Filmatology

سان سيباستيان يحتفي بخوسيه جيوفاني في استعادة كبرى

مهرجان سان سيباستيان يفتح ملف خوسيه جيوفاني في استعادة من 20 فيلماً

يواصل مهرجان سان سيباستيان السينمائي ترسيخ حضوره كواحد من أهم المواعيد الأوروبية لعشاق السينما الكلاسيكية، بعدما أعلن تخصيص برنامج استعادة كامل للمخرج والكاتب والروائي الفرنسي خوسيه جيوفاني ضمن فعاليات دورته الرابعة والسبعين، المقرر إقامتها بين 18 و26 سبتمبر 2026. الاستعادة ستضم 20 فيلماً تغطي مساراً طويلاً يمتد من عام 1960 إلى 2001، في خطوة تعيد تقديم واحد من أبرز الأسماء التي صاغت ملامح سينما الجريمة الفرنسية في النصف الثاني من القرن العشرين.

وبحسب الموقع الرسمي للمهرجان، تُنظم هذه الاستعادة بالتعاون بين مهرجان سان سيباستيان وأرشيف الباسك السينمائي Filmoteca Vasca، وبمشاركة Filmoteca Española، كما تصاحبها دراسة كتابية عن مجمل أعمال جيوفاني من تأليف الباحث والناقد فيليبي كابريريثو. هذا النوع من البرامج لا يخاطب فقط جمهور المهرجانات، بل يعكس أيضاً قيمة تجارية وثقافية متزايدة للأفلام الكلاسيكية التي تعود إلى الواجهة عبر الترميم والعروض الخاصة، وهو ما يهم جمهور “شباك التذاكر” مع اتساع سوق إعادة الاكتشاف والبرمجة التراثية.

من هو خوسيه جيوفاني؟

خوسيه جيوفاني، المولود في باريس عام 1923 باسم جوزيف أنطوان روجيه دامياني، والمتوفى عام 2004، لم يكن مجرد كاتب يقترب من عالم الجريمة من الخارج؛ بل جاء جزء مهم من كتاباته من خبرات حياتية قاسية تركت أثرها على رواياته وسيناريوهاته. وقد وصفه مهرجان سان سيباستيان بأنه أحد الوجوه الحاسمة في العصر الذهبي لفيلم الجريمة الفرنسي، أو ما يُعرف بتقليد البولار الفرنسي، الذي كان بمثابة المقابل المحلي للفيلم نوار الأمريكي من حيث التوتر الأخلاقي والظلال النفسية وشخصيات الخارجين عن القانون.

أهمية جيوفاني لا تتوقف عند الإخراج فقط، بل تمتد إلى كونه كاتباً وروائياً ومعدّاً للسيناريو، تعاون مع أسماء بارزة في السينما الفرنسية مثل جاك بيكر، جان-بيير ميلفيل وكلود سوتيه وجاك ديراي وهنري فرنوي وروبير أنريكو. هذا الامتداد عبر أكثر من موقع إبداعي يفسر لماذا بقي اسمه حاضراً في تاريخ أفلام الجريمة حتى لدى الأجيال التي ربما لم تشاهد كل أعماله كمخرج.

بداية قوية من الرواية إلى الشاشة

من أبرز المحطات المبكرة في مسيرة جيوفاني رواية Le Trou التي تحولت إلى فيلم Le Trou (1960) للمخرج جاك بيكر. وتوضح مؤسسة The Criterion Collection أن الفيلم اقتبس من رواية جيوفاني، بينما شارك الأخير في كتابة السيناريو، ليصبح العمل لاحقاً من كلاسيكيات أفلام السجون والهروب. هذه البداية منحت اسمه ثقلاً كبيراً داخل صناعة السينما الفرنسية، خصوصاً أن الفيلم ارتبط لاحقاً بسمعة نقدية رفيعة جعلته باقياً في التداول حتى اليوم.

وفي العام نفسه تقريباً، تحولت روايته Classe tous risques إلى فيلم بالاسم نفسه أخرجه كلود سوتيه عام 1960، وشارك جيوفاني في كتابة سيناريو العمل أيضاً. وتؤكد مصادر مرجعية فرنسية ودولية، بينها مهرجان كان وCriterion، أن هذا الفيلم كان من الأعمال الأساسية التي رسخت صورته ككاتب قادر على تقديم عوالم المجرمين والهاربين بلغة مشحونة بالتوتر والقدرية، وهي سمات ستصبح لاحقاً من ركائز سينما الجريمة الفرنسية الحديثة.

من الكتابة إلى الإخراج: أسلوب خشن ومباشر

بحسب ملف الاستعادة الرسمي في سان سيباستيان (@sansebastianfes على إنستغرام)، بدأ جيوفاني يتجه بوضوح إلى الإخراج في النصف الثاني من الستينيات، بعدما راكم خبرة كبيرة في كتابة الروايات والسيناريوهات. أول أفلامه كمخرج كان La Loi du survivant عام 1967، ثم واصل بناء عالمه الخاص في عدد من الأعمال التي جمعت بين الجريمة، الخيانة، السجن، ومحاولات النجاة داخل مجتمعات قاسية تحكمها قواعد غير مكتوبة.

المهرجان يشير إلى أن جيوفاني أخرج نحو 15 فيلماً روائياً طويلاً، إضافة إلى أعمال للتلفزيون، وأن أسلوبه اتسم بخشونة مباشرة وطابع بدني وحركي واضح. تلك السمات ظهرت بقوة في أفلام مثل Le Rapace، وDernier domicile connu، وLa Scoumoune، وLe Gitan. وفي كثير من هذه الأعمال كان يعتمد على نجوم لهم ثقل جماهيري كبير، ما ساعد أفلامه على الجمع بين الجاذبية التجارية والهوية الفنية.

