فيلم «أنا آخر» يعيد فتح ملف فيليكس كيرستن المثير
فيلم أوروبي جديد يقترب من شخصية شديدة الالتباس
يصل فيلم «Ich ist ein Anderer»، المتداول إنجليزيًا بعنوان «I Is Another»، كواحد من الأعمال الأوروبية التي تراهن على الدراما النفسية ذات الخلفية التاريخية، عبر العودة إلى سيرة فيليكس كيرستن، الرجل الذي ارتبط اسمه بالمسؤول النازي هاينريش هيملر. وبحسب البيانات المتاحة عن الفيلم، يتولى الإخراج والكتابة الألماني فيليكس رانداو، بينما يقدم الممثل الدنماركي كلايس بانغ الدور الرئيسي، إلى جانب فاليري باخنر وسوزانه فوست. كما تذكر قواعد بيانات الصناعة أن الفيلم إنتاج ألماني-نمساوي، ولغته الأساسية الألمانية، مع طرح مسجل بتاريخ 7 أغسطس 2026 في سويسرا.
بالنسبة للقارئ المصري والعربي، تبدو أهمية هذا الفيلم في أنه لا يكتفي بسرد حكاية من زمن الحرب العالمية الثانية، بل يضع المشاهد أمام سؤال أكثر حساسية: كيف تُصنع صورة “المنقذ” حين تكون مرتبطة في الأصل بدائرة واحدة من أكثر دوائر السلطة النازية إجرامًا؟ هنا لا يتحرك العمل في مساحة البطولة التقليدية، بل في منطقة رمادية بين الوقائع، والذاكرة، ومحاولات إعادة كتابة الماضي.
من هو فيليكس كيرستن فعلًا؟
الاسم الذي يبني عليه الفيلم حبكته ليس متخيلًا. فبحسب مشروع محاكمات نورمبرغ في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، كان فيليكس كيرستن معالجًا بالتدليك من أصول فنلندية، وُلد عام 1898 وتوفي عام 1960، وعُرف بصفته معالجًا شخصيًا لهاينريش هيملر. وتشير السجلات نفسها إلى أنه ظهر لاحقًا في سياق وثائق مرتبطة بمحاكمات نورمبرغ بعد الحرب.
أما هيملر نفسه، فمكانه في التاريخ محسوم: كان من كبار قادة النظام النازي، وواحدًا من أبرز المسؤولين عن جهاز القمع والـ SS والسياسات المرتبطة بالمحرقة. وتوضح موسوعة متحف ذكرى الهولوكوست في الولايات المتحدة أن هيملر كان من الشخصيات المركزية في بنية الإرهاب النازي خلال الحرب العالمية الثانية.
هذا الربط بين رجل علاج يدوي وبين أحد أبرز أركان الدولة النازية هو ما يمنح الحكاية ثقلها الدرامي. فالفيلم، وفق الملخص المتاح، يدور في عام 1952 أثناء رحلة قطار إلى أوسلو، حيث يواجه صحفي وزوجها رجلًا يدّعي أنه أنقذ آلاف الأشخاص خلال الحرب، لتتحول الرحلة إلى مواجهة حول الحقيقة والدوافع وحدود الصدق في رواية الذات.
هل كان كيرستن مرشحًا حقًا لنوبل؟
واحدة من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في قصة الفيلم هي الإشارة إلى كيرستن بوصفه “ساعيًا إلى نوبل” أو شخصية ارتبط اسمها بالجائزة. وهذه النقطة يمكن التحقق منها تاريخيًا: إذ يظهر في أرشيف جائزة نوبل أن فيليكس كيرستن كان مرشحًا لجائزة نوبل للسلام عام 1954، مع الإشارة إلى أن الترشيح ارتبط بعمله في إنقاذ أسرى مدنيين من معسكرات الاعتقال الألمانية. كما يوضح موقع نوبل أن الترشيحات لا تعني الفوز، وأن أسماء المرشحين تكشفها الأرشيفات بعد مرور 50 عامًا.
هذه المعلومة تضيف طبقة مهمة للفيلم: فالقصة ليست فقط عن رجل قريب من مركز الشر، بل عن شخص خرج من الحرب وهو يحاول تثبيت رواية عامة لنفسه باعتباره صاحب دور إنساني كبير. وهنا يبدأ الاشتباك الحقيقي الذي يبدو أن الفيلم يريد استثماره: هل نحن أمام منقذ فعلي؟ أم أمام شخصية صنعت سرديتها الخاصة من داخل الفوضى الأخلاقية التي خلفتها الحرب؟
كلايس بانغ في دور يحتاج إلى برودة أعصاب وتعقيد داخلي
اختيار كلايس بانغ للدور الرئيسي يبدو منطقيًا على مستوى الحضور التمثيلي. الممثل الدنماركي معروف دوليًا منذ أدواره في السينما والدراما الأوروبية والإنجليزية، ويملك قدرة واضحة على تقديم شخصيات متماسكة خارجيًا ومضطربة داخليًا. ووفق بيانات IMDb، يؤدي بانغ هنا شخصية فيليكس كيرستن مباشرة، فيما تشارك فاليري باخنر وسوزانه فوست في البطولة.
