في ذكرى رحيل سناء مظهر.. فنانة مصرية اختارت الهدوء
في 6 أغسطس.. استعادة سيرة فنانة مصرية فضّلت الابتعاد عن الأضواء
تحل في 6 أغسطس ذكرى رحيل الفنانة المصرية سناء مظهر، التي غابت عن عالمنا يوم 6 أغسطس 2018 عن عمر ناهز 86 عامًا. ورغم أن رصيدها الفني لم يكن ضخمًا بالمعايير العددية، فإن اسمها بقي حاضرًا لدى جمهور السينما المصرية بفضل مجموعة أعمال ارتبطت بمرحلة مهمة من أفلام الستينيات والسبعينيات، ثم بظهور لافت في الدراما التاريخية والتليفزيونية لاحقًا.
سناء مظهر لم تكن من النجمات اللاتي اعتمدن على الظهور المستمر أو الحضور الإعلامي الصاخب، بل بدت تجربتها أقرب إلى المسار الهادئ الذي يراكم أثره ببطء. ولهذا يعود اسمها كل عام مع ذكرى رحيلها بوصفها واحدة من الفنانات اللاتي مررن في تاريخ الشاشة المصرية بخصوصية واضحة، ثم اخترن الابتعاد عن دوائر الشهرة.
مولدها وبداياتها في السينما المصرية
بحسب البيانات المنشورة في قاعدة elCinema، وُلدت سناء مظهر في 17 أغسطس 1932، وبدأت نشاطها الفني خلال الستينيات. ومن المحطات المبكرة اللافتة في مشوارها مشاركتها ضمن ثلاثي نسائي في فيلم بياعة الجرايد إلى جانب ماجدة ونعيمة عاكف، وهي محطة كثيرًا ما يجري التوقف عندها عند الحديث عن انطلاقتها.
كما ارتبط اسمها أيضًا بفيلم النظارة السوداء للمخرج حسام الدين مصطفى، وهو العمل الذي ساعد على تقديمها لجمهور أوسع داخل السينما المصرية. وبعد ذلك ظهرت في عدد من الأفلام التي منحتها مساحة مناسبة لإبراز حضورها على الشاشة، من بينها شاطئ المرح وأغلى من حياتي والعنب المر ومدرستي الحسناء.
لماذا تبدو تجربتها مختلفة؟
خصوصية سناء مظهر لا ترتبط فقط بعدد الأعمال، بل بطريقة وجودها داخلها. فقد انتمت إلى جيل شهد تحولات كبيرة في صناعة السينما، وكانت المنافسة فيه شديدة بين أسماء نسائية لامعة. ومع ذلك، احتفظت بمكانة خاصة لدى متابعي الأفلام الكلاسيكية، لأن ظهورها ارتبط بأدوار داعمة ومؤثرة أكثر من ارتباطه بالبطولات المطلقة أو الوجود الإعلامي المكثف.
فيلموجرافيا الفنانة على elCinema تُظهر أنها شاركت في 41 عملًا تمثيليًا عبر السينما والمسرح والتليفزيون والإذاعة، بينما يضم رصيدها السينمائي عددًا محدودًا من الأفلام مقارنة بإجمالي أعمالها. ومن هنا جاء وصفها الشائع بأنها من الفنانات اللاتي قدمن عددًا قليلًا نسبيًا من الأفلام، لكنهن تركن أثرًا أكبر من هذا الرقم.
من الشاشة إلى العزلة الاختيارية
واحدة من أكثر الزوايا التي تلفت الانتباه في سيرة سناء مظهر أنها لم تواصل السعي وراء الأضواء بالوتيرة المعتادة في الوسط الفني. فبحسب السيرة المنشورة على elCinema، تزوجت من الطيار الحربي حسن القصري، ثم استشهد في حرب الاستنزاف في نهاية الستينيات، ولم تتزوج بعده. وتشير السيرة نفسها إلى أنها ارتدت الحجاب وابتعدت عن المجال الفني لاحقًا.
