Filmatology

سعيد شيمي يستعيد رحلته مع محمد خان وذاكرة السينما

سعيد شيمي يسترجع سيرة صديق العمر محمد خان

أعاد مدير التصوير المصري الكبير سعيد شيمي فتح واحدة من أكثر الحكايات دفئًا في ذاكرة السينما العربية، حين تحدث مجددًا عن علاقته الممتدة بالمخرج الراحل محمد خان. في الندوة التي أُقيمت ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السادسة والخمسين خلال يناير 2025، استعاد شيمي تفاصيل الصداقة التي بدأت منذ الطفولة، وتحوّلت مع السنوات إلى علاقة إنسانية وفنية نادرة بين اثنين من الأسماء التي تركت أثرًا واضحًا في تاريخ الصورة المصرية.

حديث شيمي لم يكن مجرد حنين شخصي، بل شهادة من داخل المطبخ السينمائي على مرحلة مهمة من تطور السينما في مصر، خصوصًا تيار الواقعية الذي ارتبط باسم محمد خان. وقد بدا واضحًا أن العلاقة بين الرجلين تجاوزت حدود العمل، إذ وصف شيمي تلك الصلة بأنها أقرب إلى الأخوة، مشيرًا إلى أنهما كانا يتفاهمان بسرعة كبيرة، وكأن نظرة واحدة تكفي لاختصار نقاش طويل.

من عابدين إلى المعادي.. بداية حكاية مشتركة

بحسب ما رواه سعيد شيمي في أكثر من مناسبة صحفية وثقافية، بدأت علاقته بمحمد خان في سنوات الطفولة الأولى، حين جمعتهما الجيرة في منطقة عابدين بالقاهرة، قبل أن تمتد الذكريات لاحقًا إلى المعادي. هناك تشكلت ملامح الشغف الأول بالسينما، لا من داخل قاعات الدراسة، بل من صداقة صغيرة نمت وسط دور العرض ومشاهدة الأفلام والنقاش حولها.

هذا القرب المبكر يفسر، إلى حد بعيد، ذلك الانسجام الذي ظهر لاحقًا في الأعمال التي التقيا فيها. فخان، المولود في القاهرة يوم 26 أكتوبر 1942، كان منذ بداياته مولعًا بصورة الناس العاديين وتفاصيل الشارع المصري، بينما جاء شيمي، المولود عام 1943 في عابدين أيضًا، من خلفية بصرية صنعتها الدراسة والممارسة والتجريب الطويل في فن التصوير السينمائي.

رسائل المسافة.. حين لم تقطع لندن الخيط

واحدة من أهم التفاصيل التي أعادت الندوة تسليط الضوء عليها هي الرسائل المتبادلة بين محمد خان وسعيد شيمي. فبعد سفر خان إلى لندن في سن مبكرة، استمرت المراسلات بين الصديقين لسنوات طويلة، وقال شيمي إن هذه الرسائل امتدت 19 عامًا من 1959 إلى 1977. وهي ليست فقط مراسلات شخصية، بل وثائق تكشف كيف كان خان يفكر في السينما، وكيف كان يتابع من الخارج ما يجري في مصر ويحلم بالعودة إليها صانعًا للأفلام.

لاحقًا، تحولت هذه الرسائل إلى مشروع توثيقي مهم أشرف عليه شيمي، وخرج في ثلاثة أجزاء تحمل عناوين: مشوار حياة، انتصار للسينما، ومصري للنخاع. وقد أوضح شيمي أن فكرة جمع الرسائل جاءت بعد رحيل صديق عمره، في محاولة لحفظ هذا الإرث الإنساني والفني للأجيال الجديدة، بمشاركة الناقد والكاتب محمود عبد الشكور.

محمد خان.. اسم محوري في السينما العربية

يبقى محمد خان واحدًا من أهم صناع السينما في مصر والعالم العربي خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات الألفية. وتؤكد قواعد البيانات السينمائية الموثوقة أن خان عاد إلى مصر نهائيًا عام 1977، ثم بدأ مشواره الإخراجي الطويل بفيلم ضربة شمس عام 1978. وبعدها قدم سلسلة من الأفلام التي أصبحت علامات بارزة، من بينها طائر على الطريق، الحريف، خرج ولم يعد، زوجة رجل مهم، أحلام هند وكاميليا، أيام السادات، بنات وسط البلد، في شقة مصر الجديدة، فتاة المصنع وقبل زحمة الصيف.

خصوصية خان لا ترتبط فقط بعناوين أفلامه، بل باللغة السينمائية التي أسسها. فقد انشغل طويلًا بالمدينة، بالطبقة الوسطى، بالأحياء الشعبية، وبالنساء والرجال الذين يعيشون على هامش التحولات الاجتماعية. لذلك ارتبط اسمه في الوعي النقدي العربي بما يُعرف بسينما الواقعية الجديدة في مصر، وهي الحساسية التي جعلت أعماله قريبة من الجمهور وقابلة لإعادة الاكتشاف حتى اليوم.

