Filmatology

في ذكرى ميلاد عزت العلايلي.. وجه مصري ترك أثره في السينما

ذكرى ميلاد فنان ارتبط بالوجدان المصري

تتجدد في 15 سبتمبر ذكرى ميلاد الفنان الراحل عزت العلايلي، أحد الأسماء التي احتفظت بمكانة خاصة في تاريخ السينما المصرية. وُلد العلايلي في حي باب الشعرية بالقاهرة يوم 15 سبتمبر 1934، ورحل في 5 فبراير 2021 عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد مسيرة فنية طويلة تنقلت بين السينما والمسرح والتلفزيون، وترك خلالها حضورًا لافتًا في أعمال أصبحت جزءًا من ذاكرة المشاهد المصري.

ما ميّز عزت العلايلي لم يكن فقط عدد الأعمال التي شارك فيها، بل قدرته على الاقتراب من الشخصية المصرية العادية: الفلاح، الموظف، المثقف، والرجل الذي يعيش صراعًا مع المجتمع أو السلطة أو قسوة الحياة. لذلك ظل اسمه حاضرًا كلما جرى الحديث عن الممثلين الذين نقلوا الواقع المصري إلى الشاشة بصدق وبساطة بعيدًا عن الأداء المتكلف.

من باب الشعرية إلى المعهد العالي للفنون المسرحية

بحسب البيانات المنشورة عنه في الهيئة العامة للاستعلامات وموقع السينما.كوم، حصل عزت العلايلي على بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1960. لكن انطلاقته لم تأتِ مباشرة بعد التخرج، إذ اضطر إلى تأجيل التفرغ الكامل للفن لفترة بسبب مسؤولياته الأسرية، قبل أن يبدأ خطواته العملية في المجال الفني ويظهر في السينما مطلع الستينيات.

كانت بدايته السينمائية المبكرة في فيلم رسالة من امرأة مجهولة عام 1962، ثم شارك في العام نفسه في بين القصرين. ومنذ تلك اللحظة، بدأ مسار فني اتسع تدريجيًا، ليتحول العلايلي إلى أحد الوجوه الأساسية في أفلام تناولت التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر خلال عقود متعاقبة.

أدوار صنعت صورته لدى الجمهور

حين يُذكر اسم عزت العلايلي، يصعب تجاوز فيلم الأرض (1970) للمخرج يوسف شاهين. هذا العمل لا يُعد فقط من أبرز أفلامه، بل من العلامات الكبرى في تاريخ السينما المصرية. في هذا الفيلم، جسّد العلايلي نموذج الإنسان المرتبط بالأرض والكرامة والعدالة، وهي ثيمة ظلت ملازمة لصورته الفنية لدى قطاعات واسعة من الجمهور.

وفي العام التالي، شارك مع يوسف شاهين في فيلم الاختيار، مؤكّدًا حضوره في سينما جادة راهنت على الأسئلة النفسية والفكرية، لا على التسلية السريعة فقط. هذا المسار جعل العلايلي من الممثلين القادرين على الجمع بين الأداء الشعبي القريب من الناس، وبين الانضباط الفني الذي تتطلبه أعمال المخرجين الكبار.

وخلال السبعينيات والثمانينيات، واصل تقديم أدوار بارزة في أفلام مثل السقا مات، وزائر الفجر، وأهل القمة، ثم لاحقًا الإنس والجن، والطوق والإسورة، والطريق إلى إيلات. هذه الأعمال كشفت عن مرونة لافتة؛ إذ تحرك فيها بين الدراما الاجتماعية، والسياسية، والنفسية، وحتى الأعمال ذات الطابع الوطني.

«المواطن مصري».. ذروة التعبير عن الإنسان البسيط

يظل فيلم المواطن مصري من أكثر الأعمال اقترانًا باسم عزت العلايلي عند الحديث عن قدرته على تجسيد الواقع المصري. في هذا الفيلم، ظهر بملامح قريبة من الطبقة المتوسطة والشرائح المهمشة، وهي المساحة التي أجاد التحرك داخلها دون ضجيج. لم يعتمد على البطولات الصاخبة بقدر ما اعتمد على بناء شخصية تبدو كأنها خرجت من الشارع المصري نفسه.

