Filmatology

لانس أوبنهايم بين «Primetime» و«You Can See Everything»

لانس أوبنهايم يوسّع مساحته بين الوثائقي والروائي

بعد سنوات من بناء اسمه كمخرج يفضّل الاقتراب من الشخصيات الهامشية والوقائع الملتبسة، يدخل المخرج الأمريكي لانس أوبنهايم مرحلة جديدة في 2026 بفيلمين يضعانه في واجهة النقاش السينمائي: الأول هو «Primetime»، وهو أول أفلامه الروائية الطويلة، والثاني «You Can See Everything»، الوثائقي الذي شارك في إخراجه مع ناثان فيلدر (@nathanfielder على إنستغرام). هذا الانتقال لا يبدو قفزة منفصلة عن مشروعه السابق، بل امتدادًا واضحًا لاهتمامه المزمن بالمنطقة الرمادية بين الحقيقة والأداء، وبين الصورة الإعلامية والإنسان خلفها.

بالنسبة للقارئ العربي، وخصوصًا في مصر، تبدو أهمية هذه الأعمال في أنها تعيد طرح سؤال قديم بصيغة معاصرة: كيف تتحول المآسي أو الوقائع الحساسة إلى مادة فرجوية؟ هذا السؤال ليس أمريكيًا خالصًا، بل حاضر بقوة في أي بيئة إعلامية تعيد تدوير الواقع عبر الشاشات والمنصات. ومن هنا تأتي جاذبية أوبنهايم، الذي لا يقدّم شخصياته كعناوين جاهزة، بل كحالات تكشف شيئًا أوسع عن الثقافة التي صنعتها.

«Primetime».. من برنامج صادم إلى فيلم روائي مثير للجدل

شركة A24 (@a24 على إنستغرام) حدّدت يوم 25 سبتمبر 2026 موعدًا لطرح «Primetime» في دور العرض الأمريكية، والفيلم من إخراج لانس أوبنهايم وبطولة روبرت باتينسون في دور الإعلامي الأمريكي كريس هانسن. وتوضح الصفحة الرسمية للفيلم أن قصته تدور في عام 2006، حين كان هانسن يسعى إلى «صناعة تاريخ تلفزيوني» عبر برنامجه المرتبط بسلسلة التحقيقات الشهيرة To Catch a Predator. كما تؤكد المواد الرسمية أن العمل يضم أيضًا ميريت ويفر، وسكايلر جيزوندو، وفيبي بريدجرز، وماثيو ماهر، وبوكيم وودباين.

اللافت أن أوبنهايم لا يتعامل مع المادة باعتبارها سيرة تقليدية أو إعادة تمثيل حرفية. في حديث حديث له، أوضح أن الفيلم ينشغل أكثر بالفجوة بين الشخص وصورته العامة، وبكيفية تحوّل الإعلامي نفسه إلى شخصية أدائية أسيرة للنجاح الذي صنعه. هذه المقاربة تنسجم مع أسلوب المخرج الذي بنى مسيرته في أفلام غير روائية مثل Some Kind of Heaven وSPERMWORLD وRen Faire، حيث يفضّل مراقبة البشر داخل أنظمتهم الخاصة، لا الاكتفاء بتلخيص قصصهم.

وتشير التغطيات الأمريكية الحديثة إلى أن «Primetime» لا يقدّم هانسن كبطل أحادي أو خصم بسيط، بل يذهب إلى التوتر الأخلاقي الكامن في تحويل العدالة التليفزيونية إلى عرض جماهيري. وكالة أسوشيتد برس ذكرت أن الفيلم يتناول صعود هانسن خلال ذروة شهرة البرنامج، بينما لفتت مواد نقدية أخرى إلى أن اختيار باتينسون للدور كان جزءًا أساسيًا من جاذبية المشروع منذ البداية.

لماذا أثار رد فعل كريس هانسن كل هذا الانتباه؟

جزء كبير من الزخم حول الفيلم جاء من موقف كريس هانسن نفسه. تقارير صحافية حديثة أوضحت أن هانسن عبّر عن استيائه من المشروع، وقال إنه لم يُتح له الاطلاع عليه بالشكل الذي يرضيه قبل عرضه، بينما رد أوبنهايم بأن هذا التوتر نفسه ينسجم مع الفكرة الأساسية للفيلم: الصراع بين الشخص الحقيقي والنسخة العامة التي تتكوّن عنه في الثقافة الشعبية. هذا الخلاف لم يبقَ هامشيًا، بل أصبح جزءًا من حملة الحديث عن الفيلم قبل إطلاقه.

وفي مقابلة مطوّلة، ربط أوبنهايم اهتمامه بهانسن بفكرة «العدالة الاستعراضية» وكيف يمكن للكاميرا أن تتحول من أداة توثيق إلى أداة عقاب علني. هذه النظرة تفسر سبب ميل «Primetime» إلى المساحة النفسية والكوابيسية أكثر من ميله إلى السرد الصحافي المباشر. بالنسبة للجمهور الذي يتابع أخبار السينما العالمية من مصر والمنطقة، فالفيلم يبدو أقرب إلى تشريح لصناعة الفرجة الإعلامية منه إلى حكاية عن برنامج تلفزيوني فقط.

