Filmatology

عرض «الأراجوز» المرمم: هل تعود أفلام الثمانينيات للسينما؟

عرض «الأراجوز» المرمم في 8 يوليو: مناسبة تتجاوز الحنين

حين يعلن المركز القومي للسينما عن العرض الأول لفيلم «الأراجوز» في نسخته المرممة يوم الثلاثاء 8 يوليو في تمام السابعة مساءً داخل مركز الإبداع الفني بساحة دار الأوبرا المصرية، فالمسألة لا تبدو مجرد استعادة عنوان قديم من ذاكرة المشاهد المصري. الأهم أن الفعالية تأتي بصيغة احتفالية ونقاشية معًا، إذ يعقب العرض ندوة بحضور الدكتور أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، والمخرج هاني لاشين، ومدير التصوير الدكتور محسن أحمد، والناقد سامح فتحي، ويديرها المخرج أشرف فايق، بما يمنح الحدث وزنًا مؤسسيًا وثقافيًا واضحًا، لا مجرد عرض عابر لفيلم كلاسيكي.

هذا التفصيل مهم لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل سينجح عرض «الأراجوز» جماهيريًا؟ بل: هل يمكن أن يتحول إلى لحظة مفصلية تعيد أفلام الثمانينيات المصرية إلى الشاشة الكبيرة ضمن برنامج منتظم ومدروس؟

لماذا «الأراجوز» تحديدًا؟

الاختيار في حد ذاته لافت. «الأراجوز» فيلم مصري عُرض لأول مرة في 18 ديسمبر 1989، من إخراج هاني لاشين، وكتابة عصام الشماع، وبطولة عمر الشريف وميرفت أمين وهشام سليم، مع حضور لافت لكل من أحمد خليل وسلوى خطاب وعبدالعظيم عبدالحق. وتدور حكايته حول محمد جاد الكريم، الأراجوز الشعبي في القرية، وصدامه مع تحولات ابنه بهلول، ثم مع مشروع يستهدف الأرض الزراعية، وهو ما يجعل الفيلم متصلًا بقضايا التنمية والهوية والريف والسلطة الاقتصادية، لا مجرد دراما عائلية من زمن مضى.

ميزة «الأراجوز» أنه ينتمي إلى أواخر الثمانينيات، أي إلى منطقة وسط بين كلاسيكيات الأبيض والأسود التي اعتاد الجمهور التعامل معها باعتبارها «تراثًا مقدسًا»، وبين أفلام التسعينيات الأقرب زمنيًا إلى الذاكرة التلفزيونية. من هنا، فإن إعادة تقديمه اليوم تختبر شريحة مختلفة من المتفرجين: جيل يعرف عمر الشريف كنجم عالمي، وجيل يتعرف للمرة الأولى إلى واحد من أفلامه المصرية الأقل تداولًا مقارنة بعناوين أشهر.

من العرض الخاص إلى السياسة الثقافية

ما يدعم فرضية أن الحدث قد يكون أكبر من مجرد مناسبة واحدة، هو أن عرض «الأراجوز» لا يأتي منفصلًا عن موجة أوسع تخص ترميم الأفلام المصرية. خلال الأسابيع الأخيرة، جرى الإعلان عن أكثر من عنوان مرمم عاد أو يستعد للعودة إلى الجمهور. من ذلك عرض «بداية ونهاية» في نسخة مرممة يوم 18 مايو داخل مركز الثقافة السينمائية بوسط القاهرة، مع الإشارة إلى أن عملية الترميم أُنجزت خلال 2024 في مركز الترميم السينمائي بمدينة الإنتاج الإعلامي. كما أُعلن أيضًا عن انتهاء ترميم فيلم «الأرض» ونقله إلى تقنية 4K تمهيدًا لعرضه على شاشة سينما زاوية خلال يوليو، إلى جانب «الناس والنيل» ضمن احتفالات مئوية يوسف شاهين.

هذا التتابع في الأخبار يكشف أن الملف لم يعد هامشيًا. هناك مؤسسات تعمل على إحياء التراث السمعي والبصري، وعروض تُبرمج في فضاءات ثقافية معروفة، وخطاب رسمي يربط بين الترميم وحفظ الذاكرة الوطنية. لذلك يمكن النظر إلى «الأراجوز» بوصفه حلقة داخل مسار آخذ في التشكل، لا مجرد استثناء جميل.

هل الثمانينيات جاهزة فعلًا للعودة؟

السؤال الأصعب هنا يتعلق بطبيعة أفلام الثمانينيات المصرية نفسها. هذه الحقبة لا تختزل في نمط واحد؛ فهي تضم أفلامًا جماهيرية تجارية، وأخرى سياسية واجتماعية، وأعمالًا لمخرجين كبار اشتبكوا مع التحولات الاقتصادية والثقافية في المجتمع. لهذا فإن استعادة الثمانينيات على الشاشة الكبيرة لا تنجح بالحنين وحده، بل تحتاج إلى اختيارات ذكية لعناوين ما زالت قادرة على الحوار مع الحاضر.

