Filmatology

فيلم «فولان» يعيد قراءة أسطورة فولان ديفي من حصار دام 48 ساعة

ريتشي ميهتا يعود إلى واحدة من أكثر الشخصيات جدلًا في تاريخ الهند الحديث

اختار المخرج والكاتب ريتشي ميهتا أن يقترب من سيرة فولان ديفي عبر لحظة واحدة شديدة الكثافة، بدلًا من إعادة سرد حياتها كاملة من البداية إلى النهاية. الفيلم الجديد «فولان» لا يقدّم بورتريهًا تقليديًا لشخصية عاشت بين الفقر والعنف والسياسة، بل يضع المشاهد داخل حصار امتد 48 ساعة، في واقعة يعتبرها العمل اللحظة التي أعادت تشكيل صورتها في الوعي العام بوصفها «ملكة قطاع الطرق».

الاهتمام بالفيلم تصاعد بعد عرضه العالمي الأول ضمن قسم Special Presentations في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2026، حيث أُدرج ضمن برنامج الدورة الحادية والخمسين التي تُقام بين 10 و20 سبتمبر 2026، فيما حُددت إحدى عروضه يوم 16 سبتمبر في تورونتو. هذه التفاصيل تؤكد أن المشروع لم يعد مجرد تطوير إنتاجي، بل دخل بالفعل دائرة العرض الدولي والنقاش النقدي.

لماذا لم يرد ميهتا صنع الفيلم في البداية؟

بحسب ما كشفه ميهتا في مقابلات حديثة، فإن تردده الأول لم يكن فنيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا. المخرج الكندي-الهندي، المعروف جماهيريًا بأعمال مثل Delhi Crime وPoacher، قال إنه لم يشعر منذ البداية بأنه صاحب الموقع الطبيعي ليروي هذه القصة، خصوصًا أنه رجل ومن أبناء الشتات الهندي. لكن موقفه تغيّر بعد قراءة السيرة الذاتية المنسوبة إلى فولان ديفي، I, Phoolan: The Autobiography of India’s Bandit Queen، وهي المادة التي حصلت شركة Namah Pictures على حقوقها قبل تطوير الفيلم.

هذا التردد منح المشروع، paradoxically، زاوية أكثر حذرًا. فبدل أن يتعامل مع فولان ديفي كأيقونة جاهزة أو ضحية نموذجية، سعى ميهتا إلى بناء الفيلم على كلماتها هي كما وردت في السيرة، مع التركيز على مفهوم الفاعلية أو القدرة على انتزاع القرار وسط ظروف قاسية من الفقر والعنف الطبقي والجندري.

من هي فولان ديفي ولماذا تعود إلى الشاشة الآن؟

بالنسبة إلى القارئ العربي، وربما المصري تحديدًا، تبدو قصة فولان ديفي قريبة من نماذج نسائية في السينما الإقليمية تحوّلت فيها المظلومية الاجتماعية إلى سؤال عن العدالة والانتقام والسلطة. فولان ديفي وُلدت عام 1963 في قرية صغيرة بولاية أوتار براديش، وعاشت طفولة قاسية قبل أن تتحول لاحقًا إلى اسم مدوٍّ في منطقة شامبال. وبعد سنوات من المطاردة، سلّمت نفسها للسلطات عام 1983، وقضت 11 عامًا في السجن، ثم خرجت إلى المجال العام ودخلت السياسة، وانتُخبت مرتين عضوًا في البرلمان عن ميرزابور، قبل اغتيالها في نيودلهي يوم 25 يوليو 2001.

هذه السيرة ليست جديدة على الشاشة. فحياة فولان ديفي ألهمت سابقًا فيلم Bandit Queen للمخرج شيخار كابور عام 1994، وهو الفيلم الذي قامت ببطولته سيما بيسواس، وظل لسنوات المرجع الأشهر سينمائيًا لحكاية فولان. لكن الفيلم الجديد لا ينافس ذلك العمل عبر الاتساع الزمني، بل عبر التضييق الدرامي والتركيز على واقعة بعينها.

فيلم إثارة تاريخي أكثر منه سيرة تقليدية

أهم ما يميز «فولان» أن ميهتا اختار تحويل القصة إلى بناء شبه حصاري، أقرب إلى أفلام الإثارة والبقاء، بدل النمط التقليدي لأفلام السيرة. المعلومات المنشورة عن الفيلم تشير إلى أنه يتمحور حول مواجهة استمرت 48 ساعة، حوصرت خلالها فولان وهي في السابعة عشرة تقريبًا داخل قرية، وسط قوة ضخمة قُدّر عدد أفرادها بنحو 2000 مسلح. تلك اللحظة، بما حملته من قتل لشريكها فيكرام مالاه وما تلاها من عنف وحشي، تُقدَّم بوصفها النقطة التي صاغت صورتها التاريخية.

