Filmatology

عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ.. ثنائية صنعت البهجة

ذكرى ميلاد عبد السلام النابلسي تعيد الحديث عن شراكة لا تُنسى

تحل في 23 أغسطس ذكرى ميلاد الفنان عبد السلام النابلسي، أحد أبرز وجوه الكوميديا الخفيفة في تاريخ السينما المصرية. ورغم أنه لم يعتمد غالبًا على البطولة المطلقة، فإن حضوره على الشاشة كان كافيًا لصناعة مساحة خاصة به، خصوصًا في الأدوار التي جمعت بين خفة الظل وسرعة الإيقاع والقدرة على خطف الانتباه حتى في وجود كبار النجوم. وتشير بيانات موقع السينما.كوم إلى أن اسمه الكامل هو عبدالسلام إبراهيم عبدالغني النابلسي، وأنه وُلد في 23 أغسطس 1899 وتوفي في 5 يوليو 1968 إثر أزمة قلبية حادة.

وبالنسبة للجمهور المصري، يبقى أحد أكثر فصول مسيرته رسوخًا هو تعاونه مع عبد الحليم حافظ، إذ تشكلت بينهما على الشاشة ثنائية اعتمدت على التباين الذكي بين رومانسية العندليب وخفة النابلسي الساخرة. هذه المعادلة منحت عددًا من الأفلام روحًا مختلفة، وجعلت شخصية الصديق أو المساند عنصرًا أصيلًا في بناء الحكاية، لا مجرد حضور جانبي. ويؤكد موقع السينما.كوم أن عبد السلام النابلسي هو أكثر فنان شارك عبد الحليم حافظ أفلامه، عبر خمسة أعمال معروفة.

من الصحافة إلى نجومية الدور الثاني

سيرة النابلسي نفسها تكشف لماذا بدا مختلفًا عن كثير من أبناء جيله. فقد جاء إلى مصر شابًا ليتلقى تعليمه في الأزهر الشريف، وبرع في العربية إلى جانب الفرنسية والإنجليزية، ثم خاض تجربة الصحافة قبل أن يتجه إلى الفن. وتوضح مصادر موثقة أن بدايته السينمائية تعود إلى أواخر العشرينيات، قبل أن يتفرغ لاحقًا للتمثيل الكوميدي الذي صار بوابته الأوسع إلى قلوب المشاهدين. كما عُرف أيضًا بالعمل في الإخراج المساعد، خاصة مع يوسف وهبي، قبل أن يرسخ مكانته ممثلًا يملك حضورًا خاصًا في الأدوار الثانية.

هذا النوع من الأدوار هو بالضبط ما جعله مثاليًا إلى جوار نجوم الغناء والبطولة الرومانسية. فالنابلسي لم يكن ينافس البطل على مساحته، بل كان يرفع إيقاع الفيلم ويضخ داخله جرعة من السخرية والمرح، وهي تركيبة ظهرت بوضوح أكبر في أفلامه مع عبد الحليم حافظ.

خمسة أفلام رسخت ثنائية عبد السلام النابلسي وعبد الحليم

بحسب البيانات المنشورة عن أفلام عبد الحليم حافظ، اجتمع النجمان في خمسة أفلام هي: ليالي الحب (1955)، فتى أحلامي (1957)، شارع الحب (1958)، حكاية حب (1959)، ويوم من عمري (1961). وهذه القائمة تحظى بتكرار واضح في أكثر من مرجع فني موثق، ما يجعلها الأثبت عند تناول هذه الشراكة.

