لورانس هيرسبيرغ تدافع عن استقلال المهرجانات في قمة لوميير
الضغوط السياسية تقتحم نقاشات المهرجانات في قمة لوميير
في وقت تتغير فيه خريطة عرض الأفلام والمسلسلات عالميًا، برزت مسألة استقلال المهرجانات السينمائية كواحدة من أكثر القضايا إلحاحًا داخل قمة لوميير 2026 التي استضافتها مدينة سان بول دو فونس في جنوب فرنسا يوم الاثنين 7 سبتمبر 2026. القمة أُقيمت في مؤسسة ماغ، وجمعت مسؤولين حكوميين، وشركات كبرى، ومبدعين، ومؤسسات ثقافية من خمس قارات لمناقشة مستقبل السينما والصورة المتحركة.
الحدث نفسه يحمل وزنًا سياسيًا وثقافيًا كبيرًا؛ إذ أوضح البرنامج الرسمي أن القمة جاءت برئاسة مشتركة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي-ميونغ، وبهدف بحث سبل حماية قيمة الأعمال السينمائية والسمعية البصرية في العقد المقبل، وسط تحديات التمويل، والتحول التكنولوجي، وتبدل عادات الجمهور.
لورانس هيرسبيرغ: تقييم الفنان يجب أن يكون على العمل لا الجنسية
أقوى المواقف في الجلسة الخاصة بالمهرجانات جاءت من لورانس هيرسبيرغ، المديرة العامة لمهرجان سيريز مانيا، الذي يقدّم نفسه بوصفه أكبر حدث أوروبي مخصص بالكامل للمسلسلات. هيرسبيرغ شددت على مبدأ مهني واضح: الحكم على الفنانين يجب أن يكون من خلال أعمالهم، لا عبر جوازات سفرهم أو جنسياتهم. هذا الطرح وضعها في قلب نقاش حساس يتجاوز البرمجة الفنية إلى علاقة الثقافة بالسياسة والهوية والتمثيل الدولي.
أهمية هذا الموقف لا ترتبط فقط بالخطاب المبدئي، بل أيضًا بطبيعة سيريز مانيا نفسه؛ فالمهرجان المقام في مدينة ليل الفرنسية يستقبل جمهورًا واسعًا، ويؤكد في تعريفه الرسمي أنه بات منذ انتقاله إلى ليل عام 2018 أكبر تظاهرة أوروبية مكرسة حصريًا للمسلسلات، مع ما يصل إلى 108 آلاف متفرج و5 آلاف محترف من قطاع التلفزيون خلال فعالياته. هذا الحجم يمنح أي قرار برامجي داخله تأثيرًا حقيقيًا على اكتشاف الأعمال وتسويقها وتداولها.
من حضر الجلسة؟ أسماء ثقيلة من أكبر مهرجانات العالم
النقاش لم يكن هامشيًا داخل القمة، بل جاء ضمن جلسة رسمية بعنوان "من السهل انتقاد المهرجان.. ومن المستحيل الاستغناء عنه". ووفق البرنامج المنشور على الموقع الرسمي لقمة لوميير، شارك في الجلسة مسؤولون من أبرز المنصات والمهرجانات الدولية، بينهم:
- إيريس كنوبلوخ، رئيسة مهرجان كان.
- تريشيا تاتل، مديرة برليناله.
- كاميرون بيلي، الرئيس التنفيذي لـمهرجان تورنتو السينمائي الدولي.
- لورانس هيرسبيرغ، المديرة العامة لـسيريز مانيا.
- فيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي لـمؤسسة البحر الأحمر.
- مايالين بيلّوكي، نائبة مدير مهرجان سان سيباستيان.
- بيتر ديبروج، مدير SXSW Film & TV Festival.
كما أدار الجلسة راجيندرا روي، كبير أمناء قسم الأفلام في متحف الفن الحديث MoMA. هذا التنوع في المشاركين يكشف أن القضية ليست فرنسية فقط، بل تتعلق بمستقبل المهرجانات بوصفها بوابات رئيسية لاكتشاف الأفلام والمسلسلات وإطلاقها في السوق العالمية.
لماذا يهم هذا النقاش جمهور "شباك التذاكر"؟
قد يبدو الجدل حول الاستقلال البرامجي قضية نخبوية تخص إدارات المهرجانات فقط، لكنه في الحقيقة يمس مباشرة حركة شباك التذاكر وسوق العرض. كثير من الأفلام تبدأ رحلتها من مهرجان كبير قبل أن تصل إلى دور السينما، أو المنصات، أو أسواق التوزيع الدولية. وعندما تتعرض المهرجانات لضغوط سياسية بشأن من يُعرض ومن يُستبعد، فإن ذلك ينعكس على فرص مشاهدة الأعمال، وصفقات بيعها، وصورتها التجارية أمام الجمهور والنقاد.
