كيف يصدّر «القاهرة السينمائي» صورة جديدة للسينما المصرية؟
من شيان إلى القاهرة: لحظة مناسبة لإعادة تعريف ما تمثله السينما المصرية
جاء إطلاق «أسبوع الأفلام المصرية» ضمن فعاليات الدورة الثالثة عشرة من مهرجان طريق الحرير السينمائي الدولي في مدينة شيان الصينية، بالتوازي مع اختيار مصر ضيف شرف للدورة الحالية، كإشارة ثقافية تتجاوز المجاملة البروتوكولية إلى ما هو أعمق: اختبار حقيقي لكيفية تقديم السينما المصرية اليوم إلى جمهور دولي جديد. وبحسب ما نشرته «الشروق»، افتتح الفعاليات الدكتور أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما بحضور الوفد السينمائي المصري، في إطار برنامج يضم عروضاً لأفلام مصرية حديثة وكلاسيكية أمام الجمهور الصيني والدولي. كما أكدت الهيئة العامة للاستعلامات أن هذه المشاركة تأتي بالتزامن مع الاحتفال بمرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، مع برنامج موسع للتبادل السينمائي والثقافي.
في هذا السياق، تبدو إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي برئاسة الفنان حسين فهمي أمام فرصة مهمة: تصدير صورة مختلفة عن السينما المصرية، لا تقوم فقط على الذاكرة الذهبية أو الأسماء الكبيرة، بل على أفلام معاصرة تحمل حساسية فنية جديدة، وتتكلم بلغة إنسانية قادرة على العبور بين الثقافات. وقد قال حسين فهمي في تصريحات من شيان إن التعاون بين مهرجان القاهرة والجانب الصيني يشهد استمراراً وازدهاراً، مع حرص على تحويل هذه الصداقة إلى أعمال مشتركة وبرامج تبادل تخدم صناع السينما في البلدين.
لماذا يُعد «عيد ميلاد سعيد» ورقة مثالية في هذا التوقيت؟
إذا أرادت إدارة مهرجان القاهرة تقديم نموذج مكثف لما يمكن أن تكون عليه الصورة الجديدة للسينما المصرية، فإن فيلم «عيد ميلاد سعيد» للمخرجة سارة جوهر يتصدر المشهد. الفيلم تدور أحداثه في القاهرة حول الطفلة «توحة» ذات الثمانية أعوام، التي تعمل خادمة في منزل أسرة ثرية، وتعيش توتراً إنسانياً مؤلماً وهي تظن أنها مدعوة إلى الاحتفال بعيد ميلاد ابنة الأسرة «نيللي». هذا البناء الدرامي البسيط ظاهرياً يحمل موضوعات شديدة المحلية والكونية في آن واحد: الفوارق الطبقية، الطفولة، الرغبة في الاعتراف، والمدينة المصرية بوصفها فضاءً اجتماعياً معقداً.
أهمية الفيلم لا تتوقف عند موضوعه، بل تمتد إلى مساره الدولي. فبحسب بيانات العمل، شارك «عيد ميلاد سعيد» في الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان تريبيكا، كما حصد هناك ثلاث جوائز، بينها أفضل فيلم روائي دولي وأفضل سيناريو دولي، فضلاً عن جائزة نورا إيفرون. وتشير قواعد بيانات الفيلم كذلك إلى اختياره ممثلاً لمصر في سباق الأوسكار 2026 لفئة أفضل فيلم دولي، بينما حددت بيانات العرض التجاري موعد طرحه في مصر يوم 16 أكتوبر 2025.
من منظور مهرجاني، هذه النوعية من الأفلام تخدم رسالة القاهرة السينمائي لأنها تقول إن السينما المصرية الحالية ليست مجرد سوق جماهيرية أو إنتاج مناسب للموسم، بل سينما قادرة أيضاً على إنتاج حكايات مصرية خالصة بصياغة عالمية. حضور أسماء مثل نيللي كريم وشريف سلامة وحنان مطاوع داخل فيلم تقوده رؤية مخرجة في تجربتها الطويلة الأولى يمنح العمل كذلك توازناً بين الخبرة والرهان على دماء جديدة.
«ولنا في الخيال حب»: الوجه الآخر للصورة الجديدة
في المقابل، يقدّم فيلم «ولنا في الخيال حب» نموذجاً مختلفاً لكنه مكمل للصورة نفسها. العمل من تأليف وإخراج سارة رزيق، ويضم في بطولته أحمد السعدني ومايان السيد وعمر رزيق، مع موسيقى تصويرية من خالد حماد، وإنتاج تشارك فيه ريد ستار للإنتاج الفني والتوزيع السينمائي وفيلم سكوير للإنتاج. وتشير البيانات المتاحة إلى ارتباط الفيلم بعروض مهرجانية في 2025، مع ظهور اسمه أيضاً ضمن معلومات طرح محدود في فبراير 2026.
