Filmatology

كيت بلانشيت تصل طوكيو لعرض أفلام صندوق النزوح القصيرة

كيت بلانشيت تتجه إلى طوكيو في حدث يضع الأفلام القصيرة تحت المجهر

تستعد النجمة الأسترالية كيت بلانشيت لحضور الدورة التاسعة والثلاثين من مهرجان طوكيو الدولي السينمائي، المقرر إقامتها بين 26 أكتوبر و4 نوفمبر 2026، من أجل متابعة العرض الياباني الأول لخمسة أفلام قصيرة خرجت إلى النور بدعم من Displacement Film Fund. الخبر لا يهم متابعي المهرجانات فقط، بل يلفت الانتباه أيضاً إلى نوعية الأفلام التي تتحرك خارج الحسابات التجارية المعتادة، وتبحث عن لغة سينمائية قادرة على نقل تجارب النزوح والاقتلاع الإنساني إلى الشاشة.

بالنسبة لقارئ السينما في مصر، تبدو أهمية هذه المشاركة في أن الحدث لا يُقدَّم بوصفه نشاطاً خيرياً موازياً، بل كمشروع إنتاجي يراهن على القيمة الفنية للأفلام القصيرة نفسها. وهذه نقطة مهمة داخل قسم "مراجعات الأفلام" تحديداً، لأن الحديث هنا لا ينفصل عن سؤال: هل تستطيع الأفلام ذات الخلفية الإنسانية أن تقدم أيضاً تجربة مشاهدة قوية ومتماسكة؟

ما هو صندوق النزوح السينمائي؟

الصندوق المعروف باسم Displacement Film Fund أُعلن عنه في يناير 2025 خلال مهرجان روتردام السينمائي الدولي، بمبادرة تقودها كيت بلانشيت، التي تعمل كذلك سفيرة عالمية للنوايا الحسنة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ووفق البيانات الرسمية، يهدف الصندوق إلى دعم صُنّاع أفلام نازحين، أو مخرجين لديهم سجل واضح في تقديم قصص أصيلة ترتبط بتجارب التهجير والنزوح. كما يتولى Hubert Bals Fund التابع لمهرجان روتردام دور الشريك الإداري، بينما تحضر المفوضية كشريك استراتيجي. ومن بين الشركاء المؤسسين أيضاً UNIQLO (@uniqlo على إنستغرام) إلى جانب جهات ثقافية وتمويلية أخرى.

هذه الخلفية تمنح المشروع وزناً يتجاوز الواجهة الدعائية. فحين تدخل أسماء مثل بلانشيت وUNHCR ومهرجان روتردام وطوكيو في شبكة واحدة، يصبح من الواضح أن الرهان ليس على التعاطف العابر، بل على تأسيس مسار عرض وتمويل حقيقي لأفلام قد لا تجد بسهولة مكاناً في السوق التجاري التقليدي.

الأفلام الخمسة: تنوع جغرافي ورؤى مختلفة

بحسب إعلان مهرجان طوكيو، الأفلام الخمسة التي ستحصل على عرضها الأول في اليابان تنتمي إلى الدفعة الأولى من المشروع، وقد قُدمت لأول مرة عالمياً خلال مهرجان روتردام 2026. وتضم القائمة مخرجين من خلفيات وتجارب متعددة، وهو ما ينعكس مباشرة على تنوع النبرة والأسلوب والموضوع.

  • Allies in Exile للمخرج السوري حسن قطان، ومدته 40 دقيقة، من إنتاج بريطاني/سوري.
  • Rotation للمخرجة الأوكرانية مارينا إر غورباش، ومدته 12 دقيقة، من إنتاج أوكراني/تركي.
  • Sense of Water للمخرج الإيراني محمد رسولوف، ومدته 39 دقيقة، من إنتاج إيراني/ألماني.
  • Super Afghan Gym للمخرجة الأفغانية شهربانو سادات، ومدته 14 دقيقة، من إنتاج ألماني.
  • Whispers of a Burning Scent للمخرج مو هراوي، ومدته 28 دقيقة، من إنتاج صومالي/نمساوي/ألماني.

هذه التشكيلة وحدها تكشف لماذا يستحق البرنامج المتابعة نقدياً. فالأمر لا يتعلق بموضوع واحد يُعاد تقديمه بصيغ متشابهة، بل بخمس زوايا مختلفة تنظر إلى الاغتراب، والهوية، والحرب، واللغة، والذاكرة، والحياة اليومية تحت الضغط.

لماذا يهم هذا البرنامج من زاوية نقدية؟

في تغطية أخبار المهرجانات، كثيراً ما يُختزل الاهتمام في أسماء النجوم على السجادة الحمراء. لكن في هذه الحالة، حضور كيت بلانشيت يلفت الانتباه إلى الأفلام أكثر مما يسحب البساط من تحتها. بلانشيت، المعروفة جماهيرياً بأعمال مثل Tár وBlue Jasmine وCarol، تستخدم مكانتها هنا لدعم برنامج قصير يضم أصواتاً أقل ظهوراً في الإعلام العالمي.