بالنسبة للقارئ المصري، هذه المسألة ليست بعيدة. فالمهرجانات الكبرى كثيرًا ما تحدد أي الأفلام ستحظى بزخم نقدي وإعلامي، وأيها سيجد طريقه لاحقًا إلى قاعات العرض أو المنصات في المنطقة العربية. وبالتالي، فإن الدفاع عن استقلال الاختيار الفني ليس مجرد شعار ثقافي، بل عنصر أساسي في دورة حياة الفيلم من أول عرض عالمي حتى عوائده التجارية.
قمة لوميير.. منصة أوسع من مجرد مهرجان
البرنامج الرسمي لقمة لوميير يوضح أن الحدث لا يقتصر على مناقشة المهرجانات، بل يمتد إلى ملفات مثل الذكاء الاصطناعي، وتمويل الإنتاج، وعلاقة الصناعة بالجمهور، وحماية التراث السينمائي، وحرية الإبداع. كما أكدت القمة أن قطاع الصورة المتحركة يمر بمرحلة فاصلة بعد آثار الجائحة، وإضرابات هوليوود، والتغيرات الهيكلية في عادات المشاهدة، وصعود اقتصاد الانتباه.
ومن هذه الزاوية، جاءت جلسة المهرجانات كجزء من سؤال أكبر: كيف تظل المهرجانات قادرة على اكتشاف الأعمال والاحتفاء بها وحمايتها من الاستقطاب، في وقت تتقلص فيه نوافذ العرض التقليدي وتشتد المنافسة على انتباه الجمهور؟
سيريز مانيا كنموذج
يُستخدم سيريز مانيا هنا مثالًا لافتًا، لأنه يمثل توسع فكرة المهرجان من السينما إلى المسلسلات، أي إلى قطاع أصبح لاعبًا رئيسيًا في صناعة الترفيه العالمية. الموقع الرسمي للمهرجان يصفه بأنه حدث يجمع بين العروض الأولى العالمية، واللقاءات الجماهيرية، والماستر كلاس، إلى جانب منتدى مهني يستقطب آلاف المتخصصين. هذا يفسر لماذا تحمل تصريحات هيرسبيرغ وزنًا أكبر من مجرد تعليق عابر داخل ندوة.
هل تتغير وظيفة المهرجانات في السنوات المقبلة؟
الرسالة الأوضح من نقاش قمة لوميير هي أن المهرجانات لم تعد مجرد سجاد أحمر وعروض افتتاح وختام، بل أصبحت ساحة تفاوض بين الفن والسوق والسياسة. وفي ظل تصاعد الجدل حول التمثيل الوطني، وحرية البرمجة، ودور المؤسسات الثقافية في أوقات الاستقطاب، يبدو أن مديري المهرجانات يدافعون الآن عن وظيفة أساسية: إبقاء باب المشاهدة مفتوحًا أمام العمل الجيد مهما كان منشؤه.
وهذا بالتحديد ما يجعل تصريح لورانس هيرسبيرغ لافتًا؛ لأنه يعيد تعريف معيار الاختيار في لحظة عالمية مشحونة: الجودة الفنية أولًا. بالنسبة لصناعة تعتمد على الانطلاق من المهرجانات إلى الجمهور، فإن أي تراجع عن هذا المبدأ قد يغيّر شكل السوق نفسه، من عناوين تتصدر النقاش، إلى أفلام تحصل على عقود توزيع، وصولًا إلى نتائج شباك التذاكر لاحقًا.
الخلاصة
ما حدث في سان بول دو فونس يوم 7 سبتمبر 2026 يتجاوز حدود جلسة نقاشية عابرة. إنه مؤشر على أن المهرجانات السينمائية والتلفزيونية تدخل مرحلة جديدة من اختبار استقلالها، وسط عالم أكثر حساسية سياسيًا وأكثر تنافسية تجاريًا. وبينما تمضي القاعات والمنصات في سباقها على الجمهور، تبقى المهرجانات نقطة البداية لكثير من الأعمال التي تصنع لاحقًا أثرًا نقديًا وتجاريًا. لذلك، فإن الدفاع عن حرية البرمجة اليوم قد يكون دفاعًا مباشرًا عن تنوع ما سنشاهده غدًا، وعن صحة السوق التي تحركها هذه الأعمال من أول عرض إلى آخر تذكرة.