الرهان هنا مختلف عن «عيد ميلاد سعيد». فبدلاً من الصدمة الاجتماعية المباشرة، يذهب الفيلم إلى مساحة أكثر رومانسية وتأملاً، بما يوسّع الفكرة التي يمكن أن يصدّرها مهرجان القاهرة عن الإنتاج المصري: لسنا أمام سينما ذات نبرة واحدة. هناك أفلام اجتماعية قاسية، وأخرى وجدانية هادئة، وكلاهما يمكن أن يكون جزءاً من استراتيجية التصدير الثقافي إذا جرى تقديمهما داخل سردية واحدة عنوانها التنوع.
ما الذي تفعله إدارة مهرجان القاهرة عملياً؟
اللافت أن مهرجان القاهرة السينمائي لا يقدّم نفسه فقط بوصفه منصة عروض، بل كمنظومة صناعة كاملة. الموقع الرسمي للمهرجان يوضح أن دورته السابعة والأربعين ستقام بين 11 و20 نوفمبر 2026، وأنه يواصل تشغيل برامج مثل أيام القاهرة لصناعة السينما وملتقى القاهرة السينمائي وسوق القاهرة السينمائي، إلى جانب إطلاقات تدريبية مثل الموجة الجديدة وبرامج الواقع الممتد. كما أعلن المهرجان في 2026 عن مشاركته في أسبوع الحزام والطريق للسينما على هامش مهرجان شنغهاي، وعن تعاون ثلاثي مع فيبريسي ومواهب ديربان لتمكين النقاد الشباب.
هذا يعني أن توظيف أفلام مثل «عيد ميلاد سعيد» و«ولنا في الخيال حب» لا يحدث في الفراغ، بل داخل بنية عمل تحاول الربط بين العرض، الصناعة، النقد، والتشبيك الدولي. والنتيجة أن الفيلم المصري لا يُقدَّم بوصفه منتجاً نهائياً فقط، بل بوصفه مدخلاً للتعاون مع منتجين ومبرمجين ونقاد ومهرجانات أخرى. هنا تصبح المشاركة في شيان، مثل المشاركة السابقة في فعاليات شنغهاي المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، جزءاً من سياسة تراكمية لا من ظهور عابر.
الصين ليست مجرد سوق عرض.. بل مساحة لإعادة التموضع
بالنسبة إلى القارئ المصري، قد يبدو الخبر في ظاهره نشاطاً ثقافياً خارجياً، لكنه في جوهره يتعلق بموقع السينما المصرية نفسها في الخريطة الدولية. شيان مدينة ذات رمزية تاريخية في سردية «طريق الحرير»، واختيار مصر كضيف شرف يمنح الوفد المصري مساحة رمزية كبيرة لطرح سؤال: أي مصر سينمائية نريد أن يراها الآخرون؟ مصر الأفلام الكلاسيكية وحدها، أم مصر القادرة أيضاً على إنتاج أعمال جديدة تتعامل مع الطبقة والهوية والخيال والحب والمدينة بلغة بصرية معاصرة؟
من هذه الزاوية، يبدو الاختيار الذكي هو الجمع بين الذاكرة والراهن: استدعاء الثقل التاريخي للسينما المصرية، لكن عبر واجهة حديثة يمثلها مخرجون ومخرجات وأفلام أحدث. وهذا ما يجعل أفلاماً مثل «عيد ميلاد سعيد» و«ولنا في الخيال حب» مفيدة للمهرجان؛ لأنها تنقل صورة أقل نمطية وأكثر اتساعاً عن الصناعة المصرية.
الخلاصة: من التمثيل الثقافي إلى بناء علامة سينمائية مصرية
ما تفعله إدارة مهرجان القاهرة السينمائي اليوم يمكن قراءته باعتباره محاولة لبناء علامة سينمائية مصرية معاصرة. علامة لا تنكر التراث، لكنها لا تتوقف عنده؛ وتعرف أن الترويج الخارجي لم يعد يعتمد على اسم المهرجان وحده، بل على نوعية الأفلام التي يحملها معه، والرسائل التي تصدرها هذه الأفلام عن المجتمع المصري وقدرته على تجديد لغته الفنية.
إذا نجحت هذه الاستراتيجية، فسيكون مردودها أكبر من حضور عابر في مهرجان دولي: توسيع فرص التوزيع، جذب انتباه المبرمجين الدوليين، دعم المواهب الجديدة، وترسيخ صورة أن السينما المصرية ما زالت قادرة على إنتاج أفلام تتحدث من القاهرة إلى العالم. وبعد شيان، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على المشاركة، بل على كيفية اختيار الأفلام التي تُمثل مصر عندما تنظر إلى نفسها في مرآة العالم.