كريستوفر نولان ينتقد القراءة السطحية لمراجعات الأفلام
كريستوفر نولان: المشكلة ليست في كشف الحيلة بل في إسقاط أثرها
فتح المخرج البريطاني-الأمريكي كريستوفر نولان الحديث مجددًا عن علاقة المشاهد بالنقد السينمائي، وذلك بالتزامن مع جولة الترويج لفيلمه الجديد The Odyssey. نولان، الذي صار اسمه بالنسبة لكثير من جمهور السينما في مصر والعالم العربي مرادفًا للأفلام الضخمة ذات البنية السردية المحكمة، طرح فكرة لافتة: التعرف إلى آليات الفيلم أو “ميكانيكاته” لا يعني بالضرورة إبطال مفعولها أو التقليل من تأثيرها.
الطرح جاء في مقابلة متداولة نُسبت إلى حديث أجراه مع صانع محتوى وبودكاستر يُدعى Zhong Shu، حيث ميّز نولان بين النقد السينمائي المهني، الذي يتعامل مع أدوات السرد بوصفها جزءًا أصيلًا من صناعة الفيلم، وبين نوع من النقد غير المتخصص الذي يكتفي أحيانًا بالإشارة إلى “الخدعة” وكأن اكتشافها يكفي لإدانة العمل كله. الفكرة هنا ليست دفاعًا عن أي فيلم ضد النقد، بل اعتراض على تبسيط التجربة السينمائية إلى مجرد فك شفرة الحيل المستخدمة فيها.
لماذا تبدو ملاحظة نولان مهمة داخل قسم «مراجعات الأفلام»؟
في مساحة مراجعات الأفلام تحديدًا، حديث نولان يستحق التوقف، لأن جزءًا كبيرًا من النقاشات الحالية حول الأفلام لم يعد يدور فقط حول جودة السيناريو أو التمثيل أو الإخراج، بل حول قدرة المشاهد على تسمية التقنية التي استخدمها الفيلم: هل هذا تمهيد واضح؟ هل هذه حبكة دائرية؟ هل تلك لحظة مصممة لانتزاع التعاطف؟ بالنسبة إلى نولان، معرفة الأداة لا تُسقط قيمتها تلقائيًا.
هذا التصور ليس بعيدًا عن جوهر مشاهدة السينما أصلًا. فالمشاهد يعرف مسبقًا أن الموسيقى التصويرية وُضعت لتوجيه الإحساس، وأن المونتاج يصنع الإيقاع، وأن الكاميرا تختار ما نراه وما لا نراه. ومع ذلك، يظل السؤال النقدي الحقيقي: هل نجحت هذه الأدوات في خدمة التجربة؟ وليس فقط: هل استطعنا اكتشافها؟
بين التحليل والتباهي بالتحليل
المسافة الفاصلة بين النقد الجاد والنقد الاستعراضي أصبحت أضيق مع هيمنة الفيديوهات القصيرة ومنشورات السوشيال ميديا. اليوم يمكن لأي مشاهد أن يلتقط مصطلحات مثل “الرمزية”، “التمهيد”، “التفكيك”، “الانعطافة الثالثة” أو “الصدمة المصطنعة”، لكن استخدام المصطلح لا يساوي تلقائيًا قراءة دقيقة للفيلم. وهنا يلمح نولان إلى ما يمكن تسميته النقد القائم على كشف اللعبة بدل تقييم نتيجتها.
بالنسبة لجمهور السينما في مصر، هذه نقطة مألوفة جدًا. كم مرة تحوّل النقاش بعد عرض فيلم كبير إلى سباق على من يكتشف الحيلة أولًا؟ وكم مرة تم اختزال فيلم كامل في جملة من نوع: “آه، ده المخرج بيلعب على الزمن” أو “دي محاولة لصناعة مشهد جوائز”؟ هذه الملاحظات قد تكون صحيحة جزئيًا، لكنها لا تكفي وحدها كمراجعة.
استقبال The Odyssey يوضح الفكرة عمليًا
فيلم The Odyssey، الذي كتبه وأخرجه نولان، طُرح في دور العرض الأمريكية يوم 17 يوليو 2026 عبر Universal Pictures، وجرى تقديمه بوصفه ملحمة حركة وخيال مستوحاة من نص هوميروس الكلاسيكي. ويقود البطولة مات ديمون في دور أوديسيوس، إلى جانب توم هولاند وآن هاثاواي وروبرت باتينسون ولوبيتا نيونغو وزيندايا وتشارليز ثيرون. كما رُوّج له رسميًا باعتباره أول فيلم يُصوَّر بالكامل باستخدام كاميرات IMAX 70mm المخصصة للعرض السينمائي على هذا النطاق.
