Filmatology

كيف يخدم توسع «سيني جونة» سينمائيي مصر في 2026؟

بعد إعلان تفاصيل الدورة التاسعة: تحوّل مهم في خريطة الدعم المصري

حين كشف مهرجان الجونة السينمائي عن تفاصيل منصة «سيني جونة» في دورته التاسعة، لم يكن الخبر مجرد تحديث لبرامج موازية داخل المهرجان، بل إشارة واضحة إلى توسع عملي في طريقة دعم الصناعة نفسها داخل مصر. فالمنصة تقام هذا العام بين 16 و22 أكتوبر 2026 ضمن فعاليات الدورة التاسعة للمهرجان، بينما تنعقد الدورة نفسها من 15 إلى 23 أكتوبر 2026 في الجونة على البحر الأحمر. الجديد الأبرز هو توسيع مظلة «سيني جونة للمواهب الناشئة»، إلى جانب إطلاق «سيني جونة مسلسلات» للمرة الأولى كبرنامج مستقل لتطوير مشروعات المسلسلات العربية وربطها بالسوق. بالنسبة لصناع السينما المصريين، هذه الخطوة تعني ببساطة أن باب التطوير المهني لم يعد محصورًا في الفيلم الروائي أو التسجيلي فقط، بل امتد إلى الدراما بوصفها جزءًا أساسيًا من اقتصاد الصورة في مصر.

ما الذي تغيّر فعليًا في «سيني جونة للمواهب الناشئة»؟

الأرقام هنا مهمة لأنها تكشف حجم التوسع الحقيقي. بحسب التفاصيل المعلنة، تلقى برنامج «سيني جونة للمواهب الناشئة» هذا العام نحو 1000 طلب، وتم اختيار 118 مشاركًا يمثلون 14 جنسية، بينهم مشاركون مصريون من 19 محافظة، مع تمثيل متساوٍ بين الجنسين. هذه ليست مجرد زيادة عددية؛ بل تعني أن البرنامج بات أقرب إلى خريطة مواهب ممتدة خارج القاهرة والإسكندرية، وهو أمر يهم مصر تحديدًا لأن جزءًا كبيرًا من الطاقات الجديدة في الكتابة والتصوير والتمثيل وصناعة المحتوى يعيش بعيدًا عن المركز التقليدي للصناعة.

التوسع يظهر أيضًا في طبيعة المزايا المقدمة. المشاركون يحصلون على اعتماد كامل لحضور فعاليات المهرجان، بما فيها «ملتقى سيني جونة» وأنشطة السوق، مع تغطية السفر المحلي والإقامة وقسائم الوجبات. هذه التفاصيل اللوجستية قد تبدو ثانوية، لكنها في الواقع من أهم عناصر الإتاحة داخل الصناعة المصرية، لأن تكلفة الحضور والتشبيك غالبًا ما تكون عائقًا أمام الموهوبين في المحافظات أو في بداياتهم المهنية.

من المظلة العامة إلى المسارات المتخصصة

اللافت أن «سيني جونة للمواهب الناشئة» لم يعد برنامجًا واحدًا بالمعنى التقليدي، بل صار مظلة تضم عدة مسارات: البرنامج الرئيسي للمواهب، و«سي مي» للممثلين الصاعدين، و«زوايا» للمصورين والصحفيين وصناع المحتوى الشباب، و«كلاكيت تاني مرة» الذي يعيد خريجي الدورات السابقة كمرشدين للمشاركين الجدد. كما يواصل برنامج المواهب الصاعدة عامه الثالث بمجموعة تصل إلى 10 مواهب واعدة من الكتاب والمخرجين والمنتجين العرب وشمال أفريقيا.

بالنسبة للمصريين، هذا التنويع مهم لأنه يعترف بأن الصناعة لا تُبنى بالمخرج فقط. هناك ممثل يحتاج إلى مساحة تدريب ولقاءات، وصحفي ثقافي أو مصور يحتاج إلى فهم أفضل للسوق، وكاتب أو منتج ناشئ يحتاج إلى مرشدين لا إلى محاضرات عامة فقط. إدخال ورش تطبيقية للمرة الأولى، ومنها ورشة حول الإنتاج المستدام وسرد القصص المناخية بدعم من المجلس الثقافي البريطاني، وورشة حول الشؤون التجارية للأفلام، يعني أن الخطاب انتقل من الاحتفاء بالمواهب إلى تجهيزها بلغة السوق والعقود والاستدامة.

لماذا يُعد إطلاق «سيني جونة مسلسلات» خبرًا أكبر من مجرد برنامج جديد؟

لأن مصر تحديدًا تعيش منذ سنوات على تقاطع واضح بين السينما والدراما. كثير من الكتّاب والمخرجين والممثلين ينتقلون بين الوسيطين، لكن منصات التطوير المهني كانت تميل تقليديًا إلى الفيلم أكثر من المسلسل. هنا تأتي أهمية «سيني جونة مسلسلات»، الذي يعرّفه المهرجان كقسم صناعي جديد مخصص لتطوير وربط مشروعات المسلسلات العربية بالسوق الإقليمي والدولي عبر مختبر إلكتروني لمدة 6 أسابيع، ثم جلسات عرض واجتماعات مهنية وشبكات تواصل مع المنتجين والمنصات والمشترين خلال المهرجان.

