Filmatology

فيلم فيم فيندرز الجديد عن بيتر زومتور يلفت الأنظار في البندقية

وثائقي جديد يمزج السينما بالعمارة

يعود المخرج الألماني فيم فيندرز إلى الشاشة بفيلم وثائقي جديد يحمل عنوان From Inside Out – The Architecture of Peter Zumthor، وهو عمل يضع العمارة في قلب التجربة السينمائية بدلاً من التعامل معها كخلفية بصرية فقط. الفيلم عُرض ضمن قسم Venice Open – Out of Competition في مهرجان البندقية السينمائي 2026، وتحدد له عرض عام في 6 سبتمبر 2026 بقاعة Sala Grande، مع مدة عرض تبلغ 114 دقيقة.

وبالنسبة للقارئ العربي، وخصوصاً في مصر حيث يزداد الاهتمام بالأفلام الوثائقية ذات الطابع البصري والفكري، يلفت هذا المشروع الانتباه لأنه لا يقدّم سيرة تقليدية عن شخصية معمارية، بل يحاول نقل إحساس العيش داخل المكان نفسه، وكيف يمكن للبناء أن يؤثر في الذاكرة والمشاعر ونمط الحياة اليومية. هذا الرهان الجمالي هو ما يجعل الفيلم أقرب إلى تجربة حسية طويلة أكثر منه درساً نظرياً عن العمارة.

من هو بيتر زومتور؟

بطل الفيلم هو المعماري السويسري بيتر زومتور، أحد أبرز الأسماء في العمارة المعاصرة، والحاصل على جائزة بريتزكر للعمارة عام 2009، وهي من أهم الجوائز العالمية في هذا المجال. تشير السيرة الرسمية للجائزة إلى أن زومتور وُلد في 26 أبريل 1943 في بازل، وتدرّب في بداياته كنجّار قبل أن يتجه إلى التصميم والعمارة، وهو مسار يفسّر كثيراً من حضوره المعروف في التفاصيل المادية والخامات والحِرفية داخل مبانيه.

اشتهر زومتور بأعمال أصبحت علامات أساسية في العمارة الحديثة، بينها حمامات فالس الحرارية في سويسرا، ومتحف كولومبا في كولونيا، وكنيسة Brother Klaus Field Chapel في ألمانيا. وتصفه لجنة بريتزكر بأنه معماري يمنح المكان أولوية قصوى، ويهتم بتجربة الحركة داخل المبنى بقدر اهتمامه بالشكل الخارجي. هذا التصور هو نفسه الذي يبدو أن فيلم فيندرز يحاول التقاطه سينمائياً.

فيم فيندرز وتجربة الثلاثي الأبعاد

اللافت أن فيم فيندرز لم يتعامل مع المشروع كفيلم سريع الإنتاج. فبحسب المعلومات الرسمية الصادرة عبر موقعه، بدأ المشروع منذ سنوات تحت عنوان عمل مؤقت هو The Secret of Places، مع اختبار تصوير معلَن في 8 يوليو 2020. كما أوضح الموقع أن الفكرة كانت منذ البداية تقوم على التصوير بصيغتي 2D و3D، انطلاقاً من قناعة فيندرز بأن العمارة من الفنون التي تحتاج إلى البعد الثالث كي تُختبر على نحو كامل.

هذا ليس جديداً تماماً على صاحب Perfect Days وPina، إذ سبق أن أظهر اهتماماً واضحاً باستخدام الصورة المجسّمة حين يكون لها مبرر فني. في الفيلم الجديد، يوظّف فيندرز التقنية لكي يجعل المتفرج يتحرك بصرياً داخل الفراغات المعمارية، لا أن يكتفي بمشاهدتها من الخارج. ووفق صفحة الفيلم الرسمية في البندقية، استغرق تصوير العمل أكثر من 14 عاماً، وهي مدة تعكس طموحاً يتجاوز الفيلم التسجيلي العابر إلى مشروع تأملي طويل النفس.

ماذا يقدم الفيلم فعلياً؟

الفيلم يتتبع أعمال زومتور وفلسفته من خلال العلاقة بين الناس والأماكن التي يزورونها أو يعملون فيها أو يسكنونها. وبدلاً من الاكتفاء بالحديث عن الرسومات أو المخططات، يختار أن يمر عبر مستخدمين وحرفيين وزوار يعيشون هذه الفضاءات فعلاً. كما ينتقل من بيوت خاصة حميمة إلى مشاريع كبيرة، بينها David Geffen Galleries التابعة لمتحف LACMA في لوس أنجلوس، وهو أحد المشاريع التي ظهرت ضمن مسار العمل على الفيلم.

