Filmatology

كامل الباشا يعود إلى فينيسيا بفيلم «حوار مع البحر»

كامل الباشا يرافق السينما الفلسطينية إلى منصة دولية جديدة

يسجل الفنان الفلسطيني كامل الباشا حضورًا جديدًا في واحد من أهم المواعيد السينمائية العالمية، بعدما احتضن مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي العرض العالمي الأول لفيلم «حوار مع البحر» للمخرج الفلسطيني مؤيد عليان. مشاركة الفيلم جاءت ضمن قسم Venice Spotlight في الدورة الثالثة والثمانين للمهرجان، التي تُقام في الليدو بمدينة فينيسيا خلال الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر 2026. ويُعد هذا الظهور محطة مهمة للسينما الفلسطينية، خصوصًا مع اسم كامل الباشا المرتبط بتاريخ سابق في المهرجان نفسه بعد تتويجه بـكأس فولبي لأفضل ممثل عام 2017.

وبحسب البرنامج المنشور لفعاليات فينيسيا، أُقيم العرض الرسمي للفيلم يوم الاثنين 7 سبتمبر 2026 ضمن قسم Spotlight، وهو القسم الذي يركز على الأعمال ذات اللغة السينمائية الخاصة والطرح الإبداعي المختلف. كما أدرجت منصات متابعة المهرجان الفيلم ضمن أبرز العروض العربية التي لفتت الانتباه هذا العام، في إشارة إلى استمرار حضور فلسطين في الخريطة السينمائية الدولية رغم صعوبة ظروف الإنتاج والتوزيع.

ما قصة فيلم «حوار مع البحر»؟

تدور أحداث «حوار مع البحر» حول كمال، وهو رجل فلسطيني يعيش في البلدة القديمة بالقدس ويعمل في مخبز محلي، قبل أن تنقلب حياته بسبب مطالبة قانونية تتعلق بدين تأميني منسوب إلى ابنه وائل، الذي قيل له قبل أكثر من عشرين عامًا إنه توفي غرقًا في البحر الأحمر. غير أن غياب أي وثيقة رسمية تثبت الوفاة يدفع الأب إلى رحلة بحث مؤلمة في السجلات والذاكرة، بحثًا عن حقيقة ما جرى. هذه الحبكة تمنح الفيلم بعدًا إنسانيًا وسياسيًا في آن واحد، من دون أن يتخلى عن لغته الدرامية الخاصة.

الاهتمام بالفيلم لا يعود فقط إلى موضوعه، بل أيضًا إلى مكان تصويره وبيئته السردية. فالحكاية مرتبطة بالقدس بصورة مباشرة، المدينة التي تحمل دائمًا وزنًا رمزيًا وثقافيًا في السينما الفلسطينية. وبالنسبة إلى المشاهد العربي، وخصوصًا في مصر حيث تحظى أفلام المنطقة بمتابعة متزايدة في المهرجانات والمنصات، فإن هذا النوع من الأعمال يقدم نموذجًا لسينما تنطلق من التفاصيل المحلية لكنها تتحدث بلغة يفهمها جمهور أوسع.

مؤيد عليان يواصل مشروعه السينمائي

يأتي الفيلم الجديد امتدادًا لمسار المخرج الفلسطيني مؤيد عليان، الذي عرفه جمهور السينما العربية والعالمية من خلال أفلام مثل «الحب والسرقة ومشاكل أخرى» عام 2015، ثم «التقارير حول سارة وسليم» الذي عُرض في مهرجان روتردام عام 2018، ولاحقًا «بيت في القدس» عام 2023. السيرة المهنية لعليان كما وردت في مواد التعريف الخاصة بفيلم «حوار مع البحر» تؤكد أنه يواصل اشتغاله على موضوعات الذاكرة والحياة الفلسطينية اليومية، مع اهتمام واضح ببناء دراما إنسانية تتجنب المباشرة الخطابية.

الفيلم من تأليف وإنتاج مؤيد عليان ورامي عليان، بينما يضم فريق التمثيل إلى جانب كامل الباشا كلاً من عامر حليحل وبهيرة العباسي وماريا زريق، إضافة إلى ربى بلال وهيثم العمري. ووفق البيانات المتداولة حول العمل، فهو إنتاج مشترك بين فلسطين وهولندا والمملكة العربية السعودية وقطر، ما يعكس نمطًا متزايدًا في صناعة الأفلام العربية المستقلة المعتمدة على الشراكات العابرة للحدود.

