كارلوفي فاري يسلّط الضوء على «Reminiscence» ومشاريع واعدة
كارلوفي فاري يواصل تثبيت مكانته كمحطة رئيسية لاكتشاف مشاريع السينما الجديدة
في وقت تزداد فيه أهمية أسواق ومختبرات التطوير داخل المهرجانات الكبرى، عاد مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي ليؤكد حضوره كواحد من أهم المنصات الأوروبية الداعمة للمواهب الصاعدة من وسط وشرق أوروبا، والبلقان، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وضمن فعاليات دورته الستين المقامة بين 3 و11 يوليو 2026، قدّم المهرجان عبر منصة KVIFF Promises باقة من المشاريع الروائية في مراحل التطوير، موجهاً أنظار الصناعة إلى عناوين جديدة مرشحة لترك أثر واضح في السنوات المقبلة.
وبحسب البرنامج الرسمي للمهرجان، تعرض KVIFF Promises هذا العام 38 مشروعاً موزعة على خمسة مسارات، تشمل الأفلام الروائية قيد التطوير، والمشاريع ذات الطابع الجريء، ومبادرات دعم المواهب، إلى جانب مشروعات قابلة للاقتباس. وتستهدف المنصة ربط صناع الأفلام بمنتجين وموزعين ومبرمجي مهرجانات وشركاء تمويل من أوروبا وخارجها، وهو ما يمنح هذه العناوين المبكرة فرصة حقيقية للتحول إلى أفلام مكتملة خلال الأعوام المقبلة.
«Reminiscence».. دراما أوكرانية عن الفقد والذاكرة في زمن الحرب
من بين العناوين التي لفتت الانتباه بقوة هذا العام يبرز المشروع الأوكراني Reminiscence، وهو فيلم درامي من إخراج وكتابة أناستاسيا تيخا وإنتاج داريا باسيل. ووفق ملف المشروع المنشور عبر كتاب المشروعات الرسمي للمهرجان، ينتمي الفيلم إلى أوكرانيا، وتُقدَّر ميزانيته بنحو 1,074,291 يورو، بينما يستهدف تاريخ عرض أولي في 2029.
تدور الحكاية حول شابة تُدعى ساشا تعود من كييف إلى بلدتها بعد مرور ثلاث سنوات على اختفاء شقيقها في الحرب، لتجد نفسها في مواجهة ذاكرة شخصية وعائلية مثقلة بالحزن المعلّق. يعتمد المشروع على فكرة «الفقد الغامض» بوصفه جرحاً نفسياً لا يملك نهاية واضحة، وهو ما يمنح الفيلم بُعداً إنسانياً يتجاوز الإطار المحلي الأوكراني إلى تجربة عالمية مفهومة لكل جمهور يتابع السينما ذات الحس العاطفي والسياسي.
الاهتمام بالمشروع لا يأتي فقط من موضوعه، بل أيضاً من الفريق الذي يقف خلفه. فالمخرجة أناستاسيا تيخا قادمة من خلفية وثائقية، وشاركت في تأسيس وإدارة مهرجان KINOKO المتخصص في فن التصوير السينمائي داخل أوكرانيا، كما أن الفيلم يمثل أولى تجاربها الروائية الطويلة. أما المنتجة داريا باسيل فهي من الأسماء المعروفة في المشهد الأوكراني المعاصر، وارتبط اسمها بأعمال حصدت حضوراً دولياً بارزاً، من بينها Butterfly Vision وThe Editorial Office، إضافة إلى مشاركات إنتاجية في أفلام عُرضت في كان وبرلين والبندقية.
«Selamlik».. قصة حب ومنفى تربط دمشق بقرطبة
عنوان آخر برز ضمن المشاريع الواعدة هو Selamlik، وهو مشروع درامي من السويد والدنمارك، يتولى إخراجه Jerry Carlsson ويكتبه Khaled Alesmael وتنتجه Frida Mårtensson. ووفق البيانات الرسمية، تبلغ الميزانية التقديرية للمشروع 2,301,852 يورو مع استهداف طرحه في 2029.
الفيلم ينطلق من قصة رجل سوري منفي في السويد يعود للقاء حبيب قديم في قرطبة بعد سنوات من الفراق، فيما تستعيد الذاكرة علاقتهما السابقة في دمشق مع بدايات الربيع العربي. هذا البناء الزمني المزدوج يمنح المشروع مساحة تجمع بين الرومانسية والحنين والسياسة، ويضعه ضمن نوعية الأفلام الأوروبية العابرة للحدود التي تشتبك مع آثار اللجوء والمنفى والتحولات الكبرى في المنطقة العربية.