من منظور "مراجعات الأفلام"، تبدو هذه الخطوة جديرة بالتوقف لأن الفيلم القصير غالباً ما يكون المساحة الأكثر حرية للتجريب، والأكثر قدرة على التقاط لحظة إنسانية مكثفة من دون شروحات زائدة. وعندما يرتبط ذلك بموضوع النزوح، تصبح اللغة البصرية والاقتصاد السردي عنصرين حاسمين: كيف تُختصر صدمة الانتظار؟ كيف تُصوَّر المنفى؟ وكيف يتحول الجسد أو الصوت أو المكان إلى بديل عن الخطابة؟

ملامح كل فيلم كما تكشفها المواد الرسمية

Allies in Exile يتتبع صديقين من صُنّاع الأفلام السوريين يحاولان توثيق أثر الحرب وانتظار اللجوء، في مقاربة تجمع بين الصداقة وفعل السرد نفسه. أما Rotation فيدور حول شابة أوكرانية انتقلت من الحياة المدنية إلى الخدمة العسكرية، عبر بناء أقرب إلى طقس علاجي أو حالة من التنويم النفسي.

في المقابل، يذهب Sense of Water إلى عزلة المنفى من خلال كاتب إيراني يواجه لغة جديدة في بلد غريب، بينما يختار Super Afghan Gym مساحة يومية محددة جداً: صالة رياضية في قلب كابول، حيث تجتمع مجموعة من النساء خلال الساعة الوحيدة المخصصة لهن. أما Whispers of a Burning Scent فيقترب من موسيقي حفلات زفاف يجد حياته الخاصة تحت مراقبة المجتمع.

ورغم اختلاف هذه الأفلام، فإن ما يجمعها نقدياً هو أنها لا تبدو، وفق الملخصات المتاحة، أفلام شعارات مباشرة، بل أعمالاً تبني دراما من التفاصيل الصغيرة: الانتظار، اللغة، الجسد، الحميمية، والقدرة على البقاء.

مهرجان طوكيو 2026 وسياق العرض

الدورة التاسعة والثلاثون من مهرجان طوكيو الدولي السينمائي ستُقام في مناطق هيبيا ويوراكوتشو ومارونوأوتشي وغينزا في العاصمة اليابانية. كما أعلن المهرجان في تحديثات سبتمبر 2026 عن ملصقه الرسمي وبرامج ومبادرات جديدة، ما يؤكد أن نسخة هذا العام تسعى إلى الجمع بين الثقل الجماهيري والبرامج الفنية المتخصصة. وفي هذا السياق، تبدو استضافة العروض اليابانية الأولى لأفلام الصندوق منسجمة مع رغبة المهرجان في توسيع النقاش حول دور السينما في التعامل مع التحولات السياسية والإنسانية المعاصرة.

المثير للاهتمام أيضاً أن مهرجان طوكيو أشار إلى أن الأفلام الخمسة المدعومة في الدورة الأولى وحدها هي التي ستُعرض ضمن هذه النسخة، حتى بعد الإعلان عن دفعة ثانية من صُنّاع الأفلام في 2026. هذه النقطة مهمة لأنها تعطي الأفلام الأولى مساحة مستقلة للتلقي، بعيداً عن التشتيت الذي قد يخلقه توالي الإعلانات.

كيت بلانشيت: حضور نجمة في خدمة الفكرة لا العكس

رغم أن العنوان الإعلامي يبدأ باسم كيت بلانشيت، فإن جوهر الحدث يرتبط بكيفية توظيف هذا الحضور. بلانشيت، التي يشار إليها رسمياً كسفيرة عالمية للنوايا الحسنة لدى المفوضية، تدفع هنا باتجاه نموذج يرى السينما أداة فهم قبل أن تكون مجرد منصة احتفال. وبالنسبة إلى الجمهور العربي، والمصري تحديداً، فإن هذا النوع من المشروعات يطرح سؤالاً مألوفاً: ما الذي يمكن أن تفعله الأفلام حين تتقاطع مع أزمات الهجرة واللجوء والحرب من دون أن تفقد حسها الفني؟

الإجابة لن تأتي من البيانات الصحفية وحدها، بل من مستوى الأفلام نفسها عند عرضها واستقبالها. لكن المؤكد منذ الآن أن البرنامج يملك مقومات المتابعة: مخرجون أصحاب تجارب حقيقية، مهرجانات كبرى تمنحهم نافذة عرض، ونجمة مثل Cate Blanchett في الواجهة بوصفها داعمة للمشروع لا بديلاً عنه.

لماذا قد يهتم القارئ المصري بهذه العروض؟

في سوق عربي تميل فيه التغطية أحياناً إلى الأفلام التجارية وحدها، تمنح مثل هذه البرامج فرصة لإعادة توجيه النقاش نحو قيمة الفيلم القصير كفن مستقل، لا كمرحلة تدريبية قبل الفيلم الطويل. كما أن موضوعات التهجير والبحث عن الأمان ليست بعيدة عن وجدان المنطقة، ما يجعل هذه الأعمال قابلة للقراءة من منظور إنساني قريب، لا كقضايا بعيدة تخص أوروبا أو شرق آسيا فقط.

لهذا، فإن مشاركة كيت بلانشيت في طوكيو ليست مجرد محطة مهرجانية جديدة في رزنامة نجمة أوسكارية، بل مناسبة لمراقبة خمسة أفلام قصيرة تبدو واعدة نقدياً، وتحمل احتمال أن تقدم بعضاً من أقوى تجارب المشاهدة في موسم المهرجانات المقبل.