Filmatology

لوكارنو برو يفتح ملف الذكاء الاصطناعي ومستقبل السينما المستقلة

لوكارنو برو يواجه أسئلة الصناعة من بوابة الذكاء الاصطناعي

في وقت تتسارع فيه التحولات داخل سوق السينما العالمية، يقدّم لوكارنو برو، الذراع المهنية التابعة لمهرجان لوكارنو السينمائي، برنامجًا يضع القضايا الأكثر إلحاحًا في قلب النقاش: من صعود الذكاء الاصطناعي، إلى نفوذ الخوارزميات، وصولًا إلى تركز السوق في أيدي عدد محدود من اللاعبين الكبار. هذه المقاربة تبدو شديدة الصلة بلحظة تعيشها أيضًا أسواق المنطقة العربية والأفريقية، حيث بات صناع الأفلام المستقلون يواجهون أسئلة صعبة حول التمويل والتوزيع والوصول إلى الجمهور.

المهرجان السويسري، الذي تُقام دورته الثامنة والسبعون بين 6 و16 أغسطس 2025 في لوكارنو، رسّخ مكانته كواحد من أهم منصات السينما الفنية والمستقلة في أوروبا، فيما يعمل Locarno Pro كمساحة موازية تجمع المنتجين والموزعين والممولين وواضعي السياسات لمناقشة مستقبل الصناعة. وتُظهر المواد الرسمية للمهرجان أن اسم ماركوس دوفنر يرتبط بإدارة لوكارنو برو، كما تؤكد وثائق المهرجان الرسمية استمرار هذا المسار المهني داخل البنية المؤسسية للفعالية.

عنوان لافت: القوة والناس والبيانات

الخط التحريري الذي يحكم البرنامج هذا العام يدور حول ثلاثية يمكن تلخيصها في: القوة، الناس، والبيانات. الفكرة هنا ليست تقنية خالصة، بل سياسية وثقافية أيضًا. فالسؤال لم يعد فقط: كيف يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير السيناريو أو الترجمة أو التسويق؟ بل أصبح: من يملك البيانات؟ ومن يتحكم في توصيات المشاهدة؟ وهل تقود الخوارزميات الجمهور إلى التنوع، أم تعيد تدوير الأنماط نفسها على حساب الأصوات الجديدة؟

هذه الأسئلة تهم القارئ المصري والعربي مباشرة، لأن السينما المستقلة في المنطقة غالبًا ما تعتمد على المهرجانات والأسواق الدولية كي تجد شركاء إنتاج أو فرص توزيع. ومع تمدد المنصات الرقمية، صار تأثير الخوارزميات على فرص ظهور الفيلم لا يقل أهمية عن جودته الفنية. لذلك فإن نقاشات لوكارنو برو تتجاوز السياق الأوروبي، وتمسّ بنية السوق العالمية التي تتحرك داخلها أفلام من شمال أفريقيا والشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء.

الذكاء الاصطناعي بين الكفاءة والتهديد

ما يميز الطرح في لوكارنو برو أنه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره موضة عابرة، بل كعامل قد يعيد رسم موازين القوى داخل الصناعة. فمن ناحية، تَعِد الأدوات الجديدة بخفض بعض التكاليف وتسريع مراحل التطوير والتحليل والترويج. ومن ناحية أخرى، تفتح الباب لمخاوف تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وشفافية التدريب على البيانات، واحتمال تراجع المساحة المتاحة للقرار الإبداعي البشري.

هذا التوتر بين الكفاءة والحرية الإبداعية يبدو في صميم النقاش الحالي داخل أسواق الأفلام. وفي بيئات إنتاج ناشئة أو متوسطة الحجم، مثل عدد من بلدان المنطقة العربية، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى فرصة إن استُخدم كأداة مساندة، أو إلى عبء إذا أصبح وسيلة لفرض قوالب تجارية مغلقة تحد من التجريب والتنوع.

الخوارزميات والتمركز: معركة الاستقلال الحقيقي

إحدى أكثر النقاط حساسية في أجندة لوكارنو برو تتعلق بالعلاقة بين الخوارزميات والتمركز السوقي. فحين تتقلص مساحات العرض والترويج وتتعاظم سلطة المنصات الكبرى، يصبح من الصعب على الفيلم المستقل أن ينافس داخل سوق تقوده حسابات المشاهدة السريعة والنتائج المتوقعة مسبقًا. هنا تبرز المفارقة: التكنولوجيا التي يفترض أن توسع الوصول قد تنتهي إلى تقليص التنوع، إذا خضعت بالكامل لمنطق البيانات التجارية وحدها.