  • تاريخ الميلاد: 26 أكتوبر 1942
  • تاريخ الوفاة: 26 يوليو 2016
  • الحصول على الجنسية المصرية: عام 2014
  • بداية الإخراج الطويل: فيلم ضربة شمس (1978)

لماذا بدت شراكة خان وشيمي مختلفة؟

حين يتحدث سعيد شيمي عن محمد خان، فهو لا يستعيد فقط صديقًا قديمًا، بل يستعيد أيضًا طريقة خاصة في صناعة الفيلم. شيمي، الذي عمل مديرًا للتصوير في عشرات الأفلام المصرية، عُرف بقدرته على التقاط الشارع والضوء الطبيعي والمساحات الحقيقية داخل المدينة. وهذه الروح نفسها انسجمت مع مشروع خان الإخراجي، القائم على الاقتراب من الحياة اليومية بلا تكلّف.

في شهاداته الأخيرة، أشار شيمي إلى أن حب الواقعية كان من أهم أسباب التقارب الفني بينهما. فمحمد خان كان يميل إلى التصوير في الشارع، وإلى ملامسة اليومي والعابر، بينما امتلك شيمي الأدوات البصرية القادرة على تحويل ذلك اليومي إلى مشهد حي نابض. لهذا لم يكن غريبًا أن يرتبط اسماهما في ذاكرة عشاق السينما، حتى خرجت قديمًا شائعات تقول إن كلًّا منهما لا يعمل إلا مع الآخر.

«البطيخة».. البذرة الأولى

من المحطات اللافتة التي استعادها شيمي أيضًا فيلم البطيخة، وهو فيلم قصير أنجزه مع محمد خان عام 1972، قبل عودة خان النهائية إلى مصر بسنوات. هذه التجربة تبدو اليوم بالغة الأهمية لأنها تكشف أن الشراكة بينهما لم تبدأ مع النجاح، بل سبقت ذلك بكثير، في مرحلة البحث والتأسيس والتجريب.

وبالنسبة للمتابع المصري والعربي، فإن قيمة هذه الحكاية تكمن في أنها تقدم خلفية حقيقية لفهم كيف تتكوّن المشاريع السينمائية الكبيرة: من الصداقة، ومن النقاش الطويل، ومن الإيمان المشترك بالصورة والناس والشارع.

سعيد شيمي.. شاهد من داخل تاريخ الصورة المصرية

لا يمكن قراءة كلام سعيد شيمي عن محمد خان بمعزل عن مكانة شيمي نفسه. فمدير التصوير المصري، واسمه الكامل محمد سعيد شيمي، تخرّج في المعهد العالي للسينما عام 1971، وشارك في تصوير عدد كبير من الأفلام البارزة، من بينها الرصاصة لا تزال في جيبي، العار، الإمبراطور، الطريق إلى إيلات وجزيرة الشيطان. لذلك تبدو شهادته عن خان ذات قيمة مضاعفة: فهي صادرة عن صديق عمر، وفي الوقت نفسه عن فنان يعرف كيف تُبنى اللقطة وكيف يولد الأسلوب.

هذا ما يمنح تصريحاته الأخيرة وزنًا يتجاوز النوستالجيا. فحين يقول إن التفاهم بينهما كان يصل إلى حد الاكتفاء بنظرة عين، فهو يصف نوعًا نادرًا من الثقة الإبداعية التي لا تتكرر كثيرًا في تاريخ السينما.

إرث باقٍ يتجدد مع كل استعادة

رحل محمد خان في 26 يوليو 2016، لكن حضوره لم يغب عن النقاش السينمائي في مصر والعالم العربي. ومع كل ندوة أو كتاب أو شهادة جديدة، يتأكد أن تجربته لا تزال حية، سواء في أفلامه نفسها أو في ذاكرة من عملوا معه. واستعادة سعيد شيمي لهذه التفاصيل الآن تمنح جمهور السينما، خاصة الأجيال الأصغر، فرصة لفهم الوجه الإنساني خلف الأفلام التي شكلت وجدانًا عربيًا كاملًا.

في النهاية، لا تبدو حكاية سعيد شيمي ومحمد خان مجرد قصة صداقة بين فنانين، بل تبدو فصلًا أصيلًا من تاريخ السينما العربية، حيث تلتقي الموهبة بالتجربة، والذكريات بالمهنة، وتتحول الرسائل القديمة واللقطات المشتركة إلى جزء من الذاكرة الثقافية لمصر والمنطقة بأسرها.