فيلم عراقي كردي يدخل سباق الأوسكار بقصة قناصة بيشمركة
العراق يراهن على حكاية كردية نسائية في سباق الأوسكار
دخل الفيلم العراقي «لا جنة لمن تقتله امرأة» دائرة الاهتمام السينمائي عربياً ودولياً بعد اختياره ممثلاً رسمياً للعراق في منافسات أفضل فيلم روائي دولي ضمن الدورة الـ99 من جوائز الأوسكار، المقرر أن تُقام في 2027. ويأتي هذا الترشيح في توقيت مهم للسينما العراقية، التي تواصل خلال السنوات الأخيرة توسيع حضورها في المهرجانات والمنصات الدولية عبر أفلام تستند إلى تجارب محلية شديدة الخصوصية، لكنها تحمل في الوقت نفسه أبعاداً إنسانية تتجاوز حدود البلد.
وبحسب ما أعلنته اللجنة الوطنية العراقية المكلّفة من وزارة الثقافة العراقية – دائرة السينما والمسرح، فقد جرى اختيار الفيلم بإجماع أعضاء اللجنة بعد تقييم فني للأعمال المؤهلة، مع الإشارة إلى قوة الرؤية الإخراجية وتماسك العناصر البصرية والتقنية في العمل. هذا القرار، الذي أُعلن يوم 4 سبتمبر/أيلول 2026، منح الفيلم دفعة مبكرة قبل ظهوره الدولي الأوسع.
ما قصة الفيلم؟
يدور الفيلم حول فيان، وهي قناصة كردية نجت من أهوال الحرب بعدما دفنت مشاعرها كي تستمر. لكن حياتها تنقلب عندما تكتشف أن شقيقتها الصغرى، المفقودة منذ هجوم تنظيم داعش على الموصل في 2014، قد تكون ما زالت على قيد الحياة. عندها تعود إلى الموصل، لا لتنفيذ مهمة قتالية فقط، بل لخوض رحلة إنقاذ ومواجهة شخصية مع الذاكرة والصدمة.
العمل من تأليف وإخراج هلكوت مصطفى، المخرج الكردي-النرويجي المنحدر من كردستان العراق، والذي سبق أن ارتبط اسمه بأفلام مثل El Clásico وكذلك الوثائقي Hiding Saddam Hussein. وتؤدي البطولة فيه الممثلة الكردية أفان جمال، إلى جانب الممثل النرويجي ثوربيورن هار، مع مشاركة كانار سارشل وقادر جلال.
عرض عالمي أول في مهرجان فينيسيا
أهمية اختيار الفيلم للأوسكار لا تنفصل عن مساره المهرجاني. فالفيلم شهد عرضه العالمي الأول يوم 7 سبتمبر/أيلول 2026 ضمن برنامج Venice Open – Out of Competition في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي بدورته الثالثة والثمانين، وذلك في قاعة Sala Grande. كما جرى الإعلان عن عرض صناعي لاحق في TIFF The Market خلال فعاليات تورونتو يوم 14 سبتمبر/أيلول 2026.
وبالنسبة للقارئ المصري، فهذه التفاصيل تهم لأنها تشير إلى أن الفيلم لا يتحرك فقط باعتباره ترشيحاً وطنياً، بل باعتباره مشروعاً سينمائياً صُمم منذ البداية لامتلاك فرصة تداول دولي حقيقية، سواء في المهرجانات أو في سوق التوزيع.
من أين استلهم هلكوت مصطفى الحكاية؟
وفق المعلومات المنشورة من المعهد النرويجي للأفلام، فإن هلكوت مصطفى استلهم الفيلم من لقائه بقناصة من قوات البيشمركة النسائية على خطوط المواجهة في عام 2014. هذا الأصل الواقعي يفسر نبرة الفيلم التي تمزج بين الدراما النفسية وأجواء الحرب، من دون أن تحوّل البطلة إلى مجرد رمز تجريدي؛ بل إلى امرأة تحمل جرحاً شخصياً داخل سياق عسكري وسياسي أكبر.
هذه الزاوية تحديداً قد تمنح الفيلم ثقلاً مختلفاً في النقاشات السينمائية العربية، لأنه لا يكتفي باستعادة المعركة ضد تنظيم داعش من منظور عام، بل يضع امرأة كردية في مركز الصورة، بوصفها فاعلة ومقاتلة وصاحبة قضية عائلية في آن واحد. ومن هنا تأتي فرادة المشروع داخل مشهد السينما العربية الأوسع، الذي لا يزال يقدم عدداً محدوداً نسبياً من أفلام الحرب من منظور نسائي مباشر.
