Filmatology

لوكارنو يراهن على ترميم الكلاسيكيات لجذب جيل جديد

مهرجان لوكارنو يفتح ملف التراث السينمائي أمام جمهور المستقبل

عاد مهرجان لوكارنو السينمائي (@filmfestlocarno على إنستغرام) ليؤكد مكانته كواحد من أهم منصات السينما العالمية التي تجمع بين اكتشاف الأصوات الجديدة وحماية ذاكرة الفن السابع. وفي نسخته الأخيرة، برزت فعالية Heritage Monday داخل البرنامج الصناعي للمهرجان كمساحة نقاش متخصصة حول مصير الأفلام الكلاسيكية بعد ترميمها، والأهم: كيف يمكن تقديمها إلى أجيال شابة نشأت في زمن المنصات الرقمية والإيقاع السريع للمحتوى.

المهرجان، الذي يُقام سنويًا في مدينة لوكارنو السويسرية منذ عام 1946، يواصل في السنوات الأخيرة توسيع اهتمامه بما يُعرف بـالسينما التراثية، أي الأفلام القديمة التي يُعاد ترميمها وتقديمها تجاريًا أو في برامج استعادية. وتُظهر الوثائق الرسمية للمهرجان أن مبادرة Heritage Monday أصبحت جزءًا واضحًا من هوية Locarno Pro، الذراع الصناعية للمهرجان، في إطار سعيه إلى أن يكون نقطة مرجعية للحوار حول استعادة الأفلام الكلاسيكية وتداولها من جديد.

سؤال الحدث: كيف تُباع الأفلام القديمة لجمهور لم يعش زمنها؟

جوهر النقاش هذا العام تمحور حول التحدي الأكثر إلحاحًا في عالم ترميم الأفلام: الوصول إلى جمهور شاب جديد لا يتعامل مع الكلاسيكيات بالضرورة من بوابة الحنين، بل من خلال الاكتشاف الأول عبر المهرجانات أو المنصات أو التوصيات الرقمية. هذا التوجه ينسجم مع ما رصدته تغطيات متخصصة للمهرجان، والتي أشارت إلى أن جلسات Heritage Monday ناقشت وسائل تسويق الأفلام الكلاسيكية لجيل يتابع السينما عبر أدوات معاصرة مثل المنصات الاجتماعية ومجتمعات المشاهدة الرقمية.

وفي هذا السياق، اكتسبت إدارة الجلسة أهمية إضافية، إذ أدار الحوار سونغ مون، المبرمج المرتبط بـمهرجان جيونجو الدولي للأفلام (@jeonju_iff على إنستغرام). وتؤكد بيانات منشورة عن لجان تحكيم لوكارنو أن سونغ مون يعمل مبرمجًا في جيونجو، وهو ما يعزز الطابع الدولي للنقاش ويمنحه زاوية آسيوية مهمة في التفكير بكيفية تقديم التراث السينمائي لجمهور جديد عالميًا، لا أوروبيًا فقط.

من الترميم إلى التوزيع: المعركة لا تنتهي عند إصلاح الصورة

أهمية هذه الفعالية لا تنبع فقط من الاحتفاء بالأفلام القديمة، بل من إدراك أن الترميم وحده لا يكفي. فبعد إنقاذ النسخة بصريًا وصوتيًا، تبدأ معركة أخرى تتعلق بالتوزيع السينمائي، والعرض في القاعات، والبرمجة في المهرجانات، ثم إيجاد مكان مناسب على خدمات البث. وفي برامج لوكارنو الرسمية السابقة الخاصة بـHeritage Monday، حضر ممثلون عن استوديوهات، وأرشيفات سينمائية، ومؤسسات عرض، ومنصات، لمناقشة المسار التجاري والثقافي للأفلام بعد ترميمها.

هذا النقاش يكتسب وزنًا خاصًا بالنسبة لصناع السينما والمبرمجين في المنطقة العربية أيضًا، لأن كثيرًا من الأفلام المهمة من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لا تحتاج فقط إلى ترميم تقني، بل إلى إعادة تموضع أمام جمهور جديد قد لا يعرف قيمتها التاريخية أصلًا. من هنا تأتي أهمية المهرجانات الدولية الكبرى مثل لوكارنو في صناعة “الحياة الثانية” لهذه الأعمال.