ومن منظور صناعي، فإن هذا الاختيار ذكي أيضًا؛ لأن ضغط الزمن داخل الفيلم يمنح القصة إيقاعًا أسرع وفرصة أوسع للوصول إلى جمهور معاصر قد لا ينجذب بسهولة إلى دراما سيرة طويلة ومتشعبة. ميهتا نفسه أوضح أن هدفه لم يكن إنتاج فيلم فني بطيء الإيقاع، بل عمل قادر على مخاطبة جمهور أصغر سنًا من دون الوقوع في استغلال العنف أو تسليع معاناة الشخصية.

تصوير شاق في شامبال وإنتاج تقوده Namah Pictures

المخرج وصف تجربة التصوير بأنها الأكثر قسوة بدنيًا في مسيرته، موضحًا أن الفيلم صُوِّر على مدى ثلاثة أشهر في منطقة شامبال نفسها، وهي بيئة وعرة وصعبة لوجستيًا بسبب الحرارة وطبيعة الأرض وصعوبة نقل المعدات اللازمة لبناء هذا الحجم من المشاهد. هذا التفصيل مهم لأنه يوضح أن الفيلم لا يكتفي باستحضار فولان ديفي كرمز، بل يحاول إعادة خلق جغرافيتها الأصلية بصريًا.

ويقف وراء المشروع فريق Namah Pictures، وهي شركة إنتاج هندية يقودها شيرين مانتري كيديا وكيشور أرورا، وقدمت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الأعمال السينمائية والدرامية الهندية، ما يعزز موقع «فولان» ضمن موجة من المشاريع التي تمزج بين الطابع المحلي والطموح العالمي. كما تشير تغطيات حديثة إلى أن الفيلم يأتي ضمن شراكة إنتاجية تضم Amazon MGM Studios وPrime Video إلى جانب Namah Pictures.

من يشارك في البطولة؟

التقارير المتاحة حتى الآن تفيد بأن الممثلة سنيها كوماري تؤدي الدور الرئيسي في أول تجربة تمثيلية سينمائية لها، بينما يشارك في البطولة فيكرام براتاب سينغ في دور فيكرام مالاه، إلى جانب أسماء أخرى منها أكاش داهيا وبراتيك باتشوري وديف دوت بودوليا. وحتى الآن، لا تزال بعض قواعد البيانات الفنية تسجل معلومات مختلفة جزئيًا بشأن الأسماء، لذلك يبقى الأوثق هو ما ورد في التغطيات الصحفية الحديثة المرتبطة بمواد العرض والمهرجان.

ماذا يعني الفيلم لمتابعي السينما في مصر؟

في سوق عربي يتابع بقوة السينما الهندية بأشكالها المختلفة، يحمل «فولان» جاذبية خاصة لأنه ليس فيلمًا تجاريًا راقصًا ولا سيرة كلاسيكية مألوفة، بل عمل سياسي-إنساني عن امرأة صنعت حضورها في مواجهة بنية اجتماعية عنيفة. هذا النوع من القصص يلقى صدى لدى جمهور مصر الذي اعتاد متابعة أفلام وسلاسل هندية تناقش العدالة الطبقية والعنف ضد النساء وقوة الفرد أمام السلطة.

كما أن اسم ريتشي ميهتا بات معروفًا خارج الهند بفضل نجاح Delhi Crime، وهو ما يمنح الفيلم قيمة إضافية لدى جمهور المنصات في المنطقة، خاصة إذا حصل لاحقًا على طرح رقمي واسع عبر Prime Video. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، المؤكد رسميًا هو العرض العالمي الأول في تورونتو، بينما يظل توقيت الإتاحة التجارية الأوسع بحاجة إلى إعلان نهائي من الجهات المنتجة أو منصة العرض.

بين الذاكرة والسينما: هل ينجح «فولان» في تقديم قراءة جديدة؟

التحدي الحقيقي أمام الفيلم ليس فقط إعادة فتح ملف فولان ديفي، بل تقديمها خارج ثنائية «الضحية» و«الأسطورة». تصريحات ميهتا تشير بوضوح إلى أنه أراد الحفاظ على قدرة الشخصية على الفعل، لا الاكتفاء بتسجيل ما تعرضت له. وهذا ما قد يجعل «فولان» أحد أكثر الأعمال الهندية إثارة للنقاش في موسم المهرجانات الحالي، خصوصًا أنه يقترب من شخصية تاريخية ما زالت تثير انقسامًا حادًا بين من يراها رمزًا للتمرد ومن يراها عنوانًا لواحد من أكثر الفصول التباسًا في التاريخ الاجتماعي الهندي الحديث.

  • العنوان: «فولان»
  • الإخراج والكتابة: ريتشي ميهتا
  • الجهات المنتجة: Namah Pictures بالتعاون مع Amazon MGM Studios وPrime Video
  • العرض العالمي الأول: مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2026
  • زاوية الفيلم: حصار دام 48 ساعة غيّر مسار حياة فولان ديفي

إذا حافظ الفيلم على التوازن بين الحقيقة التاريخية والنبض السينمائي، فقد يصبح من أبرز العناوين الآسيوية التي تستحق المتابعة عربيًا هذا العام.