روبرت باتينسون في قلب المشروع

أحد أسباب ارتفاع سقف التوقعات هو وجود روبرت باتينسون في البطولة، إلى جانب مشاركته كمنتج في العمل وفق مقابلات نُشرت هذا الأسبوع. أوبنهايم تحدث بإعجاب كبير عن أداء باتينسون، معتبرًا أنه لا يقلّد هانسن حرفيًا بقدر ما يعيد تركيب صورته من أرشيفه التلفزيوني، ومن حضوره الجماهيري، ومن تأثير الشهرة على صاحبه. هذه الفكرة تضيف طبقة تمثيلية معقدة: ممثل مشهور يؤدي شخصية إعلامية تحولت هي الأخرى إلى ظاهرة ثقافية.

كما أن المواد الرسمية من A24 تضع باتينسون في مقدمة الحملة الدعائية للفيلم، وهو ما ساعد على توسيع الاهتمام خارج دوائر السينما الفنية. وبينما لا يملك باتينسون حسابًا عامًا رسميًا موثقًا على إنستغرام يمكن التحقق منه بشكل موثوق، فإن حضوره الإعلامي وحده كافٍ لجعل «Primetime» أحد العناوين البارزة في خريف 2026 السينمائي.

«You Can See Everything».. الوثائقي السري عن إليزابيث هولمز

بالتوازي مع «Primetime»، يستعد أوبنهايم لإطلاق «You Can See Everything»، وهو مشروع وثائقي شارك في إخراجه مع ناثان فيلدر. ووفق المعلومات المنشورة على صفحة أفلام A24، من المقرر عرض الفيلم في 16 أكتوبر 2026. المقابلات الأخيرة أوضحت أن العمل يتتبع إليزابيث هولمز وشريكها بيلي إيفانز في المنزل خلال الأسابيع التي سبقت دخول مؤسسة Theranos السابقة إلى السجن الفيدرالي بعد إدانتها بالاحتيال على المستثمرين.

المخرج تعمد الإبقاء على قدر كبير من السرية حول الفيلم، بل طلب صراحة عدم حرق تفاصيله بعد العروض الأولى، مشيرًا إلى أن جزءًا من تأثيره قائم على دخول الجمهور إليه بلا معرفة مسبقة. هذا التكتّم رفع الفضول حول العمل، خصوصًا مع اسم ناثان فيلدر المعروف بتجاربه التي تمزج الأداء بالمراقبة والسلوك الاجتماعي. ومن الواضح أن أوبنهايم يرى هذا الوثائقي امتدادًا مباشرًا لاهتمامه بالسؤال نفسه: ماذا يحدث حين تصطدم الحقيقة بطريقة تصويرها؟

ما الذي يجمع الفيلمين؟

رغم اختلاف الشكل بين فيلم روائي وآخر وثائقي، إلا أن الرابط بينهما واضح. كلاهما يدور حول شخصيات عاشت داخل ماكينة شهرة هائلة: كريس هانسن كوجه تلفزيوني، وإليزابيث هولمز كاسم ارتبط بواحدة من أكبر فضائح وادي السيليكون. في الحالتين، لا يبدو أوبنهايم مهتمًا فقط بما فعلته هذه الشخصيات، بل بكيفية رؤيتها لنفسها، وكيف أعادت الكاميرا والجمهور والسمعة تشكيلها.

  • «Primetime»: طرح سينمائي أمريكي في 25 سبتمبر 2026 عبر A24.
  • بطولة «Primetime»: روبرت باتينسون، ميريت ويفر، سكايلر جيزوندو، فيبي بريدجرز، ماثيو ماهر، وبوكيم وودباين.
  • «You Can See Everything»: موعده المعلن 16 أكتوبر 2026، ومن إخراج ناثان فيلدر ولانس أوبنهايم.
  • موضوع الوثائقي: إليزابيث هولمز وبيلي إيفانز قبل بدء تنفيذ عقوبة السجن الفيدرالي.

لماذا يهم هذا الخبر قارئ السينما في مصر؟

من منظور عربي ومصري، لا تكمن أهمية الخبر في متابعة هوليوود لذاتها فقط، بل في متابعة كيف تتحول السينما العالمية اليوم إلى مختبر لأسئلة الإعلام والسلطة والصورة العامة. هذه موضوعات مألوفة للجمهور في المنطقة، سواء عبر التلفزيون التقليدي أو المنصات الرقمية أو اقتصاد الفضائح الذي يحيط بالمشاهير. لذلك فإن متابعة صعود لانس أوبنهايم ليست مجرد خبر عن مخرج أمريكي شاب، بل مؤشر على نوع الأفلام التي باتت تحظى باهتمام نقدي وتجاري معًا.

الخلاصة أن 2026 قد تكون سنة التحول الحاسمة في مسيرة أوبنهايم: «Primetime» يضعه في اختبار السرد الروائي أمام جمهور أوسع، بينما «You Can See Everything» يعيده إلى منطقة التوتر الوثائقي التي يعرفها جيدًا. وبين الفيلمين، يبدو أن المخرج لا يزال مخلصًا لفكرته المركزية: الواقع نفسه قد يكون أكثر غرابة من أي خيال، لكن الكاميرا هي التي تحدد كيف سنراه، وكيف سنتذكره.