هذا النوع من الشخصيات لا يعتمد على الانفعال الظاهر بقدر ما يقوم على الإيحاء: نظرات محسوبة، كلام قليل، وإحساس دائم بأن الشخصية تخفي أكثر مما تقول. لذلك، فإن الرهان الأساسي في الفيلم ليس فقط على الحبكة التاريخية، بل على قدرة بانغ على حمل هذا الغموض دون أن يفقد المشاهد صلته بالقصة.
ماذا يميز معالجة فيليكس رانداو؟
المعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن فيليكس رانداو كتب الفيلم وأخرجه بنفسه، وهو ما يوحي بوجود رؤية مؤلف واضحة تحاول الإمساك بالتوتر بين الوثيقة والدراما. كما أن تفاصيل الإنتاج المسجلة تذكر شركات من بينها Ostlicht Filmproduktion وWega Film، مع مشاركة ARTE، وهو ما يضع الفيلم داخل تقليد سينمائي أوروبي مهتم بالأعمال التاريخية ذات الطابع الفكري، لا بالأفلام الحربية المباشرة فقط.
ومن زاوية تهم جمهور المنطقة العربية، فإن هذا النوع من السينما يحظى عادة باهتمام أكبر داخل المهرجانات والدوائر النقدية مقارنة بشباك التذاكر التجاري. لكنه يظل مهمًا لأن أسئلته تتجاوز أوروبا: من يملك حق رواية التاريخ؟ وهل يمكن للسينما أن تراجع “الحقائق المستقرة” دون أن تقع في التبرير أو التبييض؟
لماذا قد يهم الفيلم القارئ في مصر والمنطقة؟
رغم أن الفيلم يتناول سيرة أوروبية خالصة، فإن موضوعه يلامس نقاشات يعرفها الجمهور العربي جيدًا: علاقة الفرد بالسلطة، وكيف تتحول النجاة الشخصية إلى ورقة نفوذ، وكيف تصنع الشخصيات العامة صورتها بعد الأحداث الكبرى. في هذا المعنى، لا يقدم «أنا آخر» حكاية عن الماضي وحده، بل يشتبك مع مسألة معاصرة جدًا: هشاشة الحقيقة حين تختلط بالشهادة الشخصية والمصلحة والذاكرة الانتقائية.
ولهذا يمكن فهم جاذبية الفيلم نقديًا، حتى لو لم يكن موجّهًا إلى جمهور جماهيري عريض. فالأعمال التي تعيد فتح ملفات ملتبسة من القرن العشرين ما زالت تجد جمهورًا عربيًا، خصوصًا بين متابعي السينما الأوروبية في مصر وشمال أفريقيا وبلاد الشام، حيث تحظى أفلام السيرة السياسية والدراما التاريخية بمساحة ملحوظة في المهرجانات والفعاليات السينمائية المتخصصة.
بين التاريخ والسينما: ما الذي يجب الانتباه إليه؟
الأهم هنا هو التمييز بين الواقعة التاريخية والمعالجة الدرامية. المؤكد، استنادًا إلى المصادر المتاحة، أن كيرستن شخصية حقيقية، وأنه كان قريبًا من هيملر، وأن اسمه ظهر بالفعل في أرشيف ترشيحات نوبل للسلام عام 1954. أما كيفية تفسير أدواره ودوافعه وحجم تأثيره الفعلي، فهذه منطقة ظلت محل نقاش تاريخي، وهو ما يمنح الفيلم مادته الأساسية من التوتر الأخلاقي والفكري.
- العنوان: Ich ist ein Anderer / I Is Another
- المخرج والكاتب: فيليكس رانداو
- البطولة: كلايس بانغ، فاليري باخنر، سوزانه فوست
- بلد الإنتاج: ألمانيا والنمسا
- اللغة: الألمانية
- تاريخ طرح مسجل: 7 أغسطس 2026 في سويسرا
في المحصلة، يبدو «أنا آخر» فيلمًا معنيًا بإثارة النقاش أكثر من تقديم إجابات نهائية. وهو خيار ذكي سينمائيًا، لأن شخصية مثل فيليكس كيرستن لا يمكن اختصارها بسهولة في خانة البطل أو الانتهازي. وإذا نجح العمل في الحفاظ على هذا التوازن، فقد يكون واحدًا من أبرز الأفلام الأوروبية التي تستحق المتابعة هذا الموسم، خصوصًا لدى الجمهور العربي المهتم بالسينما التي تحفر في المناطق الرمادية من التاريخ بدل الاكتفاء بإعادة سردها بصورة مريحة وبسيطة.