فيلم سلوفيني جديد يقرأ الوحدة الرقمية في سراييفو
فيلم سلوفيني يلتقط هشاشة الصداقة المولودة على الإنترنت
في واحدة من الأفلام الأوروبية التي لفتت الانتباه خلال موسم المهرجانات هذا الصيف، يصل فيلم Everything That’s Wrong With You للمخرجة وكاتبة السيناريو السلوفينية أورشا مينارت إلى الواجهة عبر عرضه العالمي الأول ضمن مسابقة الأفلام الروائية في الدورة الثانية والثلاثين من مهرجان سراييفو السينمائي في أغسطس 2026. الفيلم، الممتد إلى 97 دقيقة، يأتي كإنتاج مشترك بين سلوفينيا وألمانيا وصربيا، ويواصل اهتمام مينارت بحياة الشابات وأسئلة الانعزال والبحث عن معنى في زمن التواصل الرقمي المكثف.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا العمل لا تتوقف عند حضوره المهرجاني فقط، بل في موضوعه شديد المعاصرة: كيف يمكن لعلاقة تبدأ من شاشة هاتف أن تبدو أكثر دفئاً من العالم الحقيقي، ثم تنكشف تعقيداتها حين ينتقل أصحابها من الرسائل والمنشورات إلى اللقاء وجهاً لوجه؟ هذا السؤال هو العمود الفقري للفيلم، وهو سؤال يمس جيلاً كاملاً في المنطقة والعالم، من القاهرة إلى ليوبليانا.
ما الذي نعرفه رسمياً عن الفيلم؟
تؤكد قاعدة بيانات السينما السلوفينية أن الفيلم يحمل عنوانه الأصلي Vse, kar je narobe s tabo، وأنه من كتابة وإخراج أورشا مينارت، بينما تقوده في التمثيل أنوشا كوديليا وكلارا كوك، مع مشاركة ماتيا فاستل وكايا أوتسفيرك ومويتسا فاتور وإيفانا بيرتسان كودارين وماريوتا سلاميتش. كما تشير البيانات نفسها إلى أن الإنتاج الرئيسي يعود إلى شركة Vertigo السلوفينية، مع شركتي Chromosom Film الألمانية وLiving Pictures الصربية ضمن شبكة الإنتاج المشترك.
العمل عُرض للمرة الأولى في سراييفو ضمن البرنامج التنافسي الرسمي للأفلام الروائية، وهو ما يضعه في مساحة مهمة داخل خريطة سينما أوروبا الوسطى والبلقان، خاصة أن مهرجان سراييفو ما يزال أحد أهم المنصات الإقليمية لاكتشاف الأصوات الجديدة والسينما ذات الحس الاجتماعي والإنساني.
الحكاية: من الفقد إلى التعلّق ثم اختبار الواقع
تدور القصة حول ماروشا، شابة في منتصف العشرينيات تنكسر نفسياً بعد وفاة والدتها، فتجد نفسها معلقة بين الحداد والضياع وعدم القدرة على إعادة ترتيب حياتها. في تلك اللحظة الهشة، تبدأ علاقة عبر الإنترنت مع أليا، وهي ممرضة سلوفينية تعيش وتعمل في بلدة ساحلية صغيرة في ألمانيا. مع الوقت، تنمو بين الاثنتين صداقة تبدو صادقة وعميقة، تقوم على مشاركة الألم والسخرية من قسوة الحياة اليومية.
لكن الفيلم لا يكتفي بفكرة “الإنترنت كملاذ”، بل يذهب إلى المنطقة الأكثر حساسية: ماذا يحدث حين تنتقل العلاقة الرقمية إلى مساحة الحياة الفعلية؟ حين تسافر ماروشا لقضاء رأس السنة مع صديقتها الجديدة، تبدأ الصورة في التبدل، وتظهر التناقضات المرتبطة بالصحة، والظروف الاقتصادية، والخيارات الشخصية، والنسخ التي نصنعها عن أنفسنا أمام الآخرين.
هذه الفرضية تمنح الفيلم بعداً معاصراً جداً، من دون الوقوع في الوعظ أو شيطنة وسائل التواصل. على العكس، يبدو أن مينارت تتعامل مع العالم الرقمي كامتداد طبيعي للوحدة الحديثة، لا كسبب منفصل عنها. لذلك فإن الفيلم أقرب إلى دراما حميمة عن الاحتياج الإنساني إلى القرب، حتى لو جاء هذا القرب عبر شاشة.
