Filmatology

سعيد شيمي يستعيد زمن تصوير الشارع في السينما المصرية

سعيد شيمي يستعيد روح الشارع في زمن اللقطة الواحدة

أعاد مدير التصوير المصري سعيد شيمي فتح واحدة من أكثر الصفحات إثارة في تاريخ السينما المصرية، حين تحدث عن كواليس تصوير المشاهد الخارجية في الشارع، وهي التجربة التي ارتبطت طويلًا بأفلام الواقعية المصرية خلال السبعينيات والثمانينيات. الفكرة التي شدد عليها شيمي ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل توثيق لطريقة عمل كاملة كانت تعتمد على سرعة التنفيذ، والالتقاط الحي، والاقتراب من نبض الناس في الأماكن الحقيقية.

شيمي، المولود في حي عابدين بالقاهرة عام 1943، تخرج في المعهد العالي للسينما عام 1971، وارتبط اسمه بعشرات الأفلام المهمة التي صنعت ذاكرة بصرية خاصة، من بينها الرصاصة لا تزال في جيبي والعار والإمبراطور والطريق إلى إيلات وجزيرة الشيطان. كما تعاون مع كبار المخرجين وصناع السينما في مصر، وقدم أسلوبًا بصريًا ظل حاضرًا في نقاشات النقاد والدارسين حتى اليوم.

كيف كان تصوير الشارع يتم فعليًا؟

اللافت في شهادة سعيد شيمي أن تصوير الشارع لم يكن دائمًا يتم بالشكل التقليدي المعروف اليوم، حيث تغلق الطرق وتُفرض حواجز واضحة ويُدار المكان إنتاجيًا بشكل كامل. بحسب الروايات المنشورة عنه في أكثر من مناسبة، كان كثير من المشاهد الخارجية يُنفذ بسرعة كبيرة، وبأقل قدر من لفت الانتباه، حتى تبدو الحركة طبيعية ويظل الشارع محتفظًا بعفويته. هذا الأسلوب ساعد على إنتاج لقطات تحمل إحساسًا وثائقيًا، خصوصًا في الأعمال التي انحازت إلى الواقعية الاجتماعية وخرجت بالكاميرا من الاستوديو إلى الأحياء الشعبية والشوارع المزدحمة.

ومن هنا يمكن فهم حديثه عن إنجاز عدد من مشاهد الخارج في لقطة واحدة أو ما يُعرف سينمائيًا بـOne Shot، وهي طريقة تفرض على فريق العمل والممثلين درجة عالية من التركيز والانضباط. في هذا النوع من التنفيذ، لا تكون المسألة مجرد استعراض تقني، بل محاولة للإبقاء على صدق اللحظة ومنح المكان فرصة ليظهر كما هو، من دون مبالغة في الترتيب أو الإيقاع المصطنع.

بين الواقعية والمخاطرة

تجربة شيمي مع تصوير الشوارع لم تكن سهلة أو رومانسية بالكامل. ففي تصريحات منشورة، تحدث بوضوح عن تعرضه لمواقف صعبة أثناء العمل الخارجي، بينها مشادات واعتداءات بسبب وجود الكاميرا وسط الناس، لدرجة أنه قال إنه تعرض للضرب أكثر من مرة خلال التصوير. واستشهد بحادثة وقعت أثناء تصوير فيلم السد في منطقة السيدة زينب، معتبرًا أن العمل في الشارع مع ممثلين معروفين كان مرهقًا ومليئًا بالمفاجآت.

هذه الصعوبات تفسر لماذا تحولت خبرته إلى مرجع مهم عند الحديث عن تصوير المواقع الحقيقية في مصر. فالمسألة لم تكن فقط في اختيار زاوية الكاميرا أو توقيت الإضاءة، بل في كيفية التعامل مع البيئة المحيطة: الجمهور العابر، وضيق بعض الشوارع، والضوضاء، والحاجة إلى الحفاظ على استمرارية الأداء وسط ظروف غير متوقعة.

مدرسة خرجت من الشارع لا من الديكور

عند مراجعة مسيرة سعيد شيمي، يتضح أن حضوره لم يكن منفصلًا عن موجة كاملة من السينما المصرية التي أولت المكان الحقيقي أهمية درامية. في شهادات صحفية سابقة عن تعاونه مع المخرج عاطف الطيب، تحدث عن أهمية اختيار المكان باعتباره عنصرًا أساسيًا في بناء الشخصية والجو الاجتماعي، لا مجرد خلفية للتصوير. هذا التصور ساهم في ترسيخ شكل بصري ارتبط بأفلام تناقش الطبقة الوسطى والهموم اليومية والتحولات الاجتماعية في مصر.