الأكثر دلالة أن البرنامج استقبل أكثر من 125 مشروعًا من أنحاء العالم العربي، واختار منها 6 مشروعات فقط للمشاركة في دورته الأولى. من بين هذه المشروعات، الحضور المصري لافت للغاية: «نص ساعة» لمحمد السيد طه من مصر، و«التسويق للمبتدئين» لشيماء جوهر من مصر، و«فيها حاجة غلط» لمريم داغر من مصر، و«إلى الحافة» لممدوح صلاح ومحمد عبد الستار من مصر. وجود 4 مشروعات مصرية من أصل 6 في الدفعة الافتتاحية ليس تفصيلًا عابرًا؛ بل مؤشر على أن الكتّاب المصريين حاضرون بقوة عندما تتوافر منصة تطوير متخصصة للمسلسلات.

ماذا يكسب الكاتب والمخرج والمنتج المصري من هذا المسار؟

أول مكسب هو الانتقال من فكرة المسلسل إلى ملف قابل للتسويق. البرنامج يركز على تطوير الـ series bible والحلقة التجريبية، وهي أدوات أساسية في سوق الدراما المعاصرة. ثانيًا، يخلق البرنامج نقطة لقاء مباشرة مع المنتجين والمنصات والجهات الشارية، وهو ما يقلل المسافة بين الكتابة والتصنيع الفعلي. وثالثًا، يربط الدراما المصرية بسوق عربي أوسع في لحظة تتغير فيها أنماط المشاهدة والإنتاج، من القنوات التقليدية إلى المنصات والبث عند الطلب.

هذا مهم أيضًا لأن سوق المسلسلات في مصر لم يعد يعتمد فقط على موسم رمضان. وجود برنامج تطوير داخل مهرجان سينمائي كبير يفتح المجال أمام مشروعات ذات نَفَس مختلف: مسلسلات قصيرة، أعمال أكثر جرأة في الشكل، ومشروعات قابلة للإنتاج المشترك عربيًا.

صلة مباشرة بالسينما المصرية لا بالدراما وحدها

قد يبدو إطلاق برنامج للمسلسلات وكأنه يخص الدراما فقط، لكن تأثيره على السينما المصرية أوسع من ذلك. السوق اليوم يشهد حركة انتقال مستمرة بين الفيلم الطويل والمسلسل، سواء في الكتابة أو الإخراج أو الأداء أو الإنتاج. وعندما تترأس الكاتبة المصرية مريم نعوم هذا المسار داخل «سيني جونة»، بينما يتعاون المهرجان مع مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية (@sawiris.foundation على إنستغرام) في مختبر ساويرس للسيناريو، يصبح واضحًا أن الفكرة ليست فصل الوسائط، بل بناء بيئة تطوير أكثر اتساعًا لصانع الحكاية المصري.

وفي هذا المختبر، اختيرت 4 مشروعات هي: «كشف حضور» لشيماء جوهر، و«الفيلم ده مش هينفع» لسندس شبايك، و«محاكم الغربان» لمحمد السمان، و«الأرض البعيدة» لنادين صليب وعبدالله الغالي. ويُدار البرنامج تحت إشراف «سرد – مريم نعوم» لتطوير السيناريو والاستعداد لعرض المشروعات أمام المنتجين والمتخصصين يوم 21 أكتوبر. هذه النقطة بالذات تعني أن الجونة لا يكتفي بالتشجيع الرمزي، بل يحاول صناعة خط أنابيب يبدأ من النص وينتهي عند احتمالات التمويل والإنتاج.

ما الذي يعنيه ذلك لصناع السينما المصريين خارج العاصمة؟

أحد أهم المعاني العملية لهذا التوسع هو كسر المركزية. اختيار مشاركين من 19 محافظة داخل برنامج المواهب الناشئة يبعث برسالة مهمة: الطريق إلى الصناعة لم يعد يمر فقط عبر العلاقات الشخصية في القاهرة. وعندما ترتبط المشاركة بحضور السوق والمنتدى ولقاءات الخبراء، فإن الاستفادة لا تقف عند التعليم، بل تمتد إلى بناء شبكة مهنية قد تفتح باب وظيفة، أو شراكة إنتاج، أو تطوير مشروع أول.

كذلك فإن وجود برامج مثل «زوايا» و«سي مي» يوسّع تعريف «صانع السينما» في مصر. فالصناعة الحديثة تحتاج إلى ممثل واعٍ باللغة المهنية، وصحفي قادر على تغطية الصناعة بصيغة معاصرة، وصانع محتوى يفهم الصورة والحقوق والسرد، لا مجرد طالب معهد سينما بالمعنى التقليدي.

الخلاصة: الجونة يراهن على الصناعة لا الحدث فقط

الخلاصة أن توسيع «سيني جونة للمواهب الناشئة» وإطلاق «سيني جونة مسلسلات» في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي ليسا مجرد بندين في بيان صحفي. بالنسبة للسينما المصرية، نحن أمام توسيع فعلي لمسارات الدخول إلى الصناعة، وربط أوضح بين التدريب والسوق، واعتراف مؤسسي بأن مستقبل الحكاية المصرية يتحرك بين الفيلم والمسلسل معًا. وإذا استمرت هذه البرامج في منح المصريين فرص تطوير وتمويل وتشبيك بهذا الحجم، فقد يصبح أثرها الحقيقي ظاهرًا خلال سنوات قليلة في أسماء جديدة، ومشروعات أكثر جاهزية، وانتقال أكثر احترافية من الورق إلى الشاشة.

باختصار: ما حدث في إعلان الدورة التاسعة لا يخص الجونة وحدها، بل يخص شكل الفرصة المتاحة اليوم أمام صانع السينما المصري الشاب؛ سواء كان يكتب فيلمه الأول، أو يطوّر مسلسلًا قصيرًا، أو يحاول فقط أن يجد لنفسه موطئ قدم حقيقي داخل صناعة تتغير بسرعة.