أفلام صنعت سمعته الجماهيرية

من بين أبرز العناوين التي ستجعل هذه الاستعادة محل اهتمام واسع فيلم Deux hommes dans la ville الصادر عام 1973، وهو من إخراج جيوفاني وبطولة آلان ديلون وجان غابان. موقع Pathé Films يثبت تاريخ طرح الفيلم في صالات السينما الفرنسية يوم 24 أكتوبر 1973. ويظل هذا الفيلم واحداً من أهم نماذج الدراما الجنائية الفرنسية التي تناقش مصير السجين السابق وإشكالية الاندماج من جديد في المجتمع، وهي ثيمة تكررت في عالم جيوفاني بصور مختلفة.

كما تبرز داخل مسيرته أعمال ارتبطت بأسماء جماهيرية لامعة مثل جان-بول بلموندو وكلوديا كاردينالي ولينو فنتورا وآلان ديلون. وعلى سبيل المثال، يظل Le Gitan من الأعمال اللافتة المرتبطة بديلون، بينما يحتفظ Dernier domicile connu بمكانة خاصة لدى متابعي أفلام الشرطة الفرنسية ذات المزاج القاتم. هذه النجومية ليست تفصيلاً هامشياً؛ فهي جزء من السبب الذي يجعل استعادة جيوفاني قابلة للتسويق جماهيرياً حتى اليوم، لأن أسماء أبطاله ما زالت تملك قيمة استدعاء قوية لدى محبي السينما الكلاسيكية.

لماذا تهم هذه الاستعادة جمهور اليوم؟

في سوق المشاهدة الحالي، لم تعد قيمة الفيلم تُقاس فقط بإيراداته وقت عرضه الأول، بل أيضاً بقدرته على العودة إلى التداول من خلال المهرجانات والمنصات والنسخ المرممة. ومن هنا تبدو استعادة خوسيه جيوفاني أكثر من مجرد تحية تاريخية؛ فهي إعادة تقديم لكتالوج كامل من الأعمال التي ساهمت في تشكيل ذائقة أفلام الجريمة الأوروبية، وفتحت الطريق أمام أجيال لاحقة من المخرجين الذين اشتغلوا على فكرة البطل الملتبس أخلاقياً.

كما أن إدراج الاستعادة ضمن برنامج Klasikoak، الذي أصبح منذ 2024 المظلة الخاصة بالأفلام الكلاسيكية في سان سيباستيان، يمنحها بعداً مؤسسياً أكبر. فالمهرجان لا يكتفي بعروض سبتمبر فقط، بل يربطها بمسارات أوسع تخص حفظ التراث السينمائي وإعادة تداوله في إقليم الباسك وخارجه. وهذا النوع من البرمجة صار مؤثراً أيضاً في حركة التوزيع البديل واهتمام الصالات المتخصصة بعرض الكلاسيكيات، وهي زاوية لا تنفصل عن منطق “شباك التذاكر” حتى لو كانت خارج الإطار التجاري التقليدي.

زاوية مصرية: لماذا قد يهم الخبر القارئ العربي؟

بالنسبة للقارئ في مصر، تبدو أخبار الاستعادات الكبرى في المهرجانات الدولية مهمة لسببين. الأول أنها تعكس كيف تعيد الصناعة العالمية تقييم تراثها السينمائي، والثاني أنها تفتح الباب أمام جمهور جديد لاكتشاف أفلام كان من الصعب الوصول إليها سابقاً. ومع نمو الاهتمام العربي بالأفلام الكلاسيكية عبر المنصات والفعاليات السينمائية، يصبح اسم مثل خوسيه جيوفاني جديراً بالمتابعة، خصوصاً لمن يهتمون بسينما الجريمة، وأفلام السجون، والدراما النفسية التي تعتمد على الصراع الأخلاقي أكثر من المؤثرات الصاخبة.

عملياً، هذه الاستعادة تؤكد أن أفلام الجريمة الفرنسية الكلاسيكية ما زالت تملك حياة جديدة خارج زمن إنتاجها، وأن أسماء مثل خوسيه جيوفاني يمكن أن تعود إلى الواجهة بقوة حين تتوافر لها منصة عرض مناسبة وسياق برمجي ذكي. ومهرجان سان سيباستيان، عبر دورته الـ74، يراهن بوضوح على أن هذا التراث لا يزال قادراً على جذب جمهور اليوم، سواء من محبي السينما الفنية أو من جمهور النجوم والأفلام ذات السمعة التاريخية.

  • موعد المهرجان: من 18 إلى 26 سبتمبر 2026.
  • عدد أفلام الاستعادة: 20 فيلماً.
  • موضوع الاستعادة: أعمال خوسيه جيوفاني بين 1960 و2001.
  • الجهات المنظمة: مهرجان سان سيباستيان، Filmoteca Vasca، Filmoteca Española.
  • أبرز الأسماء المرتبطة بمسيرته: جاك بيكر، جان-بيير ميلفيل، كلود سوتيه، آلان ديلون، جان غابان، لينو فنتورا، جان-بول بلموندو.

في النهاية، لا يبدو تكريم خوسيه جيوفاني مجرد لفتة أرشيفية، بل اعتراف متأخر ومتجدد بصانع ترك بصمة عميقة على أفلام الجريمة الفرنسية، سواء من خلف الرواية أو السيناريو أو كرسي الإخراج. ومع اقتراب انطلاق دورة 2026، سيكون هذا البرنامج واحداً من أبرز الرهانات لعشاق الكلاسيكيات داخل سان سيباستيان وخارجه.