Filmatology

لماذا عجزت هوليوود عن تقديم فيلم عظيم عن 11 سبتمبر؟

بين الذاكرة والدراما: لماذا بقي 11 سبتمبر تحديًا شبه مستحيل لهوليوود؟

رغم مرور نحو 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر 2001، لا يزال هذا الحدث من أصعب المواد التي اقتربت منها السينما الأمريكية. الهجمات التي أودت بحياة 2,977 شخصًا بعد خطف أربع طائرات مدنية وتحويلها إلى أسلحة، لم تكن مجرد واقعة سياسية أو أمنية، بل صدمة بصرية ونفسية عالمية بُثَّت مباشرة على الشاشات، وهو ما جعل إعادة تمثيلها سينمائيًا مسألة شديدة الحساسية أخلاقيًا وفنيًا في آن واحد.

ومن زاوية مراجعات الأفلام تحديدًا، تبدو المشكلة أوضح: كيف يمكن لفيلم روائي أن يضيف شيئًا إلى حدث ما تزال صوره الأصلية مطبوعة في الوعي الجمعي؟ هنا بالضبط يكمن سبب تعثر هوليوود في إنتاج “الفيلم العظيم” عن 11 سبتمبر؛ فالكاميرا السينمائية تصطدم دائمًا بحقائق موثقة، وبذاكرة جماعية ترفض المبالغة، وبجمهور يتعامل مع أي انحراف درامي باعتباره استغلالًا للمأساة.

فيلمان بارزان... لكن ليسا الحسم النهائي

عندما يُطرح السؤال عن أبرز الأفلام التي تناولت 11 سبتمبر، يظهر اسمان على الفور: United 93 للمخرج البريطاني بول غرينغراس وWorld Trade Center للمخرج الأمريكي أوليفر ستون. كلاهما صدر عام 2006، أي بعد خمس سنوات فقط من الهجمات، لكنهما سلكا طريقين مختلفين تمامًا.

United 93 يظل في نظر كثير من النقاد أقرب محاولة ناجحة. الفيلم، الذي أخرجه وكتبه بول غرينغراس، يتتبع في زمن شبه حقيقي ما جرى على متن الرحلة الرابعة التي تحطمت قرب شانكسفيل في بنسلفانيا عند 10:03 صباحًا بعدما قاوم الركاب الخاطفين، بحسب ما يورده أرشيف المعهد الأمريكي للأفلام. هذه المقاربة التقشفية، التي تقلل البطولة الهوليوودية التقليدية إلى الحد الأدنى، منحت الفيلم قوة استثنائية بدلًا من الخطابة.

الفيلم حقق حضورًا نقديًا لافتًا: حصل على تقييم 90% على Rotten Tomatoes من 208 مراجعات، مع إجماع نقدي يعتبره عملًا رصينًا يحترم موضوعه من دون تهويل. كما سجّل 90/100 على Metacritic، وهو رقم يعكس استقبالًا نقديًا قويًا جدًا. وعلى مستوى الجوائز، تشير قاعدة AFI إلى أنه نال ترشيحات أوسكار في الإخراج والمونتاج، وفاز بول غرينغراس بجائزة BAFTA عن الإخراج، كما دخل ضمن أفلام العام لدى AFI.

تجاريًا، لم يكن الفيلم ضخم الإيرادات بالمعنى الهوليوودي، لكنه لم يفشل أيضًا؛ إذ حقق 76.7 مليون دولار عالميًا، منها 31.48 مليون دولار في شباك التذاكر الأمريكي، وفق Box Office Mojo. هذه أرقام محترمة لفيلم بالغ الصعوبة من حيث الموضوع والنبرة.

في المقابل، اختار World Trade Center نهجًا أكثر تقليدية، متمحورًا حول قصص نجاة رجال الإنقاذ تحت الأنقاض. الفيلم حقق إيرادات أمريكية بلغت 70.27 مليون دولار في 2006، أي أعلى من United 93 محليًا، لكنه لم يحظَ بالمكانة النقدية نفسها في الذاكرة السينمائية. ليس لأنه ضعيف بالضرورة، بل لأن مقاربته الميلودرامية بدت أقرب إلى إعادة طمأنة الجمهور الأمريكي منها إلى مساءلة الحدث أو تفكيكه سينمائيًا.

لماذا لم يولد “الفيلم الكبير” حتى الآن؟

المشكلة الأولى أن 11 سبتمبر ليس حدثًا واحدًا بل عدة أحداث في وقت واحد: نيويورك، البنتاجون، الرحلة 93، غرف التحكم، الإعلام، ثم ما أعقب ذلك من “الحرب على الإرهاب”. أي فيلم يختار زاوية واحدة يخسر بالضرورة الإحساس بالشمول، وأي فيلم يحاول احتواء الكل يواجه خطر التفكك والسطحية. لهذا فضّل غرينغراس تضييق العدسة إلى أقصى حد، بينما فضّل ستون سردًا إنسانيًا محدود النطاق.