ولهذا السبب، اعتبره كثيرون ممثلًا ينتمي إلى مدرسة الأداء الصادق؛ مدرسة تضع التفاصيل الصغيرة للشخصية في المقدمة، من نبرة الصوت إلى الانفعال المكتوم إلى الإحساس بالانتماء للمكان والطبقة الاجتماعية. وهي عناصر جعلت حضوره مقنعًا في الأدوار الوطنية والاجتماعية على السواء.

أعماله لم تقتصر على السينما

رغم أن بصمته الأوضح بقيت في السينما المصرية، فإن عزت العلايلي لم يكن بعيدًا عن المسرح والتلفزيون. شارك في أعمال مسرحية معروفة من بينها أهلا يا بكوات وثورة قرية، كما ظهر في عدد من المسلسلات والبرامج على امتداد عقود. هذه المساحة الواسعة من المشاركة صنعت فنانًا متعدد الأدوات، حافظ على صلته بأجيال مختلفة من الجمهور.

وتشير قواعد البيانات الفنية المصرية إلى أن رصيده شمل عددًا كبيرًا من الأعمال بين التمثيل في السينما والتلفزيون والمسرح، وهو ما يفسر استمرار حضوره في الذاكرة العامة حتى بعد رحيله. لم يكن مجرد نجم مرحلة، بل ممثلًا عبر أكثر من جيل، ونجح في كل مرة في إيجاد صيغة تجعله قريبًا من المتلقي.

لماذا بقي عزت العلايلي حاضرًا في الذاكرة؟

السبب الأهم في بقاء عزت العلايلي حاضرًا ربما يكمن في أنه لم يفصل الفن عن المجتمع. كثير من أدواره كانت انعكاسًا لأسئلة مصرية خالصة: العدالة، الفقر، الصراع الطبقي، الانتماء، وقيمة الأرض والوطن. ولهذا يشعر المشاهد المصري، حتى اليوم، أن مشاهدة أعماله ليست مجرد عودة إلى أفلام قديمة، بل عودة إلى مراحل كاملة من التاريخ الاجتماعي والثقافي المصري.

كما أن شخصيته الفنية لم تعتمد على صورة النجم المتعالي، بل على ممثل يذوب في الدور. هذه السمة تحديدًا جعلت أداءه يحتفظ بقيمته مع الزمن، لأن الأعمال التي تتأسس على الصدق الإنساني تعيش أطول من الأعمال المرتبطة بموضة عابرة أو نجاح موسمي.

تكريم متواصل بعد الرحيل

بعد رحيله في فبراير 2021، استمر اسم عزت العلايلي في الظهور ضمن فعاليات وملفات تكريم تستعيد رموز الفن المصري. كما أشار موقع السينما.كوم إلى تكريم اسمه من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما في مايو 2024 ضمن احتفالاتها باليوبيل الذهبي، في إشارة جديدة إلى أن أثره لم يتوقف عند حدود زمنه، بل امتد إلى الأجيال اللاحقة التي ما زالت ترى في أعماله نموذجًا للفنان الجاد.

في ذكرى ميلاده.. ما الذي نتذكره؟

في ذكرى ميلاد عزت العلايلي، لا يتوقف الأمر عند استعادة تاريخ الميلاد أو الوفاة، بل يتجاوز ذلك إلى استحضار مسيرة فنان عبّر عن مصر على الشاشة في لحظات قوتها وتحولاتها وأسئلتها الصعبة. من باب الشعرية إلى شاشات السينما، ومن أدوار الفلاح والعامل والمثقف إلى الشخصيات الوطنية المركبة، ترك العلايلي سجلًا فنيًا يصعب تجاوزه عند قراءة تاريخ الأداء التمثيلي في مصر.

  • تاريخ الميلاد: 15 سبتمبر 1934
  • مكان الميلاد: باب الشعرية، القاهرة
  • تاريخ الوفاة: 5 فبراير 2021
  • أبرز الأعمال: الأرض، الاختيار، السقا مات، أهل القمة، الطريق إلى إيلات، المواطن مصري
  • المؤهل: بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية 1960

وهكذا تبقى ذكرى ميلاد عزت العلايلي مناسبة مناسبة لتجديد النظر في أفلامه، ليس فقط باعتبارها جزءًا من تراث فني عريق، بل لأنها ما زالت قادرة على مخاطبة الجمهور المصري بلغة مفهومة وقريبة، لغة تعرف كيف تحكي عن الناس كما هم، لا كما يُراد لهم أن يظهروا على الشاشة.