  • ليالي الحب (1955): من أوائل اللقاءات السينمائية بينهما، وفيه ظهر النابلسي ضمن عالم الفيلم الكوميدي الرومانسي الذي كان عبد الحليم يرسخ حضوره داخله في منتصف الخمسينيات.
  • فتى أحلامي (1957): عزز الفيلم صورة النابلسي كحاضر مؤثر في البناء الدرامي المحيط بالبطل، حتى حين لا يكون في مقدمة الملصق الدعائي.
  • شارع الحب (1958): ربما كان من أكثر الأعمال دلالة على بصمته، إذ ارتبط اسمه فيه بشخصية حسب الله السادس عشر، وهي من الشخصيات التي بقيت في ذاكرة جمهور السينما المصرية. كما يوضح ملخص الفيلم أن وجوده لم يكن هامشيًا، بل كان جزءًا من مفصل الحكاية الموسيقية والكوميدية.
  • حكاية حب (1959): استمر هنا دور الصديق والمساند داخل إطار رومانسي مؤثر، وهو ما منح الفيلم توازنًا بين الشجن والخفة.
  • يوم من عمري (1961): كان هذا آخر لقاء سينمائي بينه وبين العندليب، وجاء امتدادًا لنفس الكيمياء التي عرفها الجمهور في الأعمال السابقة.

لماذا نجحت هذه الثنائية؟

نجاح هذا الثنائي لم يقم فقط على تكرار الظهور المشترك، بل على تكامل الوظيفة الدرامية. عبد الحليم حافظ كان يمثل على الشاشة نموذج البطل الرومانسي الحالم، بينما جاء النابلسي بطبقة مختلفة: رجل سريع البديهة، خفيف الحركة، يطلق النكتة ويخفف التوتر ويقود بعض المنعطفات الدرامية من دون أن يطغى على البطل.

وفي أفلام مثل شارع الحب وحكاية حب تحديدًا، يبدو واضحًا كيف ساهم حضوره في جعل الفيلم أكثر قربًا من المشاهد المصري؛ لأن الكوميديا هنا لم تكن منفصلة عن الحدث، بل جزءًا من تطور الشخصيات. وهذا أحد أسرار بقاء تلك الأعمال في الذاكرة حتى الآن، خاصة لدى جمهور القنوات المتخصصة ومنصات عرض التراث السينمائي.

مكانة خاصة في ذاكرة السينما المصرية

رغم أن عبد السلام النابلسي من أصل لبناني فلسطيني، فإن مسيرته الفنية ارتبطت على نحو وثيق بالقاهرة وصناعة السينما في مصر، حيث قضى القسم الأكبر من حياته المهنية وقدم عشرات الأعمال مع كبار النجوم. وتذكر قاعدة بيانات السينما.كوم أنه شارك أيضًا في فيلمين ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية وفق استفتاء للنقاد عام 1996، وهما العزيمة (1939) وبين السماء والأرض (1959).

كما أن تجربته لم تقتصر على التمثيل وحده؛ فقد انتقل بين الصحافة والتمثيل والإخراج المساعد والإنتاج، قبل أن تنقله ظروف الضرائب والإقامة لاحقًا إلى لبنان، حيث عمل مديرًا للشركة المتحدة للأفلام، إلى أن رحل في بيروت عام 1968. هذه التفاصيل تمنح صورته بعدًا أوسع من مجرد ممثل كوميدي، وتكشف أنه كان واحدًا من أبناء جيل أسهموا في تشكيل البنية المهنية للسينما العربية في مرحلة مبكرة.

ثنائية تستحق الاستعادة

في ذكرى ميلاده، لا تبدو استعادة عبد السلام النابلسي مجرد وقفة مع نجم قديم، بل مراجعة لمدرسة كاملة في الأداء الكوميدي داخل الفيلم الغنائي والرومانسي. وضمن هذه المدرسة، تبقى شراكته مع عبد الحليم حافظ هي النموذج الأوضح على كيف يمكن للدور الثاني أن يصبح عنصرًا لا غنى عنه في نجاح العمل.

ولهذا، حين يُذكر تاريخ أفلام العندليب، يصعب تجاوز اسم عبد السلام النابلسي؛ لأنه لم يكن مجرد ممثل يمر في المشهد، بل شريكًا في صناعة الإيقاع والبهجة والذاكرة. وبعد عقود من رحيله، ما زالت هذه الثنائية تحتفظ ببريقها لدى المشاهد المصري، وتؤكد أن النجومية لا تُقاس دائمًا بعدد البطولات، بل أحيانًا بقدرة الفنان على أن يترك أثرًا لا يبهت.