كامل الباشا.. اسم يحمل ثقله في المهرجانات

بالنسبة إلى كامل الباشا، فإن العودة إلى فينيسيا تحمل دلالة خاصة. فالممثل الفلسطيني المخضرم يبقى أحد أبرز الوجوه العربية التي نجحت في تثبيت حضورها على الساحة الدولية، خاصة بعد فوزه بكأس فولبي في 9 سبتمبر 2017 عن دوره في فيلم «القضية رقم 23» للمخرج زياد دويري. ولهذا يبدو من الطبيعي أن يحظى ظهوره الجديد باهتمام نقدي وإعلامي، لا سيما مع وصف بعض التغطيات الأجنبية لأدائه في «حوار مع البحر» بأنه من أبرز عناصر قوة الفيلم.

ومن زاوية صحفية تهم القارئ المصري، فإن حضور ممثل بقيمة كامل الباشا في عمل فلسطيني جديد داخل فينيسيا يضيف إلى موجة الاهتمام العربي الراهن بالأفلام القادمة من فلسطين وبلاد الشام والمغرب العربي، وهي موجة باتت واضحة في برامج المهرجانات الكبرى خلال السنوات الأخيرة. كما أن هذا النوع من النجاحات يفتح الباب أمام توزيع أوسع للأفلام العربية الفنية في المنطقة، سواء عبر العروض الخاصة أو المهرجانات أو المنصات الرقمية لاحقًا. وهذا استنتاج مبني على مسار تداول الأفلام العربية المستقلة في مهرجانات دولية ثم انتقالها إلى دوائر عرض أوسع.

من فينيسيا إلى تورنتو

لا تتوقف رحلة الفيلم عند إيطاليا. فبعد عرضه العالمي الأول في فينيسيا، ينتقل «حوار مع البحر» إلى مهرجان تورنتو السينمائي الدولي ضمن قسم Centerpiece في دورته الحادية والخمسين، التي تمتد من 10 إلى 20 سبتمبر 2026. هذا المسار بين فينيسيا وتورنتو مهم لأي فيلم عربي مستقل، لأنه يمنحه فرصة مضاعفة للوصول إلى نقاد وموزعين ومبرمجين من أسواق مختلفة، وهي خطوة كثيرًا ما تحدد مستقبل الفيلم بعد المهرجانات.

وتشير المعلومات المنشورة عن المشروع إلى أن الفيلم يحظى أيضًا بدعم مؤسسات تمويل معروفة في سينما المؤلف، من بينها صندوق البحر الأحمر ومؤسسة الدوحة للأفلام وصندوق هولندا للأفلام وصندوق هوبرت بالس. كما تتولى MAD Distribution توزيع الفيلم عربيًا، بينما تتكفل MAD World بالمبيعات العالمية خارج نطاقات محددة. أهمية هذه المعطيات أنها تكشف البنية الإنتاجية التي باتت تقف خلف عدد معتبر من الأفلام العربية الطامحة إلى حضور دولي حقيقي، بدل الاكتفاء بعرض مهرجاني عابر.

لماذا يستحق الفيلم المتابعة عربيًا؟

تكمن قوة «حوار مع البحر» في أنه لا يطرح القضية الفلسطينية كشعار مجرد، بل يبنيها من داخل قصة عائلة وذاكرة وفقد شخصي، وهو ما يمنح الفيلم قابلية أكبر للتأثير في الجمهور. هذا النوع من السرد أصبح عنصرًا أساسيًا في نجاح السينما العربية خارج حدودها، لأنه يوازن بين الخصوصية المحلية والبعد الإنساني الأشمل. ومن هنا يمكن فهم الزخم المحيط بالفيلم في فينيسيا، خاصة مع وجود مخرج له بصمة واضحة، وممثل رئيسي يمتلك تاريخًا راسخًا في الأداء المسرحي والسينمائي.

وبالنسبة لقراء قسم السينما العربية، فإن متابعة هذا الفيلم تعني متابعة مسار كامل من تطور الإنتاج الفلسطيني المعاصر: من أفلام صغيرة تتحرك في هامش الصناعة، إلى أعمال تنافس على مساحة مشاهدة دولية في أكبر المهرجانات. وإذا استمر الزخم النقدي والعرض المهرجاني على هذا النحو، فقد يصبح «حوار مع البحر» أحد العناوين العربية البارزة في موسم الجوائز والمهرجانات الحالي، وإن كان الحكم النهائي سيظل مرهونًا بخطوة التوزيع واستقبال الجمهور خارج الدائرة المتخصصة. وهذا أيضًا استنتاج صحفي يستند إلى مسار الفيلم بين مهرجانين كبيرين وإلى نوعية الجهات الداعمة له.