Filmatology

لماذا يستحق فيلم «بومة» متابعة خاصة من جمهور مصر؟

بعد شنغهاي: لماذا يبدو «بومة» فيلمًا عربيًا يستحق الانتظار؟

حين يصل فيلم عربي إلى عرضه العالمي الأول من بوابة مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي، فالمسألة لا تتعلق فقط بخبر مهرجاني عابر، بل بإشارة مبكرة إلى عمل يريد أن يدخل النقاش الأوسع حول شكل السينما العربية اليوم، وكيف تتحدث عن الهامش الاجتماعي، والنساء، والعنف اليومي، والبحث المؤلم عن الانتماء. هذا بالضبط ما يفعله فيلم «بومة» للمخرج الأردني زيد أبو حمدان، الذي أُعلن عرضه العالمي الأول ضمن مسابقة المواهب الآسيوية الجديدة في الدورة الثامنة والعشرين من مهرجان شنغهاي، المقامة بين 12 و21 يونيو 2026.

وبالنسبة لجمهور مصر، خصوصًا المتابعين لمسار الأفلام العربية خارج القوالب التجارية المعتادة، فـ«بومة» يبدو مشروعًا مهمًا لعدة أسباب: اسم مخرجه، بطلته ركين سعد، موضوعه الاجتماعي الحاد، وموقعه داخل خريطة المهرجانات الآسيوية والدولية التي باتت تمنح السينما العربية مساحة أوسع للحضور والمنافسة.

1) مهرجان شنغهاي ليس محطة عادية في مسيرة فيلم عربي

أهمية البداية من شنغهاي تنبع من وزن المهرجان نفسه. فالمهرجان افتتح دورته الثامنة والعشرين يوم 12 يونيو 2026، ويُقدَّم رسميًا بوصفه المهرجان المصنف من فئة “A-list” الوحيد في الصين، كما أنه من أكبر المنصات السينمائية في آسيا. وفي تغطية ختام الدورة، أشار المهرجان إلى أن قسم Asian New Talent ضم 12 فيلمًا بينها «Boomah»، ولفت تحديدًا إلى أنه أول فيلم أردني يُختار لهذا القسم.

هذه المعلومة وحدها كافية لتفسير جزء من الزخم حول الفيلم. فحين يكون «بومة» أول حضور أردني في هذا المسار داخل شنغهاي، فهو لا يمثل مجرد عنوان جديد، بل يوسع مساحة التمثيل العربي في ساحة آسيوية شديدة التنافس. بالنسبة للقارئ المصري، هذا يعني أننا أمام فيلم يدخل من باب الاعتراف البرامجي الدولي، لا من باب المجاملة أو التمثيل الرمزي.

2) زيد أبو حمدان يواصل خطًا واضحًا بعد «بنات عبد الرحمن»

العامل الثاني الذي يمنح «بومة» خصوصيته هو اسم مخرجه. زيد أبو حمدان ليس صوتًا طارئًا على السينما العربية، بل مخرج سبق أن لفت الأنظار عربيًا مع «بنات عبد الرحمن»، وهو فيلمه الروائي الطويل الأول. ووفق بيانات مهرجان عمّان الدولي للأفلام، حصل «بنات عبد الرحمن» على جائزة الجمهور في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2021، إلى جانب حضور في مهرجانات أخرى.

هذا مهم جدًا من زاوية مصرية؛ لأن جمهور القاهرة تحديدًا يعرف كيف يلتقط الأفلام التي تنجح في خلق علاقة مباشرة مع المتلقي من دون أن تتنازل عن طموحها الفني. لذلك، فإن أي مشروع جديد لزيد أبو حمدان يأتي محمّلًا بتوقعات مشروعة: هل سيكرر قدرته على الاشتباك مع قضايا اجتماعية عربية بلغة درامية قريبة من الناس؟ كل المؤشرات تقول إن «بومة» يحاول فعل ذلك، لكن في مساحة أكثر قتامة وتشويقًا.

3) ركين سعد في دور مختلف عن الصورة الشائعة عنها

من أبرز أسباب الاهتمام بالفيلم أيضًا وجود ركين سعد في البطولة. الأخبار المنشورة عن «بومة» قدّمتها باعتبارها الوجه الرئيسي للفيلم، إلى جانب مجد عيد ونبيل الراعي وجوانا عريضة وفرح بسيسو وحنان حلو. وبالنسبة للمتابع المصري، فركين سعد ليست اسمًا مجهولًا: عرفها قطاع واسع من الجمهور عربيًا عبر «مدرسة الروابي للبنات»، كما حضرت سينمائيًا في «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» الذي عُرض في فينيسيا 2024.

لكن الأهم هنا أن «بومة» يضعها في مساحة أداء تبدو أكثر خشونة وتعقيدًا. الشخصية المركزية ليست بطلة رومانسية أو اجتماعية تقليدية، بل امرأة تتحرك داخل عالم من الابتزاز والترهيب وتبادل المصالح في هوامش المجتمع الأردني. هذا التحول في طبيعة الدور قد يكون أحد أبرز عناصر الجذب؛ لأن الفيلم يمنح ممثلته الرئيسية فرصة للابتعاد عن الصورة المألوفة، والاقتراب من شخصية مأزومة أخلاقيًا ونفسيًا، لكنها إنسانية إلى حد بعيد.