كما تكشف روايات أخرى عن عمق صلته بالمخرج الراحل محمد خان، صديق الطفولة ورفيق الشغف الأول بالسينما. وتؤكد هذه العلاقة أن جانبًا مهمًا من مشروع الواقعية المصرية لم ينشأ داخل قاعات الدراسة فقط، بل أيضًا من مراقبة الشارع المصري والإنصات إلى تفاصيله. وقد روى شيمي في أكثر من مناسبة ذكريات جمعته بخان منذ سنوات الشباب، حين كان الاثنان يحلمان بمستقبل داخل عالم السينما قبل أن يحققا حضورًا بارزًا في الصناعة.

سعيد شيمي وذاكرة الصورة المصرية

لا يتوقف تأثير سعيد شيمي عند حدود الأفلام التي صورها، بل يمتد إلى الكتابة والتوثيق أيضًا. ففي يناير 2022 شارك بكتاب بعنوان حكاية مصور سينما خلال الدورة الثالثة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهو ما يعكس حرصه على تسجيل الخبرة المهنية وتحويلها إلى مادة قابلة للقراءة والدراسة، خصوصًا للأجيال الجديدة من المصورين والمهتمين بتاريخ الصورة في مصر.

هذه القيمة التوثيقية تضيف بعدًا آخر لتصريحاته الأخيرة عن تصوير الشارع؛ لأنها لا تأتي من فنان يروي واقعة عابرة، بل من صاحب مسار طويل واكب تحولات كبيرة في أدوات الإنتاج، من العمل بأدوات محدودة في البدايات إلى زمن التكنولوجيا الرقمية الحالية. وفي واحدة من الشهادات المنشورة عنه، أشار إلى أن جيله كان يبتكر الحلول في ظروف أكثر قسوة، بينما يملك الجيل الجديد إمكانات تقنية أوسع بكثير.

لماذا يهم هذا الكلام الآن؟

حديث سعيد شيمي يكتسب أهمية خاصة اليوم، لأن النقاش حول السينما المصرية لم يعد مقتصرًا على النجوم أو شباك التذاكر، بل يشمل أيضًا اللغة البصرية وطرق استعادة الصلة بالمكان الحقيقي. ومع توسع التصوير في مواقع مغلقة أو معالَجة رقميًا، تبدو شهادات من هذا النوع تذكيرًا بأن جزءًا من قوة السينما المصرية تاريخيًا جاء من علاقتها المباشرة بالشارع: الوجوه، والضوء الطبيعي، والإيقاع غير المتوقع، والقدرة على تحويل المكان اليومي إلى عنصر درامي حي.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن قيمة هذه الشهادة لا تكمن فقط في النوستالجيا، بل في إعادة الاعتبار إلى أسماء صنعت الصورة من خلف الكاميرا. فحين يُذكر سعيد شيمي، فنحن لا نتحدث عن مدير تصوير عابر، بل عن واحد من أبرز من ساهموا في تشكيل ملامح أفلام لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية للمشاهدين والنقاد على السواء.

أبرز الحقائق المرتبطة بالخبر

  • سعيد شيمي مدير تصوير مصري من مواليد القاهرة عام 1943، وتخرج في المعهد العالي للسينما عام 1971.
  • من أبرز الأعمال التي ارتبط بها: الرصاصة لا تزال في جيبي، العار، الإمبراطور، الطريق إلى إيلات، جزيرة الشيطان.
  • تحدث في تصريحات منشورة عن تعرضه لمواقف عنيفة أثناء التصوير الخارجي، من بينها واقعة خلال فيلم السد في السيدة زينب.
  • شارك بكتاب حكاية مصور سينما في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2022.

في المحصلة، يعيد سعيد شيمي تذكير الوسط السينمائي بأن الصورة القوية لا تُصنع دائمًا عبر التعقيد، بل أحيانًا عبر جرأة النزول إلى الشارع، والثقة في اللقطة، والإيمان بأن الواقع نفسه يمكن أن يكون أفضل ديكور ممكن.