أورشا مينارت واستكمال مشروعها السينمائي
الفيلم الجديد لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن المسار الإبداعي للمخرجة السلوفينية أورشا مينارت، التي عُرفت سابقاً بفيلمها الروائي الطويل My Last Year as a Loser عام 2018. المواد التعريفية الخاصة بالفيلم الجديد، إلى جانب تغطية مهنية حديثة للمهرجان، تشير إلى أن مينارت تواصل هنا انشغالها بتجربة النساء الشابات، لكن بنبرة أكثر هدوءاً وتأملاً، وبمساحة أوسع لأسئلة الحزن والعزلة والهجرة العاطفية والاجتماعية.
ومن اللافت أن المشروع مرّ أيضاً عبر منصات التطوير الإقليمي قبل اكتماله، كما أن قاعدة البيانات السلوفينية تشير إلى أنه حصل في 2024 على جائزة Studio BEEP لخدمات ما بعد الإنتاج الصوتي خلال فعاليات Connecting Cottbus. هذا النوع من الدعم يوضح أن الفيلم كان حاضراً مبكراً في دوائر الصناعة الأوروبية قبل وصوله إلى شاشة العرض.
لماذا يهم جمهور مصر والعالم العربي؟
رغم أن الفيلم ينتمي جغرافياً إلى البلقان وأوروبا الوسطى، فإن موضوعه شديد القرب من تجارب الشباب في المنطقة العربية. كثير من العلاقات اليوم تبدأ على المنصات الاجتماعية، وكثير من الشباب يختبرون شكلاً جديداً من الوحدة رغم الحضور الدائم على الإنترنت. من هنا، يكتسب الفيلم قيمة أبعد من كونه عنواناً مهرجانياً؛ فهو يقرأ شعوراً عابراً للحدود: أن تكون محاطاً بالاتصال، لكنك تفتقد القرب الحقيقي.
هذه الثيمة بالذات تفتح باباً لاهتمام جمهور الأقسام المعنية بالسينما الإقليمية والعابرة للحدود، لأن الفيلم لا يقدم “قضية أوروبية” مغلقة، بل يشتبك مع تجربة إنسانية معولمة. كما أن حضور إنتاج مشترك بين سلوفينيا وألمانيا وصربيا يعكس أيضاً كيف تتحرك السينما في هذه المنطقة عبر الشراكات العابرة للبلدان، وهي صيغة تزداد أهميتها في المشهد المستقل.
عناصر فنية أساسية
- المدة: 97 دقيقة.
- النوع: فيلم روائي طويل.
- سنة الإنتاج: 2026.
- بلدان الإنتاج: سلوفينيا، ألمانيا، صربيا.
- الإخراج والسيناريو: أورشا مينارت.
- التصوير: روي فان إيغموند.
- المونتاج: لوكاس ميهيلياك.
- الموسيقى: سيمون بينشيك وألينيا بيفكو كنجيجيفيتش.
قراءة أولية في مكانة الفيلم
من المبكر بالطبع إصدار حكم نهائي على المسار التجاري أو الجوائزي للفيلم بعد عرضه العالمي الأول في 16 أغسطس 2026 داخل برنامج مهرجان سراييفو، لكن المؤشرات الأولية توحي بأنه من الأعمال المرشحة لجذب اهتمام دوائر المهرجانات والموزعين المهتمين بالأفلام ذات الحس النسائي والبعد الإنساني. كما أن وجوده في المسابقة الرسمية يمنحه دفعة مهمة في موسم الخريف الأوروبي.
في المحصلة، يقدّم Everything That’s Wrong With You نموذجاً لفيلم صغير في حجمه، لكنه كبير في حساسيته تجاه تحولات العلاقات الإنسانية المعاصرة. هو فيلم عن الفقد، نعم، لكنه أيضاً عن الصداقة كحبل نجاة، وعن الفجوة بين ما نظهره على الإنترنت وما نعجز عن قوله عندما نصير في الغرفة نفسها. ولهذا بالتحديد، يبدو عملاً جديراً بالمتابعة عربياً، لا بوصفه خبراً مهرجانياً عابراً، بل كمرآة لزمن كامل يعيش فيه الناس متصلين أكثر من أي وقت، ووحيدين أكثر من أي وقت أيضاً.