4) قصة الهامش الاجتماعي هنا ليست زينة موضوعية

بحسب الملخصات المتداولة من الجهات الناشرة للأخبار، تدور أحداث «بومة» في مناطق مهمشة داخل الأردن، حول امرأة تعيش في أسفل السلم الاجتماعي، وتعمل داخل اقتصاد غير رسمي قائم على فرض النفوذ وتسوية النزاعات الصغيرة والأتاوات والترهيب. ثم يتغير مسار حياتها مع دخول طفلين إلى عالمها، بينما تبدأ قوة إجرامية أكثر تنظيمًا في إعادة تشكيل المجال الذي تعيش فيه.

هذه ليست ثيمة مستهلكة إذا قُدِّمت بحس محلي صادق. ما يبدو لافتًا في «بومة» أن زيد أبو حمدان لا يتعامل مع التهميش بوصفه خلفية ديكورية، بل كمنظومة حياة كاملة: اقتصاد ظل، خوف، عنف، هشاشة، ورغبة مستحيلة تقريبًا في الانتماء. وحتى التصريحات المنسوبة إليه تؤكد ذلك؛ إذ قال إن الشخصية وُلدت من قصص حقيقية لنساء في الأردن تعرضن لسوء الفهم والأحكام المسبقة.

هنا تبرز نقطة ستهم القارئ المصري تحديدًا: الفيلم لا يبيع «غرابة» المجتمع الأردني، بل يقترب من خبرة عربية مفهومة جدًا في مصر أيضًا؛ خبرة العيش على الحافة، والبحث عن مكان في مجتمع قد يستخدم المهمشين ثم يعاقبهم. لذلك فالتقاطع مع وجدان المتفرج المصري يبدو واردًا للغاية، حتى لو كانت البيئة محلية أردنية خالصة.

5) مواقع التصوير والملمس المحلي يمنحان الفيلم صدقه

في العرض الخاص الذي احتفت به الهيئة الملكية الأردنية للأفلام قبل التوجه إلى شنغهاي، كُشف أن تصوير الفيلم جرى في القسطل وجرش وأحياء من جبل عمّان والوحدات وبيادر وادي السير ووادي الحدادة. هذه التفاصيل ليست ثانوية، لأنها تؤكد أن الفيلم متجذر بصريًا في المكان، لا يكتفي بعنوان «فيلم أردني» من دون ملامح ملموسة.

ولجمهور السينما العربية في مصر، هذا النوع من التحديد الجغرافي مهم؛ لأن أحد أسباب ضعف بعض الإنتاجات الإقليمية هو فقدانها الإحساس الحقيقي بالمكان. أما «بومة» فيبدو، من المعلومات المتاحة، منحازًا إلى بيئة حية يمكن رؤيتها وسماعها ولمس توترها الطبقي والاجتماعي داخل الكادر.

6) إنتاج عربي عابر للحدود ودعم مؤسسي لافت

الفيلم من تأليف وإخراج زيد أبو حمدان، وإنتاج جيانلوكا شقرا وأحمد أبو كوش وساري السلاوي، كما أشارت تغطيات أخرى إلى أنه من إنتاج Front Row Productions وBounce Productions وBeyt Al Shawareb. كذلك نال دعم الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وورد أيضًا أنه حظي بدعم جزئي من Red Sea Film Fund.

هذا النمط من الإنتاج مهم لأنه يعكس كيف تتحرك السينما العربية الجادة الآن: شراكات إقليمية، صناديق دعم، ومهرجانات تفتح الباب للانتشار الدولي. وبالنسبة للسوق المصرية، التي تظل الأكبر عربيًا من حيث الوعي الجماهيري بتاريخ السينما وحجم النقاش النقدي، فإن متابعة هذه النماذج ليست رفاهية، بل ضرورة لفهم أين تتجه الصناعة العربية خارج المركز التجاري التقليدي.

7) لماذا يهم جمهور مصر تحديدًا؟

لأن «بومة» يجمع بين ثلاثة عناصر يحبها جمهور السينما العربية في مصر حين تتوافر في فيلم واحد:

  • اسم مخرج له سابقة محترمة عربيًا بعد «بنات عبد الرحمن».
  • نجمة معروفة جماهيريًا مثل ركين سعد، لكن في دور يبدو مختلفًا وأكثر تحديًا.
  • حكاية اجتماعية مشدودة إلى الجريمة والتشويق، بدل الاكتفاء بالطرح الوعظي أو الخطابي.

كما أن الفيلم يفتح نافذة على السينما الأردنية بوصفها جزءًا حيويًا من المشهد العربي الأوسع، وهو ما ينسجم تمامًا مع زاوية «السينما العربية» التي تهم القارئ المصري الباحث عن أصوات جديدة من المنطقة، لا عن متابعة محلية ضيقة فقط.

الخلاصة: فيلم يجب وضعه على الرادار من الآن

ربما لا نملك بعد كل الإجابات الفنية النهائية حول «بومة» قبل اتساع دائرة عروضه، لكن ما هو مؤكد حتى الآن أنه أحد أبرز الأفلام العربية التي تستحق المتابعة في 2026: عرض عالمي أول في شنغهاي، أول حضور أردني في قسم Asian New Talent، بطولة ركين سعد، وعودة زيد أبو حمدان إلى عالم الشخصيات المنسية على هامش المجتمع.

لهذا كله، فإن «بومة» ليس مجرد عنوان مهرجاني جديد، بل مشروع عربي يبدو قادرًا على جمع ما يهم المشاهد المصري الذكي: الحكاية، والهوية المحلية، والبعد الإنساني، والطموح الدولي. وعندما يبدأ فيلم عربي رحلته من هذه النقطة، فمن الحكمة أن نراقبه مبكرًا.