بالنسبة للقارئ المصري، تبدو أهمية Selamlik في كونه نموذجاً واضحاً على استمرار حضور القصص العربية داخل منصات السينما العالمية، لكن من بوابة الإنتاجات المشتركة واللغة السينمائية العابرة للثقافات، لا من خلال المعالجات التقليدية أو المباشرة فقط.
«They Bloom at Dawn».. صوت نسائي جديد من شمال مقدونيا
ومن بين المشاريع التي استرعت انتباه المتابعين أيضاً فيلم They Bloom at Dawn من شمال مقدونيا، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرجة والكاتبة Angela Dimeska، من إنتاج Ognen Antov. وتشير بيانات المشروع إلى ميزانية تقديرية تبلغ 800,200 يورو مع خطة عرض في 2028.
يحكي الفيلم عن شابة تعود إلى قرية أجدادها بعد وفاة جدها، لتجد نفسها في مواجهة حمل غير مرغوب فيه، بينما تخوض جدتها معركة ضد مستثمرين يريدون تحويل ضفة البحيرة إلى منتجع فاخر. في هذا الخط الدرامي تتقاطع ثلاثة أجيال من النساء داخل حكاية عن الأرض والجسد والبيت والذاكرة، وهي عناصر تجعل الفيلم قريباً من تيار السينما الأوروبية التي تمزج الواقعية الاجتماعية بالحس الشخصي.
وتلفت تجربة Angela Dimeska الانتباه لأن المشروع يمثل انتقالها من الأفلام القصيرة إلى الفيلم الروائي الطويل، بعد أعمال قصيرة شاركت في مهرجانات دولية، من بينها Wigs وBoxes. كما أن اسم المنتج Ognen Antov يحمل وزناً إقليمياً بفضل ارتباطه بأعمال ظهرت في مهرجانات مثل البندقية وتورونتو.
لماذا تهم هذه المشاريع جمهور السينما في مصر؟
قد تبدو أخبار أسواق التطوير بعيدة نسبياً عن الجمهور العام، لكنها في الحقيقة تمثل المرحلة الأولى لاكتشاف الأفلام التي قد تصل لاحقاً إلى كبرى المهرجانات أو المنصات الرقمية أو حتى شاشات العرض الفني. بالنسبة لمتابعي قسم هوليوود والسينما العالمية في مصر، فإن رصد هذه المشاريع مبكراً يمنح تصوراً أوضح عن الاتجاهات الجديدة في السينما الدولية: قصص ما بعد الحرب، والمنفى، والهوية، وتبدل العلاقات العائلية، وصعود الأصوات النسائية الشابة.
كما أن مهرجان كارلوفي فاري نفسه يحتفظ بخصوصية داخل الخريطة الأوروبية؛ فهو ليس مجرد ساحة لعرض الأفلام، بل منصة اكتشاف وصناعة علاقات إنتاجية جديدة. وتشير المعلومات الرسمية إلى أن قسم Eastern Promises صُمم أساساً لربط المخرجين والمنتجين الصاعدين بأكثر من 1300 من الموزعين ووكلاء المبيعات والمنتجين ومبرمجي المهرجانات الذين يحضرون فعالياته المهنية، ما يفسر لماذا تحظى المشاريع المختارة فيه باهتمام مبكر من الصحافة المتخصصة والسوق معاً.
مشاريع تستحق المتابعة في السنوات المقبلة
اللافت في المشاريع الثلاثة، Reminiscence وSelamlik وThey Bloom at Dawn، أنها تمثل ثلاث زوايا مختلفة للسينما الأوروبية المعاصرة:
- Reminiscence: دراما نفسية أوكرانية تتعامل مع الذاكرة والحرب والفقد.
- Selamlik: قصة حب ومنفى تربط التجربة السورية بالجغرافيا الأوروبية.
- They Bloom at Dawn: دراما نسائية ريفية عن العائلة والهوية والصراع على المكان.
هذه التنوعات توضح كيف يواصل كارلوفي فاري الاستثمار في السينما التي تبحث عن لغة فنية وشخصية، لا مجرد عناوين سهلة التسويق. ومن هنا، فإن بروز مشروع أوكراني مثل Reminiscence إلى جانب مشروع عربي اللغة مثل Selamlik، وعمل بلقاني تقوده مخرجة شابة مثل They Bloom at Dawn، يمنح الدورة الحالية بعداً دولياً متماسكاً يعكس طبيعة التحولات الجارية في صناعة الفيلم المستقل.
وبينما ينتظر الجمهور العربي والمصري وصول هذه الأفلام إلى مراحل التصوير ثم المهرجانات، تبدو منصة KVIFF Promises هذا العام وكأنها تضع عدداً من الأسماء الجديدة تحت المجهر، وربما تقدم لنا بعض أبرز أفلام النصف الثاني من العقد الحالي.