ومن الناحية الإنتاجية، الفيلم ثمرة تعاون بين Road Movies وDCM، وهو إنتاج ألماني-سويسري، بينما كتب فيندرز السيناريو بنفسه. ويضم العمل أسماء متعددة في الظهور، من بينها آنا تراوفر وسيري هوستفيت ومايكل جوفان وآفا دوفيرناي، مع تصوير لكل من Franz Lustig وSebastian Cramer، وموسيقى يشارك فيها Peter Conradin Zumthor وLaurent Petitgand وSophie Hunger.

لماذا يهم هذا الفيلم جمهور المنطقة العربية؟

في سياق عربي وأفريقي أوسع، يمكن النظر إلى الفيلم بوصفه تذكيراً بقيمة العمارة كجزء من الثقافة اليومية، لا كترف نخبوي. في مصر مثلاً، حيث يدور نقاش متواصل حول المدينة والذاكرة والعمران والهوية البصرية، تبدو أفلام من هذا النوع قادرة على جذب شريحة مهتمة بالفنون البصرية والوثائقيات الهادئة ذات البعد التأملي. كما أن وجود الفيلم في مهرجان بحجم البندقية يمنحه فرصة للوصول لاحقاً إلى دوائر العرض الفنية والمهرجانات التي تهتم بالأفلام غير التجارية في المنطقة.

الأهم أن الفيلم لا يقدّم العمارة بلغة تقنية مغلقة، بل عبر سؤال بسيط ومباشر: كيف تصنع المباني علاقتنا بالعالم؟ هذا السؤال قريب من اهتمامات جمهور عربي يعيش تحولات عمرانية سريعة، من إعادة تشكيل المدن إلى النقاش حول المباني العامة والمتاحف والفضاءات المشتركة. ومن هنا تأتي راهنية العمل حتى لو كان موضوعه الأساسي معمارياً أوروبياً.

قراءة أولية: بين الإبهار البصري والإيقاع المتأمل

الانطباع العام الذي يفرض نفسه من المواد الرسمية المتاحة هو أن الفيلم يراهن قبل كل شيء على الإبهار الحسي والانغماس داخل الصورة. لكن هذا الخيار نفسه قد يجعل إيقاعه بطيئاً بالنسبة لمن ينتظر وثائقياً تقليدياً سريع المعلومات. ففيم فيندرز يبدو منشغلاً هنا بإنتاج حالة مشاهدة أكثر من حرصه على بناء حبكة درامية بالمعنى المعتاد. وهذه نقطة قوة أو ضعف بحسب ذائقة المتلقي.

مع ذلك، فإن اجتماع اسم فيندرز مع اسم بيتر زومتور يمنح الفيلم وزناً ثقافياً واضحاً. الأول مخرج له تاريخ طويل في تحويل التأمل الفلسفي إلى صورة، والثاني معماري بنى سمعته على التعامل مع المادة والضوء والصمت بوصفها عناصر حية. لذلك يبدو From Inside Out أقرب إلى لقاء بين رؤيتين فنيتين كبيرتين، لا مجرد فيلم عن مهندس شهير.

أبرز الحقائق المؤكدة عن الفيلم

  • العنوان: From Inside Out – The Architecture of Peter Zumthor.
  • المخرج وكاتب السيناريو: فيم فيندرز.
  • مدة العرض: 114 دقيقة.
  • بلد الإنتاج: ألمانيا وسويسرا.
  • العرض الأبرز: خارج المسابقة في مهرجان البندقية 2026 يوم 6 سبتمبر 2026.
  • فكرة الفيلم: استكشاف أعمال وفلسفة بيتر زومتور عبر تجربة تصوير ثلاثية الأبعاد ممتدة على أكثر من 14 عاماً.
  • بيتر زومتور: معماري سويسري فاز بجائزة بريتزكر عام 2009.

في المحصلة، يبدو هذا الفيلم واحداً من الأعمال التي قد لا تستهدف جمهور الشباك الواسع، لكنها مرشحة لأن تصبح مادة أساسية لعشاق السينما الفنية والعمارة معاً. وبالنسبة للقارئ المصري والعربي، فهو عنوان يستحق المتابعة ليس فقط بسبب اسم فيم فيندرز، بل لأنه يعيد فتح نقاش مهم: كيف يمكن للسينما أن ترى المكان، وكيف يمكن للمكان أن يعيد تشكيل الإنسان؟