطة مبكرة لما قد يصل لاحقًا إلى الشاشات والمنصات في المنطقة.