وثيقة StepIn 2025 الصادرة ضمن منظومة لوكارنو برو تضيء على هذا القلق من زاوية التمويل أيضًا، إذ تشير إلى تحديات جذب الاستثمار الخاص إلى القطاع الثقافي الأوروبي، وإلى الحاجة لحماية الاستقلال التحريري عند إدخال أموال جديدة إلى الصناعة. كما تناقش التفاوت بين أوروبا والولايات المتحدة في النظر إلى الترفيه كفئة استثمارية، وتلفت إلى أن تنمية السوق لا تنفصل عن الحفاظ على القيمة داخل السلسلة الإنتاجية نفسها.

عودة مجتمع الاستثمار في لوكارنو

ضمن هذا السياق، تكتسب عودة Locarno Investment Community أهمية خاصة. فالمسألة لم تعد تقتصر على عرض أفلام أو مشاريع أمام مشترين، بل على خلق لغة مشتركة بين الصناعة السينمائية ورؤوس الأموال المهتمة بالقطاع الثقافي. هذا النوع من المبادرات يهم المنتجين العرب تحديدًا، لأن التحدي الأكبر أمام كثير من المشاريع ليس فقط الوصول إلى مهرجان دولي، بل بناء هيكل تمويلي مستدام يسمح للشركة المنتجة بالنمو بدل البقاء في دائرة المشروع الواحد.

النقاش هنا يتصل أيضًا بسؤال أوسع: كيف يمكن جذب المستثمرين من دون التضحية بهوية الفيلم؟ في المنطقة العربية، كثير من المشاريع الجادة تصطدم بهذه المعضلة بين الضرورات التجارية والرهان الفني. لذلك يبدو ما يطرحه لوكارنو برو قريبًا من احتياجات المنتجين المستقلين في مصر والمغرب وتونس ولبنان وغيرها، حتى لو انطلق من بيئة أوروبية.

أوروغواي تحت الضوء في First Look

من أبرز ملامح البرنامج هذا العام تسليط الضوء على أوروغواي ضمن منصة First Look التابعة للوكارنو برو، وهي المبادرة المخصصة للأفلام في مراحل ما بعد الإنتاج. معلومات منشورة من جهات رسمية في أوروغواي تؤكد أن البلاد ستكون محور First Look 2026 داخل لوكارنو برو، مع فتح باب التقديم للأعمال المرتبطة بهذا التركيز.

اختيار أوروغواي ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل إشارة إلى اهتمام المهرجان بالأسواق الأصغر التي تمتلك حيوية فنية وقدرة على إنتاج سينما مؤلفة خارج الهيمنة الصناعية التقليدية. ومن هذه الزاوية، يمكن لقراء قسم السينما العربية قراءة الخطوة بوصفها نموذجًا مهمًا: فالمهرجانات الكبرى لا تبحث فقط عن “السينما القادمة” جغرافيًا، بل عن بيئات إنتاج قادرة على تقديم أصوات جديدة مع بنية تعاون دولي ذكية.

وبالنسبة للمنطقة العربية والأفريقية، فإن هذا النوع من “التركيز الوطني” يبعث رسالة واضحة: هناك اهتمام متزايد بالسينمات التي تعمل خارج المركز، شرط أن تمتلك مشاريع جاهزة للحركة الدولية من حيث التطوير والتقديم والشراكات.

لماذا يهم هذا الخبر الجمهور في مصر؟

قد يبدو الحديث عن لوكارنو برو بعيدًا عن المشهد اليومي للمشاهد المصري، لكنه في الحقيقة يرتبط مباشرة بمستقبل الأفلام التي تصل إلى المهرجانات العربية، أو تجد طريقها لاحقًا إلى المنصات، أو تدخل في شراكات إنتاج عابرة للحدود. فحين تتغير قواعد التمويل والترويج دوليًا، ينعكس ذلك على نوعية القصص التي تحصل على فرصة، وعلى شكل السوق الذي يستقبلها.

ومن هنا تأتي أهمية متابعة مثل هذه المنتديات المهنية، لا كحدث نخبوي، بل كمؤشر مبكر على الاتجاهات التي قد تحدد لاحقًا ما يُنتج، وما يُشاهد، وما يبقى خارج الخوارزمية. في زمن تتداخل فيه التقنية مع الثقافة ورأس المال، تبدو معركة السينما المستقلة اليوم أقل تعلقًا بالكاميرا وحدها، وأكثر ارتباطًا بمن يملك المنصة والبيانات وقرار الإظهار.

خلاصة المشهد

ما يطرحه لوكارنو برو هذا العام هو سؤال جوهري عن شكل المستقبل: هل تساعد الأدوات الذكية على توسيع الحرية الإبداعية، أم تدفع الصناعة نحو مزيد من التمركز والتشابه؟ وبين هذين الحدين، يحاول البرنامج أن يفتح مساحة لحوار مهني أكثر واقعية حول الاستثمار والبيانات والتنوع. وبالنسبة لصناع السينما في العالم العربي وأفريقيا، فإن متابعة هذه المناقشات ليست رفاهية، بل جزء من فهم الخريطة الجديدة التي ستحدد مكان الفيلم المستقل في السنوات المقبلة.