المشكلة الثانية أن الصور الأصلية كانت أقوى من أي إعادة تمثيل. الجمهور شاهد البرجين لحظة الاصطدام والانهيار، وشاهد الذعر المباشر على الهواء. في مثل هذه الحالات، يصبح السؤال النقدي قاسيًا: ماذا ستضيف المؤثرات البصرية أو نجومية الممثلين؟ لهذا يبدو كثير من المشاريع الروائية عن 11 سبتمبر إما زائدة عن الحاجة أو خائفة من الذهاب بعيدًا.

أما المشكلة الثالثة فهي الأخلاق. السينما بطبيعتها تحتاج إلى بناء شخصيات، تصعيد، ذروة، وخاتمة. لكن تحويل مأساة بهذا الحجم إلى قوس درامي مألوف قد يبدو تبسيطًا جارحًا. لهذا نجد أفضل الأعمال المرتبطة بالحدث غالبًا ذهبت إلى الوثائقي أو إلى الحكايات الجانبية، لا إلى “الفيلم الشامل” الذي يدّعي احتواء المأساة كلها.

هل كان “يونايتد 93” الأقرب فعلًا؟

من منظور نقدي بحت، يمكن القول إن United 93 كان الأقرب إلى هذا اللقب، لا لأنه “الأكبر” إنتاجيًا، بل لأنه فهم حدود السينما أمام المأساة. غرينغراس لم يقدم بطولات مصقولة، ولم يحوّل الركاب إلى شخصيات خارقة، بل اعتمد على توتر زمني، وأداءات أقرب إلى التسجيل الحي، وإحساس بالارتباك المؤسسي داخل غرف المراقبة. النتيجة كانت فيلمًا مرهقًا ومؤلمًا، لكنه نجا من فخ الاستعراض.

حتى على مستوى الصناعة، هناك دلالة مهمة: بحسب AFI، تبرعت Universal Pictures بنسبة 10% من إيرادات الأيام الثلاثة الأولى في أمريكا الشمالية إلى Flight 93 National Memorial Fund. قد يبدو هذا تفصيلًا جانبيًا، لكنه يكشف درجة الحذر التي أحاطت بالفيلم، ومحاولة ربطه بالتذكّر العام أكثر من استثماره تجاريًا فقط.

لماذا يهم هذا النقاش للقارئ المصري؟

للقارئ في مصر، تبدو القضية أبعد من هوليوود نفسها. نحن هنا أمام سؤال يخص كيف تتعامل السينما مع الكوارث الجماعية، وكيف يمكن للفيلم أن يوازن بين احترام الضحايا وصناعة دراما مؤثرة. وهذه معضلة نعرفها جيدًا في المنطقة العربية أيضًا كلما اقترب الفن من الحروب أو الإرهاب أو الفواجع العامة.

ومن هنا، فإن مراجعة أفلام 11 سبتمبر ليست مجرد مناسبة أمريكية، بل تمرين نقدي على حدود السينما عندما تواجه حدثًا أكبر من قدرتها على التخييل. ولهذا بالتحديد، لم تصنع هوليوود حتى الآن فيلمًا نهائيًا أو متفقًا عليه باعتباره العمل الحاسم عن 11 سبتمبر. ما لدينا هو محاولات متفاوتة: بعضها محترم، بعضها حذر، وبعضها مؤثر، لكن أيًا منها لم يتحول إلى المرجع السينمائي الأوحد.

الخلاصة

إذا كان لا بد من اختيار الفيلم الأهم في هذا الملف، فسيبقى United 93 المرشح الأقوى؛ لأنه تعامل مع الحدث بصرامة شكلية وأخلاقية نادرة، ولأنه قدّم تجربة مشاهدة قاسية بلا ابتزاز عاطفي مباشر. لكن حتى هذا الفيلم، على قوته، لا يختصر مأساة 11 سبتمبر كلها. وربما هنا تكمن الإجابة النهائية: الحدث نفسه أكبر من أن يُحتوى داخل فيلم واحد. ولهذا ما زالت هوليوود، بعد كل هذه السنوات، تدور حول الجرح أكثر مما تدخل إلى قلبه.

  • أفضل مقاربة نقدية: United 93
  • أبرز معالجة إنسانية تقليدية: World Trade Center
  • العائق الأساسي: صعوبة تحويل ذاكرة جماعية موثقة إلى دراما لا تبدو مستغِلة
  • النتيجة: لا يوجد حتى الآن فيلم هوليوودي “نهائي” عن 11 سبتمبر