لوكارنو بين الذاكرة والابتكار

النسخة التاسعة والسبعون من مهرجان لوكارنو أُقيمت بين 5 و15 أغسطس 2026، بحسب الجهات الرسمية في المدينة والمهرجان، وهو ما يؤكد استمرار الحدث كأحد أبرز المواعيد الصيفية في خريطة السينما العالمية. كما تشير تقارير متخصصة إلى أن Locarno Pro في 2026 واصل إدراج Locarno Heritage ضمن برامجه الأساسية، إلى جانب المبادرات الموجهة إلى المواهب الجديدة والتمويل والتطوير المشترك.

هذا التوازن بين المستقبل والماضي هو ما يمنح لوكارنو خصوصيته. فالمهرجان لا يتعامل مع الأفلام الكلاسيكية بوصفها مواد محفوظة في الأرشيف فقط، بل كأعمال قابلة لإعادة التداول والاكتشاف. وتكشف برامجه السابقة أن Heritage Monday لم يقتصر على النقاشات، بل ضم أيضًا عروضًا لأفلام مرممة وجاهزة للعودة إلى السوق، في محاولة لربط الفكر الصناعي بالمشاهدة الفعلية.

لماذا يهم هذا القارئ المصري؟

بالنسبة للقارئ في مصر، قد يبدو الحديث عن لوكارنو وترميم الكلاسيكيات شأنًا يخص أوروبا أو دوائر المهرجانات فقط، لكنه في الحقيقة يلامس سؤالًا حاضرًا بقوة في المنطقة: كيف نحافظ على تراثنا السينمائي ونقدمه للأجيال الجديدة؟ مصر تمتلك واحدًا من أغنى الأرشيفات السينمائية في العالم العربي، لكن التحدي لا يتعلق فقط بحفظ النسخ، بل أيضًا بابتكار طرق جديدة لجعل الأفلام القديمة جذابة لمشاهد شاب يعيش وسط المنافسة الحادة للمحتوى العالمي.

ومن هذه الزاوية، فإن ما يناقشه لوكارنو ليس موضوعًا نخبويًا معزولًا، بل نموذجًا يمكن متابعته عربيًا: كيف تُصاغ حملات ترويجية حديثة لفيلم كلاسيكي؟ هل يُقدَّم عبر عرض خاص في مهرجان؟ أم من خلال نسخة 4K على منصة؟ أم عبر ربطه بنقاشات معاصرة تمس قضايا الهوية والذاكرة والسياسة والثقافة الشعبية؟ هذه هي الأسئلة التي تجعل من ملف الأفلام القديمة والجمهور الشاب قضية عالمية فعلًا.

التراث السينمائي لم يعد مجرد حنين

الرسالة الأوضح من Heritage Monday أن السينما الكلاسيكية ليست ماضيًا منتهيًا. في عالم يشهد طفرة في الترميم الرقمي وإعادة الإصدارات وبرامج الاستعادة، أصبحت الأفلام القديمة جزءًا من السوق الثقافية الجديدة، لا مجرد مادة للأكاديميين أو عشاق الأرشيف. ولوكارنو، عبر هذا المسار، يحاول تثبيت فكرة أن المستقبل لا يُبنى فقط على اكتشاف الفيلم التالي، بل أيضًا على إعادة اكتشاف الفيلم الذي سبقنا.

ولهذا السبب تحديدًا، يكتسب النقاش حول جذب الشباب إلى الكلاسيكيات أهمية تتجاوز حدود مهرجان واحد. فحين تنجح مؤسسة سينمائية في تقديم فيلم قديم باعتباره تجربة حية ومعاصرة، فإنها لا تنقذ عملًا من النسيان فحسب، بل تعيد توسيع معنى الثقافة السينمائية نفسها.

  • ما هو Heritage Monday؟ فعالية ضمن الذراع الصناعية لمهرجان لوكارنو مخصصة للسينما التراثية وترميم الأفلام وتوزيعها.
  • ما القضية الأساسية هذا العام؟ البحث عن طرق واقعية لجذب جمهور شاب إلى الأفلام القديمة والمرممة.
  • لماذا لوكارنو مهم؟ لأنه يجمع بين الصناعة، والبرمجة، والعرض، ويمنح الأفلام الكلاسيكية فرصة عودة فعلية إلى السوق.
  • ما الدرس الأوسع؟ أن حماية التراث السينمائي لا تنفصل عن تسويقه وتقديمه بلغة العصر.

في النهاية، يبدو أن لوكارنو يراهن على معادلة ذكية: لا مستقبل للسينما بلا ذاكرة، ولا قيمة للذاكرة إن لم تجد جمهورًا جديدًا. وهذه، في جوهرها، واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في السينما العالمية اليوم.