إنتاج مشترك وتوزيع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
الفيلم من إنتاج Hene Films في النرويج، مع شراكات إنتاجية تشمل La Media في كردستان العراق وThe Chimney Pot في السويد. أما على مستوى التوزيع الإقليمي، فقد حصلت شركة Empire Entertainment على حقوق التوزيع السينمائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مايو/أيار 2026، مع خطة لطرح الفيلم في 16 دولة بالمنطقة.
هذا التطور مهم لسوق العرض العربي، لأنه يرفع احتمالات وصول الفيلم إلى صالات في المنطقة، بما فيها أسواق يتابع جمهورها الأفلام ذات الخلفيات السياسية والإنسانية القادمة من العراق وسوريا والمنطقة الكردية. كما يمنح العمل فرصة للتفاعل مع جمهور عربي أوسع، لا سيما إذا جرى تسويقه باعتباره فيلماً يجمع بين التشويق والبعد الإنساني، وليس فقط بوصفه عنواناً مهرجانياً نخبوياً.
لماذا يبدو الترشيح مهماً للسينما العراقية؟
اختيار «لا جنة لمن تقتله امرأة» يأتي في لحظة تواصل فيها السينما العراقية البحث عن موطئ قدم أكثر ثباتاً داخل سباق الأوسكار. وفي السنوات الأخيرة، تعزز حضور الأفلام العراقية في المحافل الكبرى بشكل أوضح، وهو ما يعكس تطوراً تدريجياً في الصناعة، خصوصاً في الأعمال التي تمزج بين الخبرة المحلية والإنتاجات المشتركة مع أوروبا.
اللافت هنا أن الفيلم ينتمي إلى مساحة عراقية-كردية عابرة للحدود، وهو ما يجعله قريباً من نمط الإنتاجات العربية المعاصرة التي تنطلق من هوية محلية واضحة، لكنها تستفيد من شبكات تمويل وتوزيع دولية. بالنسبة لمتابعي الشأن السينمائي في مصر، هذه واحدة من النقاط التي تفسر لماذا صارت أفلام المنطقة تصل أسرع إلى الأوسكار والمهرجانات الكبرى: ليس فقط بسبب الموضوع، بل أيضاً بسبب بنية الإنتاج والعرض.
أبطال العمل وفريقه الفني
تقود أفان جمال البطولة في دور فيان، وهو الدور الذي يبدو محورياً في نجاح الفيلم أو محدوديته، لأن البناء كله تقريباً يعتمد على قدرة الشخصية على حمل التوتر الداخلي للحكاية. ويشاركها البطولة ثوربيورن هار، إلى جانب كانار سارشل وقادر جلال. أما على المستوى الفني، فيضم العمل مدير التصوير جون إرلينغ هـ. فريدريكسن، والمونتيرة ويبيكه رونسيث، ومصمم المناظر ميكائيل فارهيلي، ومصمم الأزياء روجيار تهمورس نيا، والموسيقي تروند بييركنس.
أبرز الحقائق المؤكدة عن الفيلم
- العنوان: لا جنة لمن تقتله امرأة
- المخرج والمؤلف: هلكوت مصطفى
- بطولة: أفان جمال، ثوربيورن هار، كانار سارشل، قادر جلال
- المدة: 110 دقائق
- اللغة: الكردية
- البلدان: النرويج وكردستان العراق، مع شراكات إنتاجية إضافية
- العرض العالمي الأول: 7 سبتمبر 2026 في مهرجان فينيسيا
- الترشيح الرسمي: ممثل العراق في أوسكار 2027 لفئة أفضل فيلم روائي دولي
قراءة أولية: بين فيلم حرب ودراما نجاة
من المبكر الجزم بمصير الفيلم في سباق الأوسكار، خصوصاً أن المنافسة الدولية لا تتحدد فقط بجودة الموضوع، بل أيضاً بتوقيت الحملة، والاستقبال النقدي، وديناميكيات التوزيع والعروض. لكن المؤكد أن الفيلم يمتلك عناصر لافتة: بطلة نسائية في قلب حرب، خلفية عراقية كردية، صلة مباشرة بحدث لا يزال حاضراً في ذاكرة المنطقة، ومسار دولي بدأ من فينيسيا.
بالنسبة لقسم السينما العربية، فإن أهمية الخبر لا تكمن في مشاركة عراقية جديدة وحسب، بل في طبيعة الفيلم نفسه: عمل يربط الحرب بالهوية والنجاة والذاكرة النسائية، ويضع قصة من شمال العراق داخل واحدة من أهم منصات السينما العالمية. وإذا نجح لاحقاً في الوصول إلى جمهور عربي واسع، فقد يتحول من مجرد مرشح رسمي إلى عنوان بارز في موسم الأفلام القادمة من المنطقة.