فيلم «Hijamat» لنادر ساعيور: دراما عائلية تهز كارلوفي فاري
فيلم «Hijamat» يفتتح نقاشًا صعبًا داخل العائلة والدين والهوية
جاء العرض العالمي الأول لفيلم «Hijamat» ضمن المسابقة الرسمية «Crystal Globe Competition» في مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي 2026، ليؤكد أن المخرج الإيراني نادر ساعيور يواصل بناء مشروعه السينمائي على مناطق التوتر الأكثر حساسية: العائلة، السلطة الاجتماعية، والهوية الفردية. الفيلم أُدرج رسميًا في برنامج المهرجان بوصفه إنتاجًا ألمانيًا لعام 2026، بزمن عرض يبلغ 103 إلى 104 دقائق بحسب المواد التعريفية المختلفة للمهرجان والمنصات السينمائية المتخصصة.
بالنسبة لقارئ السينما في مصر، تبدو أهمية الفيلم مضاعفة؛ فهو لا يقدّم حكاية عائلية مغلقة فقط، بل يفتح ملفًا أوسع يتعلق بالعيش بين ثقافتين، وبكيفية تصادم القيم التقليدية مع الأسئلة الحديثة حول الحرية الشخصية والانتماء. هذه الزاوية تحديدًا تجعل «Hijamat» أقرب إلى أفلام المهرجانات التي تراهن على النقاش بعد العرض، لا على الحسم السريع داخل الشاشة.
ما قصة «Hijamat»؟
وفق الملخص الرسمي المنشور من مهرجان كارلوفي فاري، تدور الأحداث حول مراد، رجل في الخمسين من عمره، تنقلب حياته حين يكتشف أن شقيقه الأصغر مثلي. يحاول مراد مساندته، لكن الأسرة المسلمة المحافظة ترفض الأمر، لتبدأ ضغوط متعارضة تأتيه من الأب المرتبط بالإمام المحلي، ومن دائرة أصدقاء الشقيق أيضًا. ومع تصاعد التوتر، يدخل مراد بدوره في دوامة أزمات تكشف أن حاجته إلى المساعدة لا تقل عن حاجة من يحاول إنقاذهم.
النسخة الأخرى من عرض المشروع في منصة Central Stage التابعة للمهرجان تضيف تفصيلًا مهمًا عن بؤرة الصراع: العلاقة السرية الخاصة بـكريم/كيرم تنفجر داخل عائلة شديدة التدين، فيما يحاول شقيقه حمايته من طقس طرد أرواح خطير. هذا التفصيل يوضح أن الفيلم لا يشتغل فقط على الانقسام الأخلاقي، بل على الكيفية التي تتحول بها المعتقدات إلى أداة ضغط على الجسد والاختيار الشخصي.
عنوان الفيلم ومعناه الدرامي
العنوان «Hijamat» يحيل مباشرة إلى الحجامة أو العلاج بالكؤوس، وهي ممارسة معروفة في الطب التقليدي الفارسي وتظهر في أدبيات طبية منشورة باعتبارها أحد أشكال العلاج غير الدوائي في التراث الإيراني. اختيار هذا الاسم لا يبدو زخرفيًا، بل يوحي بفكرة التطهير أو إخراج الألم من الجسد، وهي استعارة مناسبة لفيلم يبني دراماه على عائلة تحاول تفريغ توترها عبر السيطرة والعقاب بدل الفهم والحوار.
ومن زاوية نقدية، فإن العنوان ينجح في منح الفيلم طبقة رمزية إضافية: الشخصيات هنا لا تبحث عن شفاء جسدي بقدر ما تعيش محاولة قاسية لـ«تنظيف» ما تعتبره انحرافًا أو عارًا أو خطرًا على تماسك الأسرة. بهذا المعنى، يصبح الاسم مفتاحًا لقراءة الفيلم أكثر من كونه مجرد إشارة ثقافية.
نادر ساعيور وجعفر بناهي: شراكة مستمرة رغم الغياب
أحد أكثر عناصر الاهتمام بالفيلم هو استمرار التعاون بين نادر ساعيور وجعفر بناهي. المواد الرسمية لمهرجان كارلوفي فاري تؤكد أن بناهي شارك في إنتاج الفيلم ومونتاجه، بينما تذكر تقارير صناعية متخصصة أن هذه الشراكة امتداد لعلاقة مهنية طويلة بين الطرفين.
ساعيور ليس اسمًا جديدًا على دوائر السينما الفنية. قبل «Hijamat»، قدّم «The Alien (Namo)»، ثم «No End»، وبعدها «The Witness (Shahed)» الذي عُرض في مهرجان فينيسيا 2024 وفاز بجائزة الجمهور في قسم Orizzonti Extra. كما ارتبط اسمه سابقًا بكتابة مشتركة مع بناهي في «3 Faces»، الفيلم الذي نال جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان 2018. لذلك فإن «Hijamat» لا يظهر كعمل منفصل، بل كحلقة جديدة في مسار واضح يهتم بالاشتباك بين الفرد والمنظومة.
الحديث المتداول حول عرض الفيلم من دون حضور بناهي أضفى على العمل بُعدًا إنسانيًا وسياسيًا إضافيًا، خصوصًا أن بناهي ارتبط لسنوات بقيود السفر والمنع داخل إيران. لكن حتى مع غيابه الجسدي عن بعض المحافل، تبقى بصمته واضحة هنا عبر المونتاج والإنتاج، أي في مستويين أساسيين من تشكيل إيقاع الفيلم وهويته النهائية.
طاقم التمثيل والإنتاج
يضم الفيلم مجموعة لافتة من الممثلين، بينهم Kida Khodr Ramadan في دور مراد، وJael Cem Ilhan، وNicolette Krebitz، وMoritz Bleibtreu، وNastassja Kinski، وAziz Capkurt، إضافة إلى Vedat Erincin وDerya Durmaz. هذا الخليط يوضح أن الفيلم، رغم انشغاله ببيئة أسرية محافظة، يتحرك في إطار إنتاج أوروبي منفتح على أكثر من خلفية ثقافية.
على مستوى الصناعة، تتولى ArtHood Films الإنتاج، مع شركات مشاركة هي sugarWorkz وLightburst Pictures GmbH وJPJ Film Productions. أما المبيعات العالمية فتديرها ArtHood Entertainment، بينما تتولى Neue Visionen Filmverleih التوزيع في ألمانيا. كما أن تصوير الفيلم تم في برلين، وهو تفصيل مهم لأن المدينة ليست مجرد موقع تصوير، بل جزء من خلفية الحكاية المرتبطة بالهجرة والحياة بين هويات متعددة.
كيف يقرأ الفيلم موضوعاته؟
من خلال الخطوط التي كشفتها المواد الرسمية، يبدو أن «Hijamat» لا يقدّم صدامًا مباشرًا بين «الحداثة» و«التقليد» بصيغة مبسطة، بل يضع بطلًا مركزيًا في المنتصف: رجل يريد مساندة شقيقه، لكنه في الوقت نفسه أسير شبكة من الضغوط العائلية والدينية والاجتماعية. هذه المنطقة الرمادية غالبًا هي ما يمنح أفلام ساعيور قوتها؛ إذ يفضل الشخصيات الممزقة على الشخصيات الشعارية.
كذلك يلفت الفيلم الانتباه إلى مسألة الهجرة والحوار داخل المجتمعات المسلمة نفسها، لا فقط بين الشرق والغرب. وهذه نقطة قد تهم المتلقي المصري تحديدًا، لأن النقاش هنا لا يتعلق بصورة نمطية عن «الآخر»، بل بكيفية تشكل السلطة داخل البيت والجالية والمجتمع الصغير، وكيف يمكن للخوف من الفضيحة أن يتحول إلى عنف مقنّع باسم الحماية.
لماذا يستحق «Hijamat» المتابعة؟
هناك ثلاثة أسباب تجعل الفيلم من أبرز عناوين المتابعة في موسم المهرجانات:
- أولًا: لأنه يمثل العرض العالمي الأول لأحدث أعمال نادر ساعيور داخل واحدة من أهم مسابقات أوروبا الوسطى.
- ثانيًا: لأنه يعمّق تعاون ساعيور مع جعفر بناهي، أحد أبرز أسماء السينما الإيرانية المعاصرة.
- ثالثًا: لأن موضوعه يمس قضايا شائكة تتعلق بالهوية الجندرية، الدين، العائلة، والهجرة، من دون أن يتخلى عن قالب الدراما الإنسانية.
في قسم «مراجعات الأفلام»، يمكن القول إن «Hijamat» يبدو منذ الآن عملًا مرشحًا لإثارة انقسام نقدي صحي: بعض القراء سيرونه فيلمًا سياسيًا بامتياز، وآخرون سيتعاملون معه كدراما عائلية ثقيلة ومركبة. لكن المؤكد أن الفيلم يملك عناصر الجذب الأساسية لأي متابع للسينما الفنية: موضوع راهن، بناء إنساني ضاغط، وصانع أفلام يعرف جيدًا كيف يحوّل القلق الاجتماعي إلى مادة بصرية قابلة للنقاش.
وبين عنوانه المحمّل بالرمز، وحكايته التي تبدأ من البيت ولا تنتهي عنده، يرسخ «Hijamat» حضور نادر ساعيور كأحد الأصوات التي تستحق المتابعة عربيًا، لا سيما لدى جمهور المهرجانات في مصر الباحث عن أفلام تتجاوز الحكاية إلى الأسئلة الأصعب.