في حالة «الأراجوز»، توجد عناصر تساعده على ذلك:

  • اسم عمر الشريف بما يحمله من جاذبية تتجاوز حدود الأجيال.
  • حضور هاني لاشين في الندوة، وهو ما يمنح العرض قيمة توثيقية حية.
  • موضوع الفيلم المرتبط بالأرض والهوية والضغط الاقتصادي، وهي قضايا لم تفقد راهنيتها.
  • طبيعة المكان، فمركز الإبداع الفني في ساحة الأوبرا يستقطب جمهورًا يميل أصلًا إلى العروض ذات القيمة الثقافية.

لكن في المقابل، فإن تحويل اللحظة إلى موجة مستدامة يحتاج إلى ما هو أبعد من عرض واحد ناجح: حملات ترويج أفضل، مواعيد عرض قابلة للتكرار، وشراكة بين جهات الترميم ودور العرض المستقلة والمهرجانات والجامعات والنوادي السينمائية.

ما الذي يعنيه ذلك للمشاهد المصري اليوم؟

بالنسبة للقارئ المصري، وخصوصًا في القاهرة والإسكندرية والمدن التي تعرف نشاطًا ثقافيًا منتظمًا، فإن إعادة عرض فيلم مرمم ليست رفاهية نخبوية. المشاهدة على الشاشة الكبيرة تمنح الفيلم حياة مختلفة تمامًا عن البث التلفزيوني أو النسخ الرديئة المتداولة على الإنترنت. التفاصيل البصرية، تصميم الكادر، خامة الصوت، وإيقاع الأداء، كلها تستعاد بشكل أقرب إلى نية صناع العمل الأصلية.

وهنا تظهر أهمية أن يُقدَّم «الأراجوز» ليس فقط كفيلم قديم، بل كعمل يستحق إعادة الاكتشاف. فالثمانينيات في السينما المصرية كانت مرحلة قلقة وغنية، شهدت تبدلًا في صورة القرية والمدينة، وصعودًا لأسئلة المال والسلطة والهجرة والتعليم، وهي كلها أسئلة يمكن أن يجد فيها متفرج 2026 شيئًا يخصه مباشرة.

ما الذي قد يجعل العرض نقطة تحول فعلية؟

1) نجاح الحضور والنقاش

إذا حقق عرض 8 يوليو إقبالًا واضحًا، وخرجت الندوة بنقاش متداول بين المهتمين والإعلام الثقافي، فذلك يمنح المؤسسات المعنية إشارة قوية بأن هناك جمهورًا حاضرًا لأفلام مرممة من هذه المرحلة.

2) الانتقال من الفعالية إلى البرنامج

المعيار الحقيقي ليس نجاح ليلة واحدة، بل ما إذا كانت ستتبعها سلسلة منتظمة: فيلم كل شهر مثلًا، أو موسم خاص بعنوان سينما الثمانينيات المرممة، أو جولات عرض بين القاهرة والمحافظات.

3) توسيع قائمة العناوين

إذا بقيت العروض محصورة في عدد محدود من الأعمال الأشهر، فسيظل التأثير محدودًا. أما إذا امتدت إلى أفلام أقل تداولًا لكنها ذات قيمة فنية وتاريخية، فسنكون أمام مشروع استعادة حقيقي لذاكرة جيل كامل.

4) ربط الترميم بالتثقيف

الندوات المصاحبة مهمة للغاية. وجود أسماء مثل هاني لاشين ومحسن أحمد وسامح فتحي حول «الأراجوز» يخلق سياقًا يشرح لماذا هذا الفيلم؟ وكيف رُمم؟ ولماذا يجب أن يُشاهد اليوم؟ هذا البعد المعرفي هو ما يحول العرض من مناسبة إلى حدث ثقافي مؤثر.

الخلاصة: نعم، لكن بشروط

الإجابة الأقرب إلى الدقة هي أن العرض الأول لنسخة «الأراجوز» المرممة يوم 8 يوليو يمكن أن يصبح لحظة لاستعادة أفلام الثمانينيات المصرية على الشاشة الكبيرة، لكن بشرط ألا يُترك كحدث منفرد. المعطيات الحالية مشجعة: هناك عرض رسمي واضح المعالم، وندوة تضم صناعًا ونقادًا، وسياق أوسع يشمل ترميم وعرض أفلام أخرى مثل «بداية ونهاية» و«الأرض» و«الناس والنيل».

إذا استُثمرت هذه اللحظة جيدًا، فقد لا يكون «الأراجوز» مجرد عودة لفيلم من 1989، بل بروفة ناجحة لمستقبل جديد في التعامل مع تراث السينما المصرية: تراث يُرمم، ويُشرح، ويُبرمج، ثم يعود إلى جمهوره الطبيعي على الشاشة الكبيرة، لا كذكرى بعيدة، بل كفن حي ما زال قادرًا على الكلام.