هذا الابتعاد هو ما جعل اسمها يرتبط في ذاكرة قطاعات من الجمهور بفكرة الهروب من الشهرة أو على الأقل عدم الانجراف الكامل وراء بريقها. فقد فضّلت حياة أكثر هدوءًا، بعيدة عن السباق المعتاد على البطولات والظهور المتكرر، وهو قرار يفسر إلى حد كبير لماذا تبدو سيرتها اليوم مختلفة عن كثير من نجمات جيلها.
أعمال رسخت حضورها لدى الجمهور المصري
على مستوى السينما، تظل بعض العناوين الأكثر اقترانًا باسم سناء مظهر، وفي مقدمتها:
- بياعة الجرايد (1963)
- النظارة السوداء (1963)
- أغلى من حياتي (1965)
- العنب المر (1965)
- شاطئ المرح (1967)
- مدرستي الحسناء (1971)
أما على مستوى الدراما، فقد ظهرت في أعمال تاريخية ودينية لافتة، منها على هامش السيرة، إلى جانب مشاركات تليفزيونية لاحقة مثل البركان الهادئ والطريق إلى المدينة وبوابة المتولي. هذا التنوع يوضح أن مسيرتها لم تقتصر على أفلام الأبيض والأسود أو أدوار الفتاة الجميلة فحسب، بل امتدت إلى مساحات تمثيلية أخرى منحتها عمقًا مختلفًا.
حضور قليل.. وأثر ممتد
في حالات كثيرة داخل تاريخ الفن المصري، لا يكون المقياس الحقيقي هو كثافة الظهور، بل نوعية الحضور. وسناء مظهر مثال واضح على ذلك؛ فهي لم تكن من أكثر الفنانات إنتاجًا، لكنها بقيت جزءًا من ذاكرة المشاهدين المهتمين بالكلاسيكيات المصرية، خصوصًا أولئك الذين يتابعون أفلام الستينيات وما حملته من تحولات في صورة المرأة على الشاشة.
كما أن العودة إلى اسمها في كل ذكرى رحيل تكشف أن جمهور السينما المصرية لا يتذكر فقط أصحاب البطولات الكبرى، بل أيضًا الوجوه التي صنعت طابعًا خاصًا، ثم انسحبت في هدوء. وهذا ما يمنح قصة سناء مظهر قدرًا من الإنسانية والتميز داخل أرشيف الفن المحلي.
ذكرى رحيلها بعد سنوات من الغياب
في خبر الوفاة المنشور بتاريخ 6 أغسطس 2018، أُعلن رحيل سناء مظهر عن عمر 86 عامًا، مع الإشارة إلى أن العزاء أُقيم في مسجد الشرطة بصلاح سالم. ومنذ ذلك الوقت، صار يوم 6 أغسطس مناسبة يستعيد فيها محبو السينما المصرية اسم فنانة لم تسع إلى الضجيج، لكنها تركت لنفسها مكانًا واضحًا في الذاكرة.
وبالنسبة للقارئ المصري اليوم، تبدو سيرة سناء مظهر مثالًا على جيل من الفنانات اللاتي جمعن بين الحضور الفني والخصوصية الشخصية. فقد عاشت تجربة فنية بدأت في زمن ازدهار السينما المصرية، ومرّت عبر أفلام معروفة وأعمال تليفزيونية مهمة، ثم انتهت إلى عزلة شبه كاملة عن المشهد العام.
لهذا، فإن ذكرى رحيلها لا تبدو مجرد مناسبة عابرة في روزنامة الفن، بل فرصة لإعادة النظر في مشوار فنانة مصرية اختارت أن تترك بصمتها بهدوء، وأن تبتعد في الوقت نفسه عن صخب النجومية، لتبقى صورتها مرتبطة بأدوار قليلة العدد، لكنها راسخة في وجدان جمهور الشاشة العربية.