هذه الضخامة التقنية والسردية جعلت الفيلم ساحة مثالية للجدل: بعض القراءات احتفت بالإنجاز البصري والحضور الملحمي، بينما ذهبت قراءات أخرى إلى انتقاد اختياراته في الحوار أو تعامله مع المادة الأصلية. لكن حتى في قلب هذا الانقسام، بدت ملاحظة نولان عن النقد منطقية؛ لأن جزءًا من النقاش لم يكن عن مدى فاعلية الفيلم بقدر ما كان عن معرفة كيف يعمل الفيلم.
على مستوى الاستقبال، حصل The Odyssey على تقييمات نقدية قوية على Rotten Tomatoes بعد انطلاق عرضه، كما سجّل حضورًا لافتًا على شاشات IMAX، مع إعلان شركة IMAX عن افتتاحية عالمية قياسية للفيلم على شاشاتها بلغت 52 مليون دولار في عطلة الافتتاح. هذا لا يعني أن الإجماع كامل حول العمل، لكنه يؤكد أن الفيلم ليس مجرد حالة جدل نظري، بل ظاهرة مشاهدة ونقاش في الوقت نفسه.
هل يدافع نولان عن نفسه أم عن السينما نفسها؟
من السهل قراءة كلام نولان بوصفه ردًا دفاعيًا على المراجعات السريعة التي لاحقت The Odyssey منذ بداية الترويج ثم بعد العرض. لكن القراءة الأدق هي أنه يتحدث عن معضلة أوسع من فيلم واحد. نولان (@christophernolan على إنستغرام) لم يقل إن النقد خطأ، ولم يطلب من الجمهور التوقف عن تفكيك أفلامه، بل ركز على فكرة أساسية: الفيلم ليس أقل قيمة لأنك فهمت كيف صُمم.
هذا ينطبق على عدد كبير من أعماله السابقة أيضًا. في Inception وInterstellar وOppenheimer، كان جزء من متعة المشاهدة قائمًا على فهم البناء، لكن الفهم لم يكن بديلًا عن التفاعل. بل ربما العكس: بعض الأفلام تزداد قوة كلما رأيت خيوطها بوضوح، لأنك تكتشف مدى الدقة التي بُنيت بها.
ما الذي يعنيه ذلك للمراجع الجيد؟
المراجع الجيد، سواء كان صحفيًا محترفًا أو صانع محتوى مستقلًا، لا يكتفي بأن يقول إن الفيلم استخدم وسيلة معينة، بل يذهب أبعد من ذلك:
- هل جاءت الأداة منسجمة مع موضوع الفيلم؟
- هل خدمت الإيقاع أم عطّلته؟
- هل خلقت أثرًا شعوريًا حقيقيًا أم بدت مصطنعة؟
- هل حافظت على تماسك التجربة من البداية للنهاية؟
هنا فقط يصبح التحليل نقدًا فعليًا، لا مجرد استعراض لمفردات سينمائية. وفي سوق محتوى عربي يتسع بسرعة، خصوصًا بين جمهور الشباب في مصر، تزداد الحاجة إلى هذا النوع من المراجعات التي توازن بين المعرفة والمتعة، وبين التفكيك والإنصاف.
نقاش يخص المشاهد المصري أيضًا
المسألة لا تخص نولان وحده، بل تمس طريقة استهلاكنا للأفلام عمومًا. في كثير من الأحيان، يدخل المشاهد إلى العمل وهو مسلح مسبقًا بمقاطع “شرح النهاية” و”تفكيك التريلر” و”الأخطاء التاريخية”، فيتحول الفيلم من تجربة مشاهدة إلى اختبار اكتشاف. هذا مفيد أحيانًا، لكنه قد يحرم العمل من أثره الأول: الدهشة، الترقب، والانخراط العاطفي.
ولهذا تبدو ملاحظة نولان ذات قيمة داخل سياق مراجعات الأفلام: الناقد لا يُفترض به فقط أن يثبت أنه ذكي بما يكفي لالتقاط الآلية، بل أن يشرح لماذا نجحت أو فشلت. وبينما يواصل The Odyssey حضوره كأحد أبرز أفلام صيف 2026، فإن الجدل المحيط به يثبت أن السينما الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الإنتاج أو عدد النجوم، بل أيضًا بنوعية الأسئلة التي تفرضها على من يشاهدها ومن يراجعها.
في النهاية، قد لا يتفق الجميع مع نولان في تقييمه لبعض أشكال النقد غير المتخصص، لكن فكرته المركزية تستحق التأمل: الوعي ببناء الفيلم لا يجب أن يتحول تلقائيًا إلى حكم بإلغائه. أحيانًا، معرفة كيف تعمل السينما هي بالضبط ما يجعلنا